أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طارق علي - رسالة إلى مسلم شاب - ترجمة : مازن كم الماز















المزيد.....


رسالة إلى مسلم شاب - ترجمة : مازن كم الماز


طارق علي

الحوار المتمدن-العدد: 2040 - 2007 / 9 / 16 - 11:59
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


صديقي العزيز ,
هل تذكر عندما اتصلت بي بعد مظاهرة كبرى مضادة للحرب في نوفمبر تشرين الثاني 2001 ( أعتقد أنها كانت في غلاسكو ) و سألتني فيما إذا كنت مؤمنا ؟ أنا لا أنسى الصدمة التي عبرت عنها عندما أجبتك بلا أو تعليق صديقك ( "لقد حذرنا آباؤنا منك" ) أو الأسئلة الغاضبة التي أخذتما ترشقاني بها كالسهام . كل هذا دفعني للتفكير و هذا هو ردي عليك و على كل الآخرين أمثالك الذين طرحوا علي أسئلة مماثلة في أماكن أخرى في أوروبا و أمريكا الشمالية .
عندما تحدثنا , أخبرتك أن نقدي للدين و لأولئك الذين يستخدمونه لأغراض سياسية ليست قضية أن أكون دبلوماسيا أمام الجمهور . لقد استخدم المستغلون و المتلاعبون الدين بصورة صحيحة بالنسبة لهم للوصول إلى أغراضهم . من الصحيح أن هذا ليس كل القصة . هناك طبعا أشخاص مخلصين في أعماقهم من أتباع الأديان في أماكن مختلفة من العالم يحاربون بشكل حقيقي إلى جانب الفقراء لكنهم عادة في نزاع مع الدين المؤسسي هم أنفسهم .
تضحي الكنيسة الكاثوليكية بالقساوسة العمال أو الفلاحين الذين ينظمون أنفسهم ضد الاضطهاد . تعامل الملالي الإيرانيون بقسوة مع المسلمين الذين بشروا لصالح الراديكالية الاجتماعية . إن كنت مقتنعا بالفعل أن هذا الإسلام الراديكالي هو طريق التقدم بالنسبة للإنسانية فأنا لن أتردد بأن أعلن ذلك على الملأ , مهما كانت النتائج . أنا أعرف أن كثيرا من أصدقائك يحبون ترديد اسم أسامة و أنهم ابتهجوا في 11 أيلول سبتمبر 2001 . إنهم لم يكونوا وحيدين . فقد حدث ذلك في كل مكان في العالم و لم يكن لهذا أية علاقة بالدين . أنا أعرف طلابا أرجنتينيين غادروا الصف عندما انتقد المعلم أسامة . و أعرف مراهقا روسيا أرسل رسالة الكترونية من كلمة واحدة "مبروك" لأصدقائه الروس الذين كان أهلهم قد استقروا خارج نيو يورك و ردوا عليه هم " شكرا , لقد كان عظيما". لقد تحدثنا كما أذكر عن الحشود الكبيرة في مباريات كرة القدم الذين رفضوا الوقوف لمدة دقيقتين حدادا تفجعا على الضحايا بأمر الحكومة و عوضا عن ذلك خرقت الصمت بشعارات معادية للأمريكان .
لكن كل هذا لا يبرر ما حدث . ما خلف هذه الفرحة المكتملة ليس إحساس بالقوة لكن بالضعف المريع . لقد عانى شعب الهند الصينية أكثر من أي شعب مسلم على يد الحكومة الأمريكية . لقد تم قصفهم مدة 15 عاما كاملة و قتل منهم الملايين . فهل فكروا حتى بقصف أمريكا ؟ و لا حتى الكوبيين و لا البرازيليين أو التشيليين . لقد قاتل الأخيران ضد أنظمة عسكرية مفروضة أمريكيا في الوطن و انتصرا أخيرا .
يشعر اليوم الناس بالعجز . و لذلك عندما ضربت أمريكا أقاموا الاحتفالات . هم لم يسألوا ما الذي سيحققه فعل كهذا و ما هي نتائجه و من المستفيد منه . إن ردة فعلهم كانت تماما كالحدث ذاته رمزية .
