أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبد الرحمان بن عمرو - رسالة مفتوحة تتعلق برفض استعمال اللغة العربية







رسالة مفتوحة تتعلق برفض استعمال اللغة العربية


عبد الرحمان بن عمرو

الحوار المتمدن-العدد: 2178 - 2008 / 2 / 1 - 01:38
المحور: حقوق الانسان
    



المرجع : ملف الصندوق الوطني السيد المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
للضمان الاجتماعي
رقم الانخراط بالصندوق 1462126
الموضوع : رسالة مفتوحة تتعلق برفض استعمال اللغة العربية
السيد المدير ،
لقد دأبت مؤسستكم في العديد من مراسلاتها الموجهة إلى المنخرطين في الصندوق ومنهم مكتبي ، على كتابتها بلغة أجنبية ( الفرنسية ) ، ومن بين هذه المراسلات التي سبق لمكتبي التوصل بها وهي محررة بغير العربية والتي تتضمن معلومات وتوجيهات ومطالبات :
1 – مراسلة غير مؤرخة تم التوصل بها في أواخر يبراير 1999 .
2 – مراسلة مؤرخة في 07 / 03 / 2007 .
3 – مراسلة مؤرخة في 8/ 3 / 2007 تحت رقم 07/ 030 / DG / PM / DAFF .
4 – مراسلة مؤرخة في 1 / 11 / 2007 تحمل رقم 07 – 294 . DG ...
وبدون شك فإن مؤسستكم العمومية ( ص .و . ض . ج ) تتذكر جيدا بأنني أرجعت لها المراسلة الأولى رفقة رسالة تحمل تاريخ 01 / 03 / 1999 طالبا منها ترجمتها للعربية وذكرتها بالموضوع عبر رسالة ثانية مؤرخة في 11 / 6 / 1999 .
ولما لم تجب مؤسستكم ولم تستجب لما طلبت منها( الترجمة للعربية ) رفعت دعوى ضدها أمام المحكمة الإدارية بالرباط التي قضت لصالحي بتعويض معين عن الضرر المعنوي ( حكم رقم 1059 بتاريخ 28 / 12 / 2001 في الملف عدد 1040 / 99 ت ، وهو الحكم الذي استؤنف من الطرفين أمام الــغــرفـــة
الإدارية بالمجلس الأعلى التي قضت بتأييده ( القرار عدد 65 بتاريخ 30 / 01 / 2003 في الملف الإداري عدد 1183 / 4 / 2 / 2002 ) .
ورغم أن الحكم بالتعويض أصبح نهائيا وقابلا للتنفيذ ابتداء من تاريخ التأييد الذي هو 30/ 1 /2003 ، فإن مؤسستكم ، في شخص مديرها العام ، رفضت تنفيذه . وظلت تماطل وتمانع في التنفيذ لمدة حوالي ثلاث سنوات ...
وبسبب تماطل المؤسسة التي تديرونها في الأداء وما نتج عن ذلك من أضرار ، فقد رفعت من جديد دعوى أمام إدارية الرباط أطلب فيها الحكم عليكم شخصيا بأداء تعويض معين على أن تتضامن معكم في أدائه كل من وزارة التشغيل والتكوين المهني باعتبارها وصية على مؤسستكم والدولة المغربية باعتبارها مسؤولة عن الأخطاء المهنية لموظفيها ومستخدميها ...
إلا أن المحكمة اكتفت بالاستجابة إلى جزء من الطلب حيث قضت بتعويض معين على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ( حكم رقم 472 بتاريخ 20/03/ 2006 في الملف عدد 1154/ 07/ 2005)
إن الحكم المذكور مستأنف من الطرفين واستئنافهما معروض حاليا على الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى ( الملفان 3103 / 06 + 310 / 07 ) ...
وبالنسبة لمراسلتكم المؤرخة في 08 / 03 / 07 فالمفروض أن تكونو على علم بأنني أرجعتها لكم رفقة رسالة مؤرخة في 03 / 4 / 2007 بينت فيها سبب الإرجاع وهو تحريرها بغير اللغة الرسمية للبلاد طبقا للدستور الأمر الذي يجعلها غير مرتبة لأي أثر قانوني ...
ولنفس السبب أرجعت لكم ، بواسطة رسالة مؤرخة في 24 / 04 / 2007 ، مراسلتكم المؤرخة في 07 /03 / 2007 والمحررة بلغة أجنبية والتي وجهت نسخة منها ومن رسالتي لكم إلى السيد وزير التشغيل والتكوين المهني ، الوصي على مؤسستكم ، وذلك قصد الاطلاع ولكل غاية مفيدة .
أما مراسلتكم الأخيرة المؤرخة في 01 / 11 / 2007 والمحررة بلغة موليير : فلم أر داع لمقاضاتكم من جديد ومعكم مؤسستكم والوزارة الوصية عليكم والدولة المغربية لأن هذا الطريق استنفد ...
بل لم أر حتى مجرد إعادتها إليكم ، لأن ذلك سيكون من قبيل العبث ما دامت المؤسسة التي تتحملون مسؤولية إدارتها مصرة على خرق الدستور ، وعلى الاستهانة بأحكام القانون و القضاء ، وعلى عدم الاكتراث بمصالح ومشاعر المواطنين ...
لقد اخترت في هذه المرة ، ومن خلال هذه الرسالة المفتوحة ، أن أتوجه إلى الرأي العام ، عبر وسائل الإعلام ، من أجل إبراز خطورة استعمال لغة أجنبية من طرف مؤسستكم ومن غيرها من الإدارات والمؤسسات المغربية في بلد تعتبر فيه العربية لغته الرسمية ، وذلك بتواطؤ من الدولة المغربية ، وبتقصير من المؤسستين التشريعية والقضائية ، وبعدم اكتراث من أغلبية الأحزاب السياسية ومن فئات المجتمع المغربي المثقفة ، إن كل هذه الإدارات و المؤسسات والمنظمات والفئات ، مع بعض الاستثناءات ، مسؤلة بجانبكم ، عن عدم استعمال اللغة العربية في مصالحها وفي علاقتها مع بعضها ومع المواطنين .
لنبدأ بمسؤلية مؤسستكم التي ترأسونها كمدير عام لها ، وهي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي :
إن مسؤولية مؤسستكم تتجلى ، من بين ما تتجلى :
في خرق الدستور الذي ينص في تصديره على أن " المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة لغتها الرسمية هي اللغة العربية ..."
ومن المعلوم أن الدستور هو أعلى قانون في البلاد ، وأنه طبقا للفصل الرابع منه فإن " القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة ويجب على الجميع الامتثال له ..." وانه وفقا للفصل 81 منه فإنه : " لا يجوز إصدار أو تطبيق أي نص يخالف الدستور ..."