أنا أعتقد أن أسامة و مجموعته قد وصلوا إلى طريق مسدود سياسيا . لقد كان مشهدا عظيما , لكن ليس أكثر من ذلك . أمريكا في ردة فعلها على الهجوم بشنها الحرب زادت أهمية الفعل الذي جرى و لو أنني أشك أنه حتى هذا سينقذه من النسيان في المستقبل . هذا الفعل سيبقى على هامش تاريخ قرننا . سواء بالمقاييس السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية فبالكاد يمكن اعتباره حدثا مهما .
ما الذي يقدمه الإسلاميون ؟ طريقا إلى الماضي , الذي رأفة بشعوب القرن السابع لم يكن موجودا أبدا . إذا كانت "إمارة أفغانستان" هو نموذج ما يريدون فرضه على العالم إذا فعلى مسلمي العالم أن يثوروا في وجوههم بالسلاح . لا تتخيل أن أسامة أو الملا عمر يمثل مستقبل الإسلام . ستكون كارثة كبرى على الثقافة التي نتشارك بها كلانا إذا كانت هذه هي القضية . هل تريد فعلا أن تعيش تحت هذه الظروف ؟ هل تتحمل أن تخبأ أختك أو أمك أو المرأة التي تحب عن عيون الناس ملفوفة كالجثة ؟
أريد أن أكون صريحا معك . أنا أعارض الحرب الأخيرة في أفغانستان . أنا لا أقبل بحق القوى الكبرى في تغيير الحكومات عندما و كيفما يوافق ذلك مصالحها . لكني لم أذرف أية دمعة على طالبان عندما حلقوا ذقونهم و عادوا إلى بيوتهم . هذا لا يعني أن أولئك الذين قبض عليهم يجب معاملتهم كحيوانات أو أن يحرموا حقوقهم الأساسية وفق معاهدة جنيف , بل كما سبق أن قلت في أماكن أخرى إن أصولية الإمبراطورية الأمريكية لا يعادلها أي شيء اليوم . يمكنهم أن يتجاهلوا كل القوانين و المعاهدات حسبما يشاءون . إن السبب في أنهم يسيئون علنا معاملة السجناء الذين ألقوا القبض عليهم بعدما شنوا حربا غير شرعية على أفغانستان يكمن في أنهم يريدون تأكيد قوتهم أمام العالم – و من هنا فإنهم يهينون كوبا بأن يقوموا بعملهم القذر على أرضها – و يحذرون الآخرين الذين يحاولون أن يغضبوا الأسد أن العقاب سيكون شديدا .
أنا أذكر , أثناء الحرب الباردة , كيف قامت المخابرات المركزية الأمريكية و عملائها السريين بتعذيب السجناء السياسيين و اغتصابهم في أنحاء كثيرة من أمريكا اللاتينية . أثناء حرب فيتنام خرق الأمريكيون معظم معاهدات جنيف . عذبوا و قتلوا السجناء , اغتصبوا النساء , ألقوا بالسجناء من المروحيات ليلقوا حتفهم على الأرض أو ليغرقوا في قلب البحر و كل هذا طبعا باسم الحرية .