وفي خرق منشور الوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي الصادر في 22 شعبان 1419 الموافق لـ 11/ 12 / 1998 وتحت رقم 58 / 98 والذي حث ، من خلاله ، جميع الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية ، على وجوب استعمال اللغة العربية بمصالحها وفي علاقاتها مع بعضها ومع المواطنين ...
وفي عدم اعتبار التصريح الحكومي الأخير الصادر عن الوزير الأول ، الأستاذ عباس الفاسي ، أمام مجلس النواب بغرفتيه خلال اليومين 24 و 25 من شهر أكتوبر 2007 والذي جاء فيه " بأن الحكومة ستولي في برنامج عملها عناية خاصة للرفع من شأن اللغة العربية وحضارتها خاصة في الإدارة والحياة العامة ..."
وفي عدم الإقرار ، عن طريق الممارسة ، برسمية اللغة العربية والإقرار في نفس الوقت ، ضمنيا ، " برسمية اللغة الفرنسية " داخل المغرب ، الأمر الذي يعني عدم الاعتراف بمقتضيات الدستور المغربي ، والاعتراف في نفس الوقت بمقتضيات الدستور الفرنسي .
وفي المس بحقوق العمال ، ذلك لأن الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يقصد منه أساسا تامين التعويض عن مختلف الآفات التي تصيب المستخدمين والعمال ، ذلك لأن الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يقصد منه أساسا تأمين التعويض عن مختلف الآفات التي تصيب المستخدمين والعمال ، وبالتالي فإن الانخراط يهم أساسا هؤلاء الأخيرين الذين يكون من حقهم الاطلاع مباشرة على الوثائق والمراسلات التي تبعثون بها إلى مشغليهم .و إذا كان من المفروض في المستخدمين والعمال معرفة اللغة العربية ، بحكم رسميتها دستوريا ، فليس من المفروض فيهم معرفة أية لغة أجنبية بما فيها اللغة الفرنسية ...
وبما أن كل خرق للقانون ، وعلى رأسه الدستور ، وللمراسيم والقرارات والمنشورات التطبيقية له ، جزاء ، فلا بد أن نتساءل عن الجزاءات التي يمكن تطبيقها على الموظفين ، مهما علت مراكزهم ،عندما يخرقون ما ذكر :
إن الجزاءات المترتبة عن خرق ما ذكر قد تكون ، حسب الأحوال مدنية أو تأديبية أو جنائية أو كل هذه الجزاءات ...
ونرى أن عدم استعمال اللغة العربية من قبل المصالح الإدارية والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية يعتبر خطأ مصلحيا يترتب عليه تعريض الموظف الغير المستعمل ، كيفما على شأنه ، إلى جزاءات تأديبية ، وذلك تطبيقا للمادة 13 من قانون الوظيفة العمومية الصادر في 24 / 2 / 1958 ، وهي المادة التي تنص على أن " ... كل هفوة يرتكبها الموظف في تأدية وظيفته أو عند مباشرتها تعرضه لعقوبة تأديبية زيادة ، إن اقتضى الحال ، عن العقوبات التي ينص عليها القانون الجنائي ..."
وقبل الانتقال إلى تناول مسؤولية باقي المؤسسات في عدم استعمال اللغة العربية أحب أن أؤكد بأنني لست ضد تعلم أية لغة أجنبية والتحدث أو الكتابة بها في الأوقات و الأحوال المناسبة ، بل إن التعلم والاستعمال المذكورين لا يمكن إلا أن يكون مفيدا ونافعا ، ولكن هذه الإفادة والمنفعة لا يمكن أن يستغلا أو يبررا ، بأي حال من الأحوال ، استعمال اللغة الأجنبية بالإدارات والمؤسسات العمومية ...
والسؤال الجوهري المطروح الذي يفرض نفسه هو :
لماذا يجرؤ موظفو الإدارات والمؤسسات العمومية على عدم استعمال العربية بالرغم من كونهم يدركون أو من المفروض أن يدركوا أن ذلك يعتبر مخالفا للقانون وخطأ وظيفيا من شان ارتكابه تعريضهم لأحد العقوبات التأديبية ؟ .
الجواب على هذا السؤال يكمن في عدم تفعيل القانون بما في ذلك نصوصه المتعلقة بالجزاءات التأديبية : ففي المغرب ليس مجرموا الاغتيال والتعذيب والاختطاف من رجال السلطة وأعوان الدولة ، في أزمنة الرصاص هم الوحيدون الذين أفلتوا من الجزاءات الجنائية والتأديبية والمدنية ، بل إن الإفلات شمل كذلك ذوي النفوذ من مرتكبي الجرائم الماسة بحريات المواطنين وحقوقهم ، وجرائم الأموال والتزوير ..
و المسؤول عن عدم تفعيل الجزاءات التأديبية هم رؤساء مرتكبي المخالفات الوظيفية ...
وعندما يكون مرتكبو المخالفات هم الرؤساء ، فإن مسؤولية التفعيل يتحملها رؤساء الرؤساء وهكذا إلى أن يصل التدرج إلى أعلى رئيس في هرم السلطة ...
وبالنسبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، فإن رئيسه هو مديره العام . ورئيس هذا الأخير هو وزير التشغيل والتكوين المهني على اعتبار أن وزارة هذا الأخير هي الوصية على مؤسسة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي .
ومن المعلوم أنه سبق أن أشعرت وزير التشغيل والتكوين المهني بموضوع رفض الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، في شخص مديره العام ، استعمال اللغة العربية فلم يحرك ساكنا ، بل أدخلته في دعوى التعويض بسبب عدم استعمال اللغة العربية والتني حكم فيها بتعويض معين على الصندوق المذكور ومع ذلك لم يحرك ساكنا ، كما أدخلته مرة أخرى في دعوى التعويض الثانية المرفوعة على مدير الصندوق بسبب رفضه تنفيذ الحكم الصادر على هذا الأخير ، وهي الدعوى الثانية التي حكم فيها عليه بتعويض معين ، ومع ذلك فإن الوزير المعني لم يحرك ساكنا ، بالرغم من كون كلا الدعوتين كلفت ميزانية الصندوق الممولة من جيوب المنخرطين مبالغ معينة بالإضافة إلى أتعاب المحامي أو المحامين الذين نابوا عنه في جميع مراحل التقاضي ومصاريفهما القضائية .
أما مسؤولية المؤسسة التشريعية ( البرلمان ) عن عدم استعمال العديد من الإدارات والمؤسسات العمومية للغة العربية فتتجلى ، من بين ما تتجلى :
في عدم إصدارها لنص قانوني يلزم إدارات الدولة ومؤسساتها العمومية باستعمال العربية وترتيب جزاءات مدنية وتأديبية وجنائية على مخالفة الالتزام المذكور .
وفي عدم محاسبة الحكومة ومساءلتها بسبب عدم قيامها بواجبها في السهر على استعمال اللغة العربية من طرف إدارات الدولة ومؤسساتها العمومية .
وفي عدم تشكيل لجن البحث والتقصي للوقوف على الإدارات والمؤسسات العمومية التي ترفض استعمال اللغة العربية ورفع تقرير في الموضوع للبرلمان قصد اتخاذ ما يجب .
وفي عدم مراجعة التشريع المغربي مراجعة شاملة من شأنها تعريب بعض النصوص التي لازالت محررة بالفرنسية أو محالة على نص فرنسي صادر عن الدولة الفرنسية قصد تطبيقه في الأراضي الفرنسية والمثال الذي نقدمه في هذا الخصوص هو ظهير 4 ماي 1925 المتعلق بالتوثيق العصري :
فهذا الظهير ، الذي مر على صدوره في عهد الحماية أكثر من 82 سنة ، وعلى العمل به في عهد الاستقلال أكثر من 51 سنة ، لا زال ينص في فصله الأول على أن مهنة التوثيق مقتصرة على الفرنسيين ، وأن المواد من 8 إلى 30 من القانون الفرنسي المؤرخ في 25 فانتوز 1911 والمغير في فصليه 9 و 11 بالقانون الفرنسي المؤرخ في 12 غشت 1922 لا زال يجري تطبيقها على التوثيق و الموثقين بالمغرب ... ( محال على القانون الفرنسي بمقتضى المادة 20 من الظهير المذكور ) ، ولازال الظهير المشار إليه ينص على وجوب تحرير العقود المنجزة من قبل الموثقين باللغة الفرنسية ، بل أكثر من ذلك فإن مجرد التوقيع عليها من قبل أطرافها يجب أن يتم بحروف فرنسية ( أي الحروف اللاتينية ) ، فإذا كان التوقيع بحروف عربية فيجب ترجمتها إلى الفرنسية من قبل ترجمان محلف ( المادة 22 من الظهير ) . وإذا حدث ، وهذا ما لم يحدث حتى الآن ، أن خولت لأحد الموثقين نفسه تحرير أحد العقود باللغة العربية ، فسيترتب عن هذا التحرير باللغة العربية ، أمران : الأول : تعريض العقد للبطلان ( المادة 29 من الظهير ) . والثاني : تعريض الموثق للتأديب ( المادتان 29 و 32 من الظهير ) ، فياللهول : تحرير عقود التوثيق باللغة العربية ، اللغة الرسمية للبلاد ، يترتب عليهما جزاءان أحدهما مدني ( البطلان ) وآخر تأديبي ( عقوبات تأديبية ) . فهل نحن أمام مؤسسة تشريعية تحمي اللغة الوطنية الرسمية للمغرب أم أمام مؤسسة تشريعية تحمي اللغة الوطنية الرسمية لدولة فرنسا ؟ ! ...
وقبل أن نترك الكلام عن مسؤولية السلطة التشريعية ( البرلمان ) عن عدم حماية اللغة العربية ، على مستوى التشريع والاستعمال والمراقبة والمحاسبة و المساءلة ، لابد من التساؤل عن السبب في عدم الحماية ؟ .
إن الجواب عن التساؤل المذكور يكمن في كون الأغلبية الساحقة لأعضاء البرلمان والتي عرفها المغربي منذ الاستقلال ولغاية تاريخه لم تكن ولا زالت لا تمثل الإرادة الحقيقية للشعب المغربي وبالتالي لا يمكن إلا أن تكون ضد رغباته الحقيقية ومنها حماية لغته الرسمية ...
مسؤولية السلطة التنفيذية ( الحكومة) بشأن عدم استعمال اللغة العربية في الإدارات والمؤسسات العمومية:
إن مسؤولية الحكومة ، وضمنها مؤسسة الوزير الأول ، في عدم استعمال اللغة العربية من قبل الوزارات المكونة لها والإدارات والمؤسسات العمومية التابعة لها تتجلى ، من بين ما تتجلى ، في :
على المستوى التشريعي : في عدم إصدار مشروع قانون ينص على وجوب استعمال اللغة العربية في الإدارات والمؤسسات العمومية مع ترتيب جزاءات معينة عند عدم التنفيذ . ومن المعلوم أن المشاريع القانونية للحكومة لها الأسبقية في البث من قبل البرلمان ( المادة 56 دستور ) . وإذا اعتبرنا التشريع في مجال وجوب استعمال اللغة العربية وتوقيع الجزاءات بسبب عدم الامتثال لمقتضياته إنما يدخل في المجال التنظيمي بواسطة المراسيم التنظيمية ، فإن هذه الأخيرة ، كمشاريع القوانين ، تدخل أيضا في اختصاص الحكومة وكلاهما يتم المصادقة عليه في مجلس وزاري يرأسه الملك ( المادتات 25 و 66 من الدستور) ، والفرق بين مشاريع القوانين ومشاريع المراسيم التنظيمية ، فيما يخص تاريخ القابلية للتنفيذ ، هو أن الأولى ( مشاريع القوانين ) ، لا تصبح قابلة للتنفيذ إلا بعد المصادقة من قبل البرلمان ونشرها في الجريدة الرسمية بينما الثانية ( مشاريع المراسيم التنظيمية ) يشرع في تنفيذها عند المصادقة عليها في مجلس وزاري ونشرها بالجريدة الرسمية .
وعلى مستوى التنفيذي ، فإن الحكومة لم تقم بواجبها الدستوري في مراقبة تنفيذ القوانين وعلى رأسها الدستور كأعلى قانون والذي ينص على رسمية اللغة العربية . و تقتضي المراقبة محاسبة ومساءلة الذين يخرقون الدستور عندما يكونون من صنف الوزراء ومدراء المؤسسات العمومية ...
ونفس المسؤولية التي تقع على الحكومة يتحملها الوزراء الأولون الذين عرفهم المغرب ، عندما لم يقوموا في نطاق صلاحياتهم التشريعية والتنظيمية المنصوص عليها في المواد 62 و 63 و 65 من الدستور ، بالسهر على وضع المشاريع التشريعية اللازمة لحماية اللغة العربية والمصادقة عليها وبالمتابعة والمراقبة ومساءلة من يخرقون نصوص الحماية أو يرفضون تنفيذها أو تنفيذ المنشورات المطبقة لها ...