لأن الكثير في الغرب يصدق هذا الهراء عن "التدخلات الإنسانية" فقد صدموا من هذه الأفعال , و لكن هذا محدود نسبيا مقارنة بالجرائم التي ارتكبتها الإمبراطورية في القرن الأخير . لقد التقيت الكثير من مواطنينا في أماكن مختلفة من العالم منذ 11 سبتمبر أيلول . سؤال واحد يتكرر باستمرار : "هل تعتقد أننا نحن المسلمين أذكياء بما يكفي للقيام بهذا ؟" إنني أجيب دوما "نعم" . عندها أسألهم عمن يعتقدون أنه المسؤول يأتي الجواب دون تغيير " إسرائيل " . "لماذا ؟" "للإساءة إلينا و دفع الأمريكيين لمهاجمة بلداننا" . أنا أدحض بلطف أوهامهم التواقة لكن واقع هذه المحادثة يبعث فيٍ الحزن . لماذا ينحط مسلمون كثيرون لهذه الدرجة من البلادة ؟ لماذا ينغمسون في رثاء الذات إلى هذا الحد ؟ لماذا دائما سماءهم ملبدة ؟ لماذا يجب أن يكون هناك دوما شخصا آخر يجب لومه ؟
أحيانا عندما نتكلم يتولد لدي الانطباع أنه لا يوجد أي بلد مسلم واحد يفتخرون به . أولئك الذين هاجروا من جنوبي آسيا إلى بريطانيا يعاملون بطريقة أفضل بكثير منها في العربية السعودية أو دول الخليج . إنه هنا تحديدا حيث يجب أن يحدث شيء ما . في العالم العربي حاجة ماسة للتغيير . خلال سنوات و في كل نقاش مع العراقيين و السوريين و السعوديين و المصريين و الأردنيين و الفلسطينيين , تطرح نفس الأسئلة , تتكرر نفس المشاكل . إننا نختنق . لماذا لا يمكننا التنفس ؟ كل شيء يبدو راكدا : اقتصادنا , سياستنا مثقفينا و قبل كل شيء ديننا .
تعاني فلسطين كل يوم . الغرب لا يفعل شيئا . حكوماتنا ميتة . سياسيونا فاسدون . شعبنا جاهل . هل من المستغرب أن بعضهم يتجاوب مع الإسلاميين ؟ من يقترح أي شيء آخر هذه الأيام ؟ الأمريكان ؟ إنهم حتى لا يريدون الديمقراطية , و لا حتى في قطر الصغيرة و ذلك لسبب بسيط جدا . إذا انتخبنا حكوماتنا فقد تطالب الأمريكان بإغلاق قواعدهم . فهل سيفعلون ؟ إنهم حقيقة يكرهون تلفزيون الجزيرة لأن لديه أولويات مختلفة عنهم . كان الأمر جيدا عندما كانت الجزيرة تهاجم الفساد في النخبة العربية . خصص توماس فريدمان على الدوام عمودا في النيو يورك تايمز لامتداح الجزيرة . لقد رآها علامة على الديمقراطية القادمة إلى العالم العربي . لقد انتهى كل هذا . لأن الديمقراطية تعني الحق في التفكير على نحو مختلف , و لأن الجزيرة عرضت صورا عن الحرب في أفغانستان لم يسبق للشبكات الأمريكية أن عرضتها لذا قام بوش و بلير بالضغط على قطر لإيقاف البث غير الصديق .
بالنسبة للغرب تعني الديمقراطية الإيمان تماما بنفس الأشياء التي يؤمن بها . هل هذه حقا ديمقراطية ؟ إذا ما انتخبنا حكوماتنا فقد ينتخب الشعب في بلد أو اثنين الإسلاميين . هل سيتركنا الغرب ؟ هل تركت الحكومة الفرنسية الجيش الجزائري لوحده ؟ لا . لقد أصرت على أن تعتبر انتخابات 1990 و 1991 لاغية و باطلة . وصف المفكرون الفرنسيون الجبهة الإسلامية للإنقاذ ب"الفاشيين المسلمين" متجاهلين حقيقة أنهم قد فازوا في الانتخابات . لو أنهم سمحوا لهم بتشكيل الحكومة لطفت الانقسامات داخلهم إلى السطح . كان بإمكان الجيش أن يحذرهم من أن أية محاولة للتلاعب بحقوق المواطنين التي يحفظها الدستور لن يتم التسامح معها . فقط عندما استبعد القادة الأساسيين للجبهة الإسلامية للإنقاذ تقدمت العناصر الأكثر تشددا إلى المقدمة و بدأت التمثيل بالقتلى . هل علينا أن نلومهم على الحرب الأهلية أو أولئك في الجزائر و باريس الذين سرقوا منهم انتصارهم ؟ إن المجازر في الجزائر رهيبة . لكن هل الإسلاميون وحدهم هم المسئولون عنها ؟ ما الذي حدث في بنت الله على بعد 10 كم جنوبي الجزائر العاصمة ليلة 22 سبتمبر أيلول 1997 ؟ من ذبح 500 رجل و امرأة و طفل في تلك المنطقة ؟ الفرنسي الذي يعلم كل شيء , برنار هنري ليفي واثق من أن الإسلاميين هم الذين ارتكبوا ذلك العمل المرعب . لماذا إذا امتنع الجيش من تسليح الأهالي ليدافعوا عن أنفسهم ؟ و لماذا أبلغوا الميليشيا المحلية بالمغادرة تلك الليلة ؟ لماذا لم تتدخل قوى الأمن و هي ترى ما يحدث ؟ لماذا يرى السيد ليفي أن على المغرب أن يخضع لحاجات الجمهورية الفرنسية و لماذا لا يهاجم أحد هذا النوع من الأصولية ؟
يقول العرب : نحن نعرف ما الذي علينا فعله , و لكن في كل مرة يتدخل فيها الغرب تتراجع قضيتنا لسنوات كثيرة . لذا إذا كانوا يرغبون بالمساعدة فعليهم أن يبقوا بعيدا . هذا ما يقوله أصدقائي العرب و أنا اتفق مع هذه المقاربة . انظر إلى إيران . تحول الموقف الغربي إلى موقف خيري محسن أثناء الهجوم على أفغانستان . لقد كانوا بحاجة لإيران في هذه الحرب , و لكن ليبق الغرب متفرجا من بعيد . يتحدث الأصوليون الإمبراطوريون عن "محور الشر" الذي يضم إيران . إن تدخلا هناك سيكون مهلكا . لقد عرف الجيل الجديد هناك قمع رجال الدين . إنهم لم يعرفوا أي شيء آخر . إن القصص عن الشاه هي جزء من ما قبل تاريخه . هؤلاء الشباب و الفتيات واثقون من شيء واحد على الأقل . إنهم لا يريدون لآيات الله أن يحكموهم أكثر من ذلك . رغم أن إيران في هذه السنوات لم تكن بسوء العربية السعودية أو "إمارة أفغانستان" لكنها لم تكن أبدا جيدة بالنسبة للناس .
دعوني أسرد عليكم قصة . قبل سنتين قابلت صانع أفلام إيراني شاب في لوس أنجلوس . كان اسمه مسلم منصوري . لقد تمكن من الفرار مع عدة ساعات من المقابلات المصورة لفيلم وثائقي كان يعكف على إنجازه . تمكن من كسب ثقة 3 من مومسات طهران و قام بتصويرهن لأكثر من سنتين . لقد عرض علي بعض تلك الصور . لقد تحدثن إليه بصراحة كبيرة . وصفوا له كيف قابلن أفضل زبائنهم أثناء الاحتفالات الدينية . لقد كونت نكهة خاصة عن الفيلم من النسخ التي أرسلها إلي . أخبرته إحدى النسوة : "اليوم الجميع مكرهون على بيع أجسادهم ! على نساء مثلي أن تتحمل رجلا مقابل عشرة آلاف تومان . يحتاج الشباب إلى أن يكونوا معا في السرير و لو لعشرة دقائق...إن هذا يمنحهم الهدوء" .
"عندما لا تسمح الحكومة به , ينمو البغاء . إننا لسنا بحاجة حتى للكلام عن البغاء , لقد حظرت الحكومة حق الكلام مع الجنس الآخر عموما في العلن...في الحدائق , في السينمات , على الطرقات لا يمكننا الحديث إلى الشخص الجالس إلى جانبنا . إذا تحدثت إلى رجل في الطريق فإن "الحرس الإسلامي" سيستجوبك إلى ما لا نهاية . اليوم في بلدنا لا يوجد أي شخص راض ! لا أحد يتمتع بالأمان . ذهبت ذات مرة إلى شركة أبحث عن عمل . نظر مدير الشركة , و هو رجل ملتحي , إلى وجهي و قال "سوف أوظفك و أدفع لك عشرة آلاف تومان أكثر من الراتب المفروض" . "قلت له "على الأقل يمكنك أن تمتحن مهاراتي في استخدام الكومبيوتر لتر إذا كنت جيدة أم لا..." , لكنه قال "لقد استخدمتك لمظهرك !" أدركت أنني إذا عملت هناك فعلي أن أمارس الجنس معه و لو مرة في اليوم" .