فهل يرجع السبب :
إلى كون رؤساء الإدارات والمؤسسات العمومية وموظفوها لا يعرفون اللغة العربية ؟: لا نظن ذلك لأن اللغة العربية ، بنحوها وصرفها ومصطلحاتها و تعابيرها بدأ تعليمها للمغاربة في المدارس العمومية الرسمية منذ عهد الاستعمار الفرنسي الذي فرض رسميا في مارس 1912 لينتهي رسميا في مارس 1956 ، وقد توسع تدريسها في عهد الاستقلال الذي فرض عليه ، لغاية تاريخه ، أكثر من نصف قرن ، وهي مدة كافية لتعليم وإتقان اللغة العربية مع المصطلحات التقنية المعربة والمقابلة للمصطلحات الأجنبية التي تزخر بترجمتها للعربية مختلف القواميس المتخصصة .
وحتى مع الفرض جدلا عدم وجود من يتقن ، كليا أو جزئيا ، العربية ومصطلحاتها التقنية بالإدارات والمؤسسات العمومية ، فإن ذلك لا يبرر عدم استعمال اللغة العربية ، وإنما استمرار وجوب استعمالها عن طريق الاستعانة أو استبدال من يجهلها أو يتجاهلها بمن يجيدها ...
أم يرجع السبب إلى مبررات اقتصادية ( الاستثمار الأجنبي بالمغرب ) وديبلوماسية ( سفارات ومنظمات أجنبية بالمغرب ) ؟ :
وهذه المبررات بدورها غير مقبولة :
فمن الناحية الاقتصادية :
فهذا السبب لا يبرر خرق الدستور .
والاستثمار الاقتصادي في المغرب غير محصور في المقاولات الأجنبية ، بل يمتد إلى تلك يملكها مغاربة ، بينما الإدارات والمؤسسات العمومية تتعامل مع الجميع باللغة الفرنسية . يضاف إلى ذلك أن استعمال اللغة الفرنسية من طرف الإدارات والمؤسسات العمومية لا يقتصر على مجال علاقاتها بالمؤسسات الاقتصادية وبالسفارات والقنصليات والمنظمات الأجنبية ، بل يمتد ، مع بعض الاستثناءات التي لا يعتد بها ، إلى باقي المجالات الاجتماعية والثقافية والفنية والرياضية والإعلامية .
هذا مع العلم ، من الناحية الدستورية والقانونية والمنطقية ، أنه من المفروض على جميع المؤسسات الأجنبية كيفما كانت أهدافها الاقتصادية أن تتعامل وتستعمل اللغة الرسمية للبلد الذي تقيم فيه سواء في علاقاتها مع الإدارات و المؤسسات العامة والخاصة أو في علاقتها مع المواطنين .
وما قلناه بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية الأجنبية ينطبق على البعثات الدبلوماسية والقنصلية العاملة في المغرب والتي يجب التعامل معها باللغة العربية وأن تتعامل هي بدورها بنفس اللغة في علاقتها مع الإدارات والمؤسسات العامة والخاصة المغربية أو في علاقتها مع المواطنين ، وتؤكد ما نقول المادة 41 من الاتفاقية الدولية المبرمة بفيينا 18 / 4 / 1961 بشأن العلاقات الدبلوماسية والتي صادق عليها المغرب بمقتضى ظهير رقم 46. 69 . 1 مؤرخ في 28 ربيع الثاني 1389 ( 14 / 07 / 1967 ) ( ج ر 5 / 11 / 69 ) . كما تؤكده المادة 55 من الاتفاقية فيينا الدولية لسنة 1963 حول العلاقات القنصلية ، وهي الاتفاقية التي صادق عليها المغرب بمقتضى ظهير 196 . 77 . 1 بتاريخ 30ج 1 1398 ( 8 / 5 / 1978) ( ج الرسمية عدد 3501 بتاريخ 15 محرم 1400 هـ ( 05 / 12 / 1979 ) ، فكلا المادتين المذكورتين ( 41 و 55 ) توجبان على البعثات الأجنبية احترام قوانين وأنظمة دولة الإقامة ...
وأنه من غير المقبول أن ترسم اللغة العربية وتستعمل في كافة أجهزة الأمم المتحدة ولجانها طبقا للمادة 51 من النظام الداخلي للجمعية العامة للأمم المتحدة و لا يكون الأمر كذلك ، من باب أولى ، بالنسبة للمغرب .
كما أنه من المضحك حقا أن تعمل الدولة المغربية على نشر لغة أجنبية بأموال الشعب التي كان يجب أن تستعمل من باب أولى وأحق في نشر لغته .
هذا وإن عدم استعمال اللغة العربية من طرف الإدارة المغربية والمؤسسات العمومية المغربية لا يخل بمقتضيات الدستور فقط ، وإنما يعتبر ، بالإضافة إلى ذلك :
إهانة للغة الرسمية للبلاد .
و دفع المؤسسات والمقاولات المغربية و المواطنين إلى استعمالها في علاقتهم مع الإدارة والمؤسسات العمومية والخاصة ، على اعتبار أنها لا تلتفت إلا إلى المراسلات المحررة بالفرنسية ...
و دفع أجيال التلاميذ والطلبة والشباب إلى عدم إتقانها على اعتبار ألا مستقبل لها في القطاعين العام والخاص و إنما هو للفرنسية .
و تبدير الأموال العامة للدولة ، إذ أن استعمال الفرنسية بصفة أساسية وموسعة والعربية بصفة جزئية وثانوية ، اقتضى من الإدارة والمؤسسات العمومية الزيادة في المصاريف العامة بسبب الزيادة في عدد الضاربين والضاربات على آلات الطبع وفي المطبوعات المرقونة باللغتين مع استعمال الفرنسية ، دون العربية ، في ملئها .
و تشجيع استعمال الفرنسية ، ضمنيا وبحكم الواقع ، من طرف المقاولات والشركات الأجنبية الغير الفرنسية ، مع العلم أن الذي يستثمر في المغرب وتقدم دولته قروضا خاصة ليس هو المقاولات الفرنسية فقط وإنما تلك التي تنتمي إلى أكثر من 45 دولة في مقدمتها الإمارات العربية المتحدة التي تحتل الصف الثامن حسب النشرة الإحصائية السنوية للمغرب لعام 2006 و اسبانيا الصف الثاني ولو ترك لهذه المقاولات والشركات الأجنبية ، الاختيار الأسهل ، المنسجم مع جذورها الوطنية وإمكانياتها البشرية المتوفرة لديها ، لاختارت اللغة الرسمية للبلاد المنحدرة منها ...
والتحريض الضمني للسفارات والقنصليات الأجنبية بالمغرب على استعمال الفرنسية بدول عربية ضد على الدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة . وبهذه المناسبة يجب التذكير بأن طاقم البعثة الدبلوماسية والقنصلية للصين الشعبية المراسلة إلى المغرب في الستينات لم يكن يعرف ، بالإضافة إلى لغته الرسمية ، إلا اللغة العربية على اعتبار أن هذه هي اللغة الرسمية للبلاد وبالتالي لغة العمل بها ، لكن عندما تبين لها ، بحكم الواقع ، أن اللغة الرسمية هي " الفرنسية "استبدلت الطاقم الأول بثان لا يعرف ، بالإضافة إلى لغة الصين الرسمية ، إلا الفرنسية .
ويتبين من كل ذلك ومن غيره أن السلطة التنفيذية بالمغرب لا تتقاعس فقط عن استعمال اللغة العربية وإنما تعرقل ، عن سبق إصرار وترصد ، هذا الاستعمال ... ولذلك نعيد طرح نفس السؤال الذي طرحناه بالنسبة للسلطة التشريعية :
فما هو ياترى السر في رفض العديد من الإدارات والمؤسسات العمومية استعمال اللغة العربية رغم رسميتها الدستورية ؟ ورغم السلبيات الكثيرة والمتنوعة المترتبة عن عدم هذا الاستعمال ؟ :
نفس الجواب الذي سقناه بالنسبة للمؤسسة التشريعية ( البرلمان ) يصلح للرد على التساؤل الخاص بالمؤسسة التنفيذية ( الحكومة ) :
ذلك أن جميع الحكومات التي عرفها المغرب منذ الاستقلال لم تكن ولغاية تاريخه منبثقة عن إرادة الشعب وممثلة له تمثيلا حقيقيا وخادمة لمصالحه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وضمنها حماية اللغة الرسمية للبلاد وهي اللغة العربية ...
مسؤولية القضاء المغربي :
قبل التعرض إلى موقف القضاء المغربي من مفهوم رسمية اللغة العربية وفقا للدستور وتطبيق هذا المفهوم على الوثائق والمستندات المحررة بلغة أجنبية والمقدمة إليه بمناسبة النزاعات المعروضة ، يجب التذكير ببعض المبادئ والقواعد الدستورية والقانونية والتي من بينها : أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة وأن على الجميع احترامه ( م .4 دستور) ، وأن القضاء مستقل عن السلطتين التشريعية والتنفيذية (م . 82 د) ، ويعتبر القضاء ، حسب النص الفرنسي للدستور المغربي ، سلطة ، وهذه السلطة إذا كانت لا تصنع القانون فهي تفسره وتؤوله بمناسبة البث في النزاعات المعروضة عليها ويصبح تفسيرها وتأويلها ملزما للجميع خاصة إذا صدر عن المجلس الأعلى ( المواد 359 - 369 - 381 م م و 534 م ج ... )
ومن ناحية أخرى ، فإن السلطة القضائية إذا كانت غير مختصة بتنفيذ القانون ، فإنها مختصة بتوقيع الجزاءات المدنية ، وعند الاقتضاء التأديبية والجنائية ، على الذين يخرقونه كيفما كانت مراكزهم وكيفما علا شأنهم ....
ومن المعلوم ، كما أسلفنا ، فإن جميع مقتضيات الدستور ، الذي هو أعلى درجة في القانون والذي ينص على رسمية اللغة العربية ، تعتبر من النظام العام وملزمة للجميع .
وبناء على رسمية اللغة العربية دستوريا ، فقد جاء في القانون رقم 64 . 3 بتاريخ 26 / 1 / 1965 المتعلق بتوحيد المحاكم وبالضبط في مادته الخامسة ،على أن اللغة العربية هي وحدها لغة المداولات والمرافعات والأحكام في المحاكم المغربية . وفي مادته السادسة على أن المختص بتطبيق هذا القانون هو وزير العدل الذي اصدر قرارا تحت رقم 65 . 414 بتاريخ 29 / 6 / 65 والذي جاء في مادته الأولى على أنه " يجب أن تحرر باللغة العربية ابتداء من فاتح يوليوز 1965 جميع المقالات والعرائض والمذكرات وبصفة عامة جميع الوثائق المقدمة إلى مختلف المحاكم " .
و لا نريد أن نؤكد مرة أخرى على أن مفهوم اللغة المرسمة يعني وجوب استعمالها في جميع الإدارات والمؤسسات العمومية سواء داخل مصالحها وأقسامها أو في علاقاتها فيما بينها أو مع الغير ...
والسؤال المطروح في هذه الخصوص هو : إلى أي حد عمل القضاء المغربي بالمقتضيات المذكورة بالنسبة للمستندات المحررة بلغة أجنبية والمقدمة إليه بمناسبة النزاعات المعروضة عليه للفصل فيها ؟ فهل أمر و يأمر بترجمتها إلى العربية أم لا ؟
مع الأسف الشديد ، فإن الجواب على هذا السؤال سيكون سلبيا : فالقضاء المغربي أول وفسر، حسب رأينا ، المقتضيات المذكورة ، الدستورية والقانونية ، تأويلا خاطئا ، ويتجلى ذلك ، من بين ما يتجلى ، في :
على مستوى المجلس الأعلى :
فقد جاء في أحد قراراته ذات الصلة بالموضوع، " ... حيث وإن كانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد ، فإن الدستور لا يمنع استعمال لغة أجنبية إذا دعت الضرورة لذلك " ( قرار المجلس الأعلى رقم 263 بتاريخ 25 / 11 / 1983 في الملف الإداري رقم 68707 ) . ويلاحظ بالنسبة لهذا القرار ما يلي :
بأن ترسيم اللغة العربية دستوريا لا تعني ، في نظر المجلس وجوب استعمالها ، وذلك بدون أن يقول لنا ما ذا تعني كلمة رسمية اللغة ، اللهم إلا إذا كانت تعني مجرد تزيين لصدر الدستور ؟ .
إن أي دستور في العالم ، ومنه الدستور المغربي ، عندما يتكلم عن وضعية اللغة ، فإنما يتحدث عن لغة البلاد التي ينتمي إليها ، وبالتالي لا يمكن تصور تناوله لوضعية لغات أجنبية تخص بلدان أخرى .
و على الفرض جدلا بأن قرار المجلس الأعلى اعتمد على قاعدة : " الأصل في الأشياء الإباحة " للقول بأن الدستور المغربي لا يمنع استعمال لغة أجنبية ، فإن تطبيق هذه القاعدة لن يكون في محله ، لأن هذه الأخيرة لا تطبق إذا كان هناك فراغ تشريعي في معالجة واقعة أو تصرف معين ، وهذا الفراغ لا وجود له بالنسبة لوضعية اللغة العربية التي نص الدستور المغربي على أنها اللغة الرسمية الوحيدة في المغرب ، ولم يشرك معها أية لغة أجنبية أخرى ، الأمر الذي يعني كونها الوحيدة في الاستعمال بالإدارة وبالمؤسسات العمومية بما فيها مؤسسة القضاء .