" حيثما تذهب فالأمور هي كذلك ! ذهبت في الماضي إلى محكمة عائلية خاصة – من أجل الطلاق – و رجوت القاضي , و هو رجل دين , أن يمنحني حضانة أطفالي . قلت له "أرجوك , ...إني أرجوك أن تمنحني حضانة أطفالي , سأكون خادمتك ...( هذا تعبير فارسي يعني أساسا "أرجوك , إنني بائسة جدا" ) ما الذي تعتقد أن هذا الرجل أجابني ؟ لقد قال "أنا لا أريد خادمة ! إنني بحاجة لامرأة ! ما الذي تتوقعه من الآخرين عندما يتحدث رجل الدين , رئيس المحكمة , هكذا ؟ عندما توجهت إلى الضابط لأحصل على وثيقة طلاقي بعد توقيعها , قال لي بدلا منذ ذلك أنه علي ألا أتطلق بل علي أن أتزوج ثانية بدون طلاق , بشكل غير شرعي . لأنه كما قال سيكون من الصعب الحصول على عمل بدون زوج . لقد كان محقا , لكن لم يكن لدي ما يكفي من المال لأدفع له...هذه الأشياء تجعلك تتقدم في العمر بشكل أسرع...تصاب بالاكتئاب...تصاب بالكثير من التوتر الذي يؤذيك . ربما هناك وسيلة للخروج من كل هذا ".
لقد ذهل مسلم لأن أيا من الشبكات الأمريكية لم ترغب في شراء الفيلم . إنهم لم يرغبوا بهز استقرار نظام خاتمي ! مسلم نفسه هو ابن الثورة . بدونها لم يكن ليصبح صانع أفلام . لقد جاء من عائلة فقيرة جدا . كان والده مؤذنا في جامع و كان شديد التعصب للدين في نشأته . إنه الآن يكره الدين . رفض مسلم القتال في الحرب ضد العراق فاعتقل . لقد غيرته هذه التجربة . "كان السجن تجربة قاسية و لكن جيدة بالنسبة لي . كان ذلك في السجن عندما شعرت أنني بلغت مرحلة النضج الفكري . كنت أقاوم و تمتعت بالإحساس بالقوة . شعرت أنني أنقذ حياتي من العالم الفاسد لرجال الدين و كان هذا الثمن الذي دفعته . كنت فخورا بذلك . بعد سنة في السجن أخبروني أنهم سيطلقون سراحي بشرط أن أوقع على أوراق أتعهد فيها بالمشاركة في طقوس أيام الجمع و الفعاليات الدينية . و عندما رفضت أن أوقع أبقوني في السجن لسنة أخرى ".
باشر العمل بعدها في مجلة عن الأفلام كمراسل . "اعتقدت أن العمل في الصحافة سيساعدني كتغطية لمشاريعي الخاصة , و هي توثيق الجرائم المخفية للنظام السياسي نفسه . علمت أنني سوف لن أكون قادرا على صنع نوعية الأفلام التي أريد حقا أن أصنعها بسبب قوانين الرقابة . أي سيناريو سأكتبه لن يحصل أبدا على ترخيص مكتب الرقابة الإسلامي . علمت أن وقتي و طاقتي سيهدران . لذا قررت أن أصنع 8 أفلام وثائقية سرا . و هربت الصور خارج إيران . بسبب مشاكل مالية تمكنت من إنهاء تحرير فيلمين فقط . الأول هو صورة أقرب , صورة طويلة و الثاني هو شارنلو , قصيدة الحرية .
"الفيلم الأول عن حياة حسين سابزيان , الذي كان الشخصية الأساسية لدراما عباس كياروزتامي الوثائقية المسماة صورة أقرب . عدة سنوات بعد فيلم كياروزتامي ذهبت لزيارة سابزيان . كان يعشق السينما . أصيبت زوجته و أولاده بخيبة الأمل منه ثم تركوه أخيرا . إنه يعيش اليوم في قرية في ضواحي طهران و قد توصل إلى استنتاج أن عشقه للسينما لم يجلب عليه سوى المصائب . إنه يقول في فيلمي "الناس أمثالي يتعرضون للتدمير في مجتمعات كالذي نعيش فيه . لا يمكننا أبدا أن نعرض ذواتنا . هناك نوعان من الموتى : الممددين و الذين يمشون . إننا الموتى الذين يمشون !".