وهناك قرار آخر ، صادر عن المجلس الأعلى ، لا نتفق معه لأنه يمس حق أطراف النزاع المعروض على القضاء في الترجمة للعربية للمستندات المقدمة إليه والمحررة بلغة أجنبية لأننا نرى أن على هيئة المحكمة أن تأمر بترجمة هذه المستندات للعربية وبصفة تلقائية سواء طلب ذلك أحد أطراف أو الدعوى أم لم يطلبه لأن هذه الترجمة يفرضها الدستور وقانون توحيد المحاكم وقرار وزير العدل المطبق له كما تفرضه حقوق الدفاع وضرورة توفير شروط الحكم العادل .
والقرار الذي نعنيه صادر عن المجلس الأعلى تحت رقم 1579 بتاريخ 17 / 6 / 1992، وجاء فيه " ... أن من حق المحكمة ، بل من الواجب عليها الرجوع إلى وثيقة قدمت لها بصفة قانونية لمعرفة مضمونها مادامت قد آنست من نفسها القدرة على فهمها دون الاستعانة بمترجم ، ومادام أن اللغة العربية إنما هي مطلوبة في المرافعات وتحرير المذكرات لا في تحرير العقود و الاتفاقات ..."
ونرى بأن هذا القرار الصادر عن المجلس الأعلى لم يصادف الصواب لعدة اعتبارات من بينها :
لمخالفته الصريحة لمقتضيات الدستور ، ولقانون توحيد المحاكم ولقرار وزير العدل المطبق له .
ولأنه إذا جاز للخواص تحرير عقودهم واتفاقاتهم بلغة أجنبية فإنه ليس من حقهم أن يدلوا بها للقضاء إلا وهي مترجمة للعربية ...
ولأن مفهوم المرافعة أمام القضاء لا ينحصر في تناول الدفاع للكلمة بعد انتهاء المناقشة وإنما تشمل المرافعة أيضا : المناقشة التي يشترك فيها الأطراف ودفاعهم . وخلال هذه المناقشة يدلي الأطراف مباشرة أو رفقة مذكراتهم المتبادلة بحججهم التي قد يكون بعضها محررا بلغة أجنبية ، ولكي يمكن للأطراف مناقشة محتوياتها ، وهذا من حقهم ، فإنه يجب أن تترجم للعربية.
وأنه إذا كان من المفروض في القضاة المغاربة معرفة اللغة العربية ، باعتبارها اللغة الرسمية ، فليس المفروض فيهم معرفة أية لغة أجنبية ، بما فيها الفرنسية : لأن هذه الأخيرة ( اللغات الأجنبية ) لا تتمتع بأية رسمية بالمغرب ولأنه منذ الإعلان عن الاستقلال في مارس 1956 ولغاية يناير من سنة 1999 ، أي خلال مدة تزيد عن اثنين وأربعين سنة ، ظل الولوج إلى سلك القضاء لا يتطلب معرفة أية لغة أجنبية ، وجميع المراسيم التي نظمت امتحانات أو مباراة الولوج إلى سلك القضاء ، ظلت تنص على إجرائها باللغة العربية وحدها ، إلى أن صدر في 12 يناير 1999 مرسوم رقم 967 . 98 . 2 وهو المرسوم الخاص بتحديد شروط المشاركة في مباراة الملحقين القضائيين وبرنامج الاختيارات وتنقيطها وكذا الإجراءات المتعلقة بامتحان نهاية تدريب الملحقين والذي نص على إجراء اختبار كتابي وشفوي بأحد اللغات الأجنبية الثلاث وهي الفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية :
وقد يكون هدف المشرع من إدخال الاختبار في اللغات الأجنبية الثلاث المشار إليها في امتحانات الولوج إلى سلك القضائي ، تمكين هذا الأخير من الاطلاع على الاجتهادات الفقهية والقضائية المكتوبة بتلك اللغات ، وهو شيء حسن ، ولكنه أي الاختبار ليس الطريق الوحيد الذي يوصل إلى هذه الغاية : إذ في إمكان الدولة المغربية أن تسلك طريقا أوسع وأعمق للاطلاع على الاجتهاد الفقهي والقضائي ليس في الدول الثلاثة المذكورة وإنما في دول أخرى مثل ألمانيا وإيطاليا ، ولا يستفيد منه فقط القضاة وإنما كافة المهتمين بمجالي القانون والفقه ، هذا الطريق الواسع والعميق هو الترجمة للعربية لمؤلفات أجنبية في الميادين القانونية والفقهية والقضائية ، على أن تقوم بهذه الترجمة هيئة مختصة تعمل تحت رعاية وتمويل من الدولة ...
ولكن ، ومع ذلك فإن معرفة القاضي للغة أو أكثر من اللغات الأجنبية شيء ، ووجوب أمره ، وبصفة تلقائية ، ولو لم يطلب ذلك منه أحد أطراف الدعوى ، شيء آخر : فهو ملزم بالأمر بهذه الترجمة ، سواء كان يعرف أو لا يعرف الفرنسية أو الإسبانية أو الإنجليزية ، وسواء كان ولج السلك القضائي قبل أو بعد العمل بمرسوم 12 / 01 / 1999 ، الذي أدخل الاختبار بأحد اللغات الأجنبية الثلاث المشار إليها ...
على أن المسألة لا تنحصر ، كما ذهب إلى ذلك المجلس الأعلى ، في الاستئناس أو عدم استئناس القاضي بمعرفته لمحتوى المستند المحرر بلغة حتى يأمر أو لا يأمر بالترجمة للعربية ، فمثل هذا المستند لا يهم فقط القاضي أو قضاة المحكمة وإنما يهم أيضا أطراف الدعوى ودفاعهم و الذين إذا كان من المفروض فيهم معرفة اللغة العربية ، باعتبارها اللغة الرسمية ، فليس المفروض فيهم معرفة اللغة الأجنبية المحرر بها المستند المدلى به للمحكمة ، وعدم الأمر بالترجمة من شأنه الإخلال بحقوق الدفاع .