يمكننا أن نجد قصص كهذه و أسوأ في كل دولة مسلمة . هناك فرق كبير بين مسلمي الشتات – الذين هاجر آباءهم إلى الأرض الغربية – و الذين ما زالوا يعيشون في ديار الإسلام . الأخيرون هم أكثر انتقادا لأن الدين ليس ضروريا لهويتهم . إنهم يأخذون كونهم مسلمين على سبيل التسليم . أما في أوروبا و أمريكا الشمالية فالأمور مختلفة . هنا يؤدي التعدد الثقافي إلى التشديد على الاختلاف على حساب سائر البقية . إن صعوده يرتبط بتراجع السياسة الراديكالية مثلا .
إن "الثقافة" و "الدين" هي بدائل ألطف لفظيا عن انعدام المساواة الاجتماعي الاقتصادي – كما لو أن الاختلاف عوضا عن التسلسل الهرمي هي القضية الأساسية في المجتمع الأوروبي أو الأمريكي الشمالي اليوم . سبق أن تحدثت إلى مسلمين من المغرب ( فرنسا ) , من أنطوليا ( ألمانيا ) , من باكستان و بنغلاديش ( بريطانيا ) من كل مكان ( الولايات المتحدة ) و مزيج آسيوي جنوبي في اسكندينافيا . لماذا , طالما تساءلت ,
هناك الكثير جدا ممن يشبهوك يا صديقي ؟ لقد أصبحوا أكثر تزمتا و تعصبا من فلاحي كشمير و البنجاب الأقوياء و النشيطين الذين اعتدت أن أعرفهم جيدا .
إن رئيس الوزراء البريطاني مؤمن كبير بالمدارس وحيدة المعتقد . ينهي الرئيس الأمريكي كل خطاباته بعبارة "لينقذ الرب أمريكا" . يبدأ أسامة و ينهي كل مقابلاته التلفزيونية بتمجيد الله . للثلاثة الحق في فعل ذلك , تماما كما أن لي الحق في الالتزام بمعظم قيم عصر التنوير . هاجم عصر التنوير الدين – المسيحي غالبا – لسببين : أنه مجموعة من الأوهام الإيديولوجية , و أنه كان نظاما للاضطهاد المؤسسي , مع سلطات هائلة من الاضطهاد و التعصب . لماذا علينا اليوم أن نتخلى عن أيا من هذه الوصايا ؟
أنا لا أريدك أن تسيء فهمي . إن نفوري من الدين لا يقتصر بأي حال من الأحوال على الإسلام وحده . كما أنني لا أتجاهل الدور الذي لعبته الإيديولوجيات الدينية في الماضي في دفع العالم قدما . كانت الاصطدام الإيديولوجي بين تفسيرين متنافسين للمسيحية – الإصلاح البروتستانتي مقابل مضاد الإصلاح الكاثوليكي – قد قاد إلى انفجار عنيف في أوروبا . هنا لدينا مثال على خلافات فكرية قاطعة كحد الشفرة أوقدتها العواطف الدينية , و قادت إلى حرب أهلية , تبعتها ثورة .
كانت ثورة القرن 16 الهولندية ضد الاحتلال الإسباني استثارها اعتداء على صور مقدسة باسم تصحيح الاعتراف . كان إدخال كتاب صلاة جديد إلى اسكتلندا واحدا من أسباب ثورة الطهريين في انكلترا في القرن 17 , و كان رفض قبول الكاثوليكية قد أثار خليفتها في عام 1688 . لم يتوقف الهياج الفكري و بعد قرن كانت أفكار الأنوار تذكي نار أتون فرنسا الثورية . تتشارك اليوم كنيسة إنكلترا و الفاتيكان لتحاربان التهديد الجديد , لكن أفكار سيادة الشعب و الجمهوريات أكثر قوة من أن تطمس بسهولة .
يمكنني تقريبا سماع سؤالك . و ما علاقة كل هذا بنا ؟ الكثير جدا يا صديقي . لقد ألهبت أوروبا الغربية بالعواطف الدينية لكن كل هذا قد تم تجاوزه اليوم . كانت الحداثة هناك في الأفق . كانت هذه ديناميكية لم يمكن للثقافة و الاقتصاد العثمانيان أن يقلداها . ظهر الانقسام السني – الشيعي باكرا جدا و قد تجمد في دوغما ( عقائد ) متنافسة . كانت المعارضة حتى ذلك الوقت قد محيت من واقع الإسلام . كان السلطان محاطا بعلماء الدين يحكم دولة الإمبراطورية التي سوف تذبل و تموت .
كانت هذه القضية في القرن 18 , و ما هو أكثر صحة هو الوضع اليوم . ربما أن الطريقة الوحيدة التي سيكتشف فيها المسلمون هذا هو عبر خبرتهم الخاصة كما في إيران . إن صعود الدين يمكن تفسيره جزئيا بغياب أي بديل آخر للنظام العالمي لليبرالية الجديدة . هنا يمكنك أن تكتشف أنه طالما كانت الحكومات الإسلامية تفتح بلدانها أمام التغلغل العالمي سيسمح لها فعل كل ما تريده في المجال الاجتماعي السياسي .
لقد استخدمت الإمبراطورية الأمريكية الإسلام سابقا و يمكنها فعل ذلك من جديد . هنا يكمن التحدي . إننا جميعا في أمس الحاجة لإصلاح إسلامي يكنس المحافظة المهووسة و رجعية الأصوليين لكن أكثر من ذلك يفتح عالم الإسلام لأفكار جديدة ترى على أنها أكثر تقدما من الأفكار التي يطرحها الغرب علينا اليوم .
هذا يشترط فصل صارم بين الدولة و المسجد , انحلال طبقة رجال الدين , تأكيد المفكرين المسلمين على حقهم في تفسير النص كملكية مجموعية للثقافة الإسلامية ككل , الحق في التفكير بحرية و عقلانية و حرية التخيل . ما لم نتحرك في هذا الاتجاه فإننا محكومون بإعادة إحياء تلك المعارك القديمة و التفكير ليس بمستقبل أكثر غنى و إنسانية بل كيف يمكننا أن ننتقل من الحاضر إلى الأمس . إن هذه رؤية غير مقبولة . لقد تركت قلمي ينساب معي و بشرت بهرطقتي أطول من اللازم . إنني أشك في أنني سوف أتغير لكنني آمل أنك ستفعل .

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن : http://www.newleftreview.org
و منشورة أيضا فيtariqali.org
بعنوان Tariq Ali : Letter to a Young Muslim

* يساري غربي من أصل آسيوي







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,483,531
- محور الامل: فنزويلا والحلم البوليفاري
- اليسار المعادي للامبريالية في مواجهة مع الاسلام
- العملية: الحرية لإيران
- باسم "صدام الحضارات"


المزيد.....




- وزير الخارجية الفرنسي في بغداد -قريبا- لمناقشة وضع -آلية- دو ...
- إنقاذ 67 صبيا ورجلا من -مدرسة إسلامية- في نيجيريا
- أزمة بين روسيا وإسرائيل على خلفية سجن إسرائيلية تتعاطى الحشي ...
- حرائق لم يشهدها لبنان من قبل... تشعل نار -الطائفية- مجددا
- شيخ الأزهر: التسامح الفقهي لم يكن غريبا أو شاذا في المجتمعات ...
- حفتر يعلق على إعلان سيف الإسلام القذافي الترشح لانتخابات رئا ...
- الاحتلال الإسرائيلي يقرر إغلاق المسجد الابراهيمي غدا وبعد غد ...
- هل يعود تنظيم الدولة الإسلامية بعد التوغل التركي في سوريا؟
- اليهود المغاربة يحتفلون بيوم الغفران في مراكش
- مصر.. تطورات محاكمة قيادات -الإخوان- الهاربين إلى تركيا


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طارق علي - رسالة إلى مسلم شاب - ترجمة : مازن كم الماز