ومن الناحية القانونية فإن مهمة القاضي هي الفصل في النزاع وليس ترجمة الوثائق المعروضة عليه للعربية : فهذه المهمة يسندها المشرع إلى التراجمة المحلفين وإلى المنتدبين القضائيين ( الفصل 9 من مرسوم 2 / 2 / 1967 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي المحاكم ) : وتبعا لذلك ، فإذا افترضنا أن هيئة المحكمة مشكلة من عدة قضاة وأن الحجة أو الحجج المقدمة محررة بالإسبانية أو الإنجليزية أو الفرنسية ، وأن أحد القضاة هو الذي يعرف أحد هذه اللغات الثلاث فإنه لا يجوز لباقي القضاة التعرف على محتوى تلك الحجج بواسطة الترجمة التي يقدمها إليهم زميلهم في الهيئة …
على المستوى قضاء الموضوع :
من المعروف ، أن قضاء الموضوع ، تقع عليه مهمة تفسير وتأويل القانون بكيفية صحيحة ، وذلك بمناسبة بثه في وقائع النزاع المعروض عليه ، فهو من ناحية يلتقي مع المجلس الأعلى في كون كلاهما يقع عليه واجب تطبيق القانون ، وعلى رأسه الدستور ، تطبيقا صحيحا ، مع الاختلاف بينهما في نقطتين أساسيتين على الأقل :
الأولى : أن من مهام المجلس الأعلى الأساسية هي مراقبة مدى صحة تطبيق قضاء الموضوع للقانون ، وتصبح هذه المراقبة القانونية ملزمة لجميع المحاكم في القضايا المماثلة .
الثاني : إن مهمة قضاء الموضوع الأساسية هو الفصل في وقائع موضوع النزاع .
و السؤال المطروح هو كيف فسر قضاء الموضوع مقتضيات الدستور المتعلقة برسمية اللغة العربية ؟ وهل فسر هذه الرسمية بمعنى وجــــوب استعمالها بالإدارات والمؤسسات العمومية ؟ :
من الآن ، ومع الأسف الشديد ، يمكن القول ، بأن قضاء الموضوع المغربي ، رغم إقراره برسمية اللغة العربية دستوريا فإنه ، مع استثناء جاء متأخرا ، لم يرتب على ذلك إلزامية و وجوب استعمالها على مستوى الإدارات والمؤسسات العمومية . ونسوق في هذا الخصوص ثلاثة نماذج لأحكام قضائية : أحدها يتعلق بمؤسسة عمومية لها علاقة بالإعلام العمومي ، وثانيها بمؤسسة عمومية لها علاقة بالتشغيل ، وثالثها لها علاقة بأم الوزارات وهي الوزارة الأولى :
فقد قضت المحكمة الإدارية بالرباط برفض دعوى مرفوعة ضد التلفزة المغربية بقناتيها الأولى والثانية بسبب استعمالها لجزء كبير من برامجها الموجهة للمواطنين بلغة أجنبية ، وهي الدعوى التي طالب فيها المدعي الحكم بعدم شرعية هذا الاستعمال والحكم له بتعويض معين . وقد عللت المحكمة رفضها بالقول : " بأن بث التلفزة بعض برامجها بلغة اجنبية ، وخاصة الفرنسية ، يرجع لأسباب ذات صبغة تقنية ومادية وثقافية ..." ( حكم رقم 424 بتاريخ 4 / 4 / 2002 ) . وقد أيد المجلس الأعلى بغرفته الإدارية هذا الحكم ( قرار عدد 92 بتاريخ 26 / 1 / 2005 ) .
كما قالت المحكمة الإدارية بالرباط ، بمناسبة قضائها بتعويض معين على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بسبب استعماله للغة أجنبية في مراسلته لأحد منخرطيه الذي أرجعها إليه قصد ترجمتها للعربية فلم يستجب ، الأمر الذي دفع المنخرط إلى رفع الموضوع أمام القضاء ، قالت المحكمة ما يلي : " إن استعمال الإدارة للغة الفرنسية في مراسلاتها مع المواطنين لا يشكل في حد ذاته خرقا للدستور الذي ينص في ديباجته على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد ، إلا أنه عندما يتمسك أحد المقاضين بتلك المراسلات بضرورة مكاتبته باللغة العربية ، فإن الإدارة تكون ملزمة بالاستجابة لهذا الطلب الذي يجد سنده في ديباجة الدستور ومنشور الوزير الأول عدد 58 / 98 " ( حكم رقم 1059 بتاريخ 28 / 12 / 2001 – وهو الحكم الذي تم تأييده من قبل المجلس الأعلى في غرفته الإدارية بتاريخ 30 / 1 / 2003 تحت عدد 65 ) . وحسب حكم إدارية الرباط المذكور :
فإن استعمال اللغة الفرنسية من الإدارات العمومية المغربية لا يعتبر خرقا للدستور .
وإن الإدارة المغربية غير ملزمة تلقائيا باستعمال اللغة العربية في مراسلاتها للمواطنين .
وإن الإدارة المغربية لا تصبح ملزمة باستعمال اللغة العربية إلا إذا أرجع لها المرسل إليه مراسلتها المحررة بلغة أجنبية مطالبا بترجمتها للعربية الأمر الذي يعني بأنه في حالة عدم استجابة الإدارة لطلب الترجمة فما على المرسل إليه إلا أن يرفع دعوى للمطالبة بالتعويض وعليه أن ينتظر ، على الأقل ثلاث سنوات ونصف ، قياسا على الدعوى المشار إليها ، حتى يحكم له بتعويض متواضع لا يساوي حتى المصاريف وأتعاب المحامي ، كما عليه أن ينتظر سنتين على الأقل حتى يحصل أو لا يحصل على تنفيذ الحكم ؟ !! ، فهل من المتصور ، من الناحية الواقعية ، وجود من يحتدي سلوك هذا الطريق الصعب والمكلف ؟ والذي لا يمكن اعتباره إلا مشجعا للإدارة المغربية ومؤسساتها العمومية للاستمرار في استعمال اللغة الأجنبية ؟ ! ...
ويبقى النموذج الثالث من الأحكام ، الذي يمكن اعتماره استثناء لأنه لا يسير في نفس الاتجاه القاضي بعدم لزومية استعمال اللغة العربية من قبل الإدارة العمومية والمؤسسات العمومية ، وارد في دعوى رفعها حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي ضد الدولة المغربية في شخص وزيرها الأول ، وذلك بسبب توزيعها لتقرير صادر عن الوزارة الأولى ومحرر بلغة أجنبية وزع على المشاركين في لقاء تأطيري استدعي له الحزب في شخص قطاعه الشبيبي . وقد طالب الحزب في هذه الدعوى بالقول والحكم بعدم مشروعية استعمال اللغة الأجنبية في التقرير المذكور، وبتعويض معين ...، إلا أن المحكمة الإدارية بالرباط قضت برفض الدعوى على اعتبار أن جميع التقارير الموزعة في اللقاء كانت مترجمة للعربية ، وهذه النقطة ستعاد مناقشتها في المرحلة الاستئنافية إلا أنه مما يلفت النظر في هذا الحكم ، ويستحق التنويه ، هو ما ورد في حيثيات هذا الحكم ( حكم 25 / 10 / 2007 تحت رقم 2100 ) من لزومية استعمال اللغة العربية من طرف الإدارة المغربية سواء طلب منها ذلك أم لم يطلب وذلك تحت طائلة ارتكابها ، في حالة عدم الاستعمال ، لخطأ مرفقي تنتج عنه مسؤولية الدولة ، وهو ما يعتبر تراجعا محمودا من المحكمة الإدارية بالرباط عن اجتهادها السابق الذي يجيز للإدارة التعامل بغير العربية .ونظرا لأهمية حيثيات الحكم المذكور فإننا ننقلها حرفيا في هذه الرسالة المفتوحة :
" لكن ، حيث إن تنصيص الدستور المغربي على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد ، " ينصرف حتما إلى إلزامية استعمالها في الوثائق الإدارية ، ذلك أن عنصر الالزام في القواعد العامة لا يحتاج إلى " التصريح به ضمن العبارات المكونة للنصوص خاصة في حالة القواعد الدستورية بالنظر إلى سموها " وقوتها الملزمة .
" وحيث إن القول بخلاف ذلك والانصراف إلى استعمال لغات أجنبية في الوثائق الإدارية ، " سواء فيما بين الإدارات أو في علاقتها مع المواطنين ، يفرغ القاعدة الدستورية المشار إليها " أعلاه من محتواها ، مما يجعلها مرتكبة لخطإ إداري تتحمل مسؤولية الأضرار الناتجة عنه ، لذلك فإن " إقدام الوزير الأول على إصدار منشور باللغة الفرنسية لتوجيهه لأعضاء الحكومة حول الشراكة بين الدولة " ومنظمات المجتمع المدني يشكل خطأ مرفقيا من جانبه تسأل عنه الدولة في إطار الفصل 79 من قانون " الالتزامات والعقود لما ينطوي عليه من عدم الالتزام بمضمون الدستور وروحه وكذلك بمقتضيات المنشور " عدد 58 / 98 الصادر عن الوزير الأول بتاريخ 11 / 12 / 1998 باعتباره مجسدا لدرجة الالتزام " التي تضمنها الدستور . "
وحسب ما نعلم ، فإن جميع المحاكم التجارية المغربية تسلم الشهادات الخاصة بالسجل التجاري محررة بلغة أجنبية ...
بعد هذا كله ، ولغيره، ألا يحق القول بأن الدولة المغربية ، غير جديرة حتى بوصف الدولة الوطنية ، فبالأحرى نعتها بالدولة الديمقراطية ولا حتى بالسائرة في طريق الانتقال الديمقراطي ....
وعلى مستوى الأحزاب والصحافة والنخبة المثقفة :
مع بعض الاستثناءات القليلة التي لا يعتد بها ، فإن أغلبية الأحزاب المغربية ، بيمينها ووسطها وأصولييها ويسارها ، والعديد من الصحف والنخب المثقفة بمختلف توجهاتها تقف متفرجة أمام الإهانة اليومية التي تتعرض لها اللغة العربية ، ومن خلالها الأغلبية الساحقة من المواطنين ، بسبب تغييب استعمالها في الإدارات وفي المؤسسات الرسمية وغير الرسمية ...
السيد المدير العام ،
قد تتساءلون عن سبب توجيه هذه الرسالة إليكم بشكل مفتوح و عبر وسائل الإعلام ؟ :
إن هذا التساؤل المفترض يجد جوابه فيما يلي :
فعندما تعجز الدولة ، بمختلف مكوناتها ، أو، في الحقيقة ، لا ترغب في فرض استعمال اللغة العربية ، وذلك لأسباب بعضها يرجع إلى المحافظة على مصالح مادية خاصة بالمسؤولين عن إدارتها وتسييرها ، وبعضها الآخر مصدره التبعية للأجنبي ، فإن مسؤولية المطالبة والنضال من أجل استعمال اللغة العربية ، تصبح ملقاة ، بصفة أساسية ، على المواطنين الذين هم الضحية الأكثر تضررا ، ماديا ومعنويا ، من عدم الاستعمال المذكور، هذا في الوقت الذي يتحملون فيه العبء الأكبر في تمويل ميزانية الدولة بواسطة الضرائب ، المباشرة وغير المباشرة، التي يسددونها : فعن طريق هذه الضرائب يمول تسيير إدارات الدولة ومؤسساتها العمومية ، وهي الإدارات والمؤسسات التي لا زالت مصرة على عدم استعمال اللغة العربية .
وتبعا لذلك ، فإنه من حق المواطنين مقاومة عدم استعمال اللغة العربية من طرف الإدارات والمؤسسات المغربية .
وتبدأ هذه المقاومة باستعمال المواطنين للغة العربية في تعاملهم مع الإدارات ومختلف المؤسسات المغربية ، الرسمية وغير الرسمية ، وفي رفض تعامل هذه الأخيرة معهم إلا باللغة العربية ...
هذه مجرد اقتراحات أولية تخص الدعوة لانطلاق مقاومة عدم استعمال اللغة العربية . وبدون شك فإن المواطنين المغاربة يتوفرون ، عند الاقتضاء والضرورة ، على طرق أكثر نجاعة، وعلى طاقة لا حدود لها من أجل فرض استعمال اللغة العربية ، اللغة الوطنية والرسمية للمغرب ...
وتقبلوا السيد المدير العام ، أصدق مشاعرنا الطيبة
النقيب عبد الرحمن بن عمرو
الأستاذ عبد الرحمن بن عمرو الرباط في 23 / 1 / 2008
نقيب المحامين سابقا
10 ساحة العلويين / الرباط
الحساب البريدي 20235V - الرباط
الهاتف: 61 – 91 – 70 - 037
الفاكس : 71 – 78 – 70 – 037
البريد الإلكتروني:
Abderrahmanbenameur@yahoo.fr






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,557,787,309





- الجزائر: الطلاب يتظاهرون مجددا بعد منع مسيرتهم الأسبوع الماض ...
- مخاوف من عودة تنظيم داعش .. وتركيا تهدد بفتح الحدود للمهاجري ...
- مركز الملك سلمان للإغاثة يبحث مع منسقة الشؤون الإنسانية في ا ...
- اليونيسف: طفل من بين ثلاثة في العالم يعاني من سوء التغذية
- الأمم المتحدة تدعو تركيا لفتح تحقيق في -إعدام- هفرين ومدنيين ...
- -رايتس ووتش- تحذر من تداعيات نقل معتقلي -داعش- من سجون قوات ...
- حكومة كالمغرب محكومة
- هيومن رايتس ووتش تطالب بوقف قوانين ملاحقة مواطني تونس بتهمة ...
- منظمات إنسانية دولية تغادر الشمال السوري
- مدارس الحسكة وتل تمر تحتضن آلاف النازحين


المزيد.....

- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبد الرحمان بن عمرو - رسالة مفتوحة تتعلق برفض استعمال اللغة العربية