أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - محمد أحمد الهاشمي - الانتخابات التشريعية 2007:رهانات الانتخابات في سياق سلطوي















المزيد.....



الانتخابات التشريعية 2007:رهانات الانتخابات في سياق سلطوي


محمد أحمد الهاشمي
الحوار المتمدن-العدد: 2034 - 2007 / 9 / 10 - 12:17
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


إذا كانت الانتخابات تشكل العمود الفقري للنظام السياسي الديمقراطي الحديث,باعتبارها أداة تمكن المحكومين من اختيار حكامهم ومحاسبتهم,فان الإقبال المتزايد على الانتخابات من طرف الأنظمة السلطوية التي لا يستند فيها الحكام على شرعية انتخابية ديمقراطية أصبح يثير العديد من الإشكالات النظرية التي تستوجب معالجتها تفكيك العلاقة الميكانيكية المفترضة بين الانتخابات و الديمقراطية و إعادة تركيبها لتأخذ بعين الاعتبار السياق السياسي العام الذي يحكم هذه العلاقة.وقد أسفرت عملية التفكيك هذه على تقسيم الانتخابات بحسب علاقتها بالديمقراطية إلى ثلاثة أنواع:أولها انتخابات الديمقراطيات الراسخة وهي انتخابات تنافسية تستهدف الحسم الفصل بين مختلف الفر قاء السياسيين و برامجهم وبذلك يكون رهانها الأساسي هو إفراز نخب لتحكم, وثانيها انتخابات الانتقال الديمقراطي وتستهدف خلق مؤسسات جديدة منتخبة تؤسس للنظام الديمقراطي الجديد وتروم تحقيق القطيعة مع النظام السلطوي السابق على تنظيمها.أما النوع الثالث فيتجلى في الانتخابات المنظمة في إطار النظام السلطوي والتي تعتبر جزءا من التطور الطبيعي لهذا الأخير وتختلف رهاناته من نظام سلطوي لآخر.
بناءا على هذه الاعتبارات المنهجية تحاول هذه الورقة تسليط الضوء على الانتخابات التشريعية المغربية لشتنبر 2007 و مساءلتها من زاوية الرهانات المحايثة لهذه الانتخابات في سياق تطور النظام السياسي المغربي.وإذا كان من الواضح أن هذا الأخير لم تجتمع له بعد مقومات النظام الديمقراطي حيث تكون الممارسة الفعلية للسلطة رهانا للانتخابات ,فإن دراسة هذه الانتخابات تستدعي نقد خطاب الانتقال الديمقراطي السائد لدى الفاعلين السياسيين(I) قبل أن نحاول تحديد بعض ملامح الإصلاحات الراهنة في النظام السياسي المغربي(II) التي على ضوئها يمكن الوقوف عند دلالات الانتخابات التشريعية لسنة 2007.(III)
I- في نقد خطا ب الإ نتقال ديمقراطي.
شكلت مقولة الانتقال الديمقراطي إحدى أهم المداخل المعتمدة لتوصيف التحولات السياسية التي يشهدها الحقل السياسي المغربي منذ ما يقارب العقدين من الزمن. وقد ساعد على تكثيف توظيف هذه المقولة حدثين أساسيين شهدتهما أواخر التسعينات من القرن الماضي، أولهما دخول المعارضة التاريخية إلى الحكومة في 1998 في إطار ما سمي بالتناوب التوافقي مع ما رافق ذلك من أمال وتوقعات بأن يشكل هذا التحول مدخلا لمزيد من الإصلاحات لجعل التداول الديمقراطي على السلطة أساساً لممارسة الحكم. أما الحدث الثاني فهو حدث انتقال العرش سنة 1999 الذي غذى آمالا عريضة في تسريع وتيرة الإصلاحات وتعميقها. وفي هذا الإطار ستدخل على الخط مقولة جديدة : "العهد الجديد" التي سيكون لها مفعول سحري في استيعاب انتظارات، تطلعات، آمال وإحباطات العديد من مكونات المجتمع المغربي.ويمكن القول أن سر جاذبية مقول العهد الجديد يكمن في احتوائها ضمنيا على مفهوم القطيعة : عهد جديد/ عهد قديم، غير أن مفهوم القطيعة هنا لا يحيل بالضرورة على تغير جذري وعنيف لبنيات العهد القديم لأن العهد الجديد لا يقدم نفسه كنقيض للقديم بقدر ما هو مغير ومعدل ومُقَوِّم له، وباختصار فإن العلاقة بين الجديد والقديم يتم تكثيفها في مقولة أخرى لا تقل جاذبية هي مقولة الإصلاح مما يجعل القطيعة بين القديم والجديد تأخذ شكل سيرورة مستمرة في الزمن تجنب النظام خطر القيام بتغييرات جذرية لإثبات القطيعة في نفس الوقت الذي تسمح له بتجديد موارد مشروعيته عبر التحكم في هذه السيرورة (سيرورة الإصلاحات).
وإذا كان الانسياق وراء مقولة الانتقال الديمقراطي مفهوما بالنسبة للسياسيين(1) بالنظر لنمط الثقافة السياسية السائدة و التي تشكل التبعية والانتظارية العنصران الثابتان فيها، فإن اللافت للنظر هو موقف بعض المثقفين الذين انخرطوا في تعويم مفهوم الانتقال الديمقراطي الذي تم التعامل معه كوعاء فارغ يمكن أن نضع فيه ما شئنا من الوقائع والتحولات وليس كنموذج نظري أي براديغم ستعمل كأداة لقراءة هذه الوقائع والتحولات وهذا ما نقترح القيام به في هذه الورقة بايجاز.
1) براديغم الانتقال الديمقراطي.
يتجلى البعد البراديغماتي لمفهوم الانتقال الديمقراطي في كونه يحيل على جملة من التحولات المتمرحلة والمتعاقبة والقابلة للتحديد في الزمن تحديدا نسبيا والتي تسمح بالانتقال من النظام السلطوي الذي تتأسس فيه العلاقة بين الحكام والمحكومين على القوة بدل الإقناع والذي يتم فيه تحديد أصحاب القرار عن طريق الاستقطاب والتعيين وليس عبر تنافس انتخابي بين مرشحين للمسؤوليات العمومية، حيث أن الانتخابات لا يعبِّرُ سوى عن ديمقراطية الواجهة وتهدف إلى شرعنة النظام السلطوي أمام العالم الخارجي وكسب تأييد الجماهير، دون أن يكون لنتائجها، المعروفة سلفاً، أي تأثير في اتخاذ القرار(2) إلى النظام الديمقراطي الذي تشكل فيه الانتخابات لحظة أساسية يمارس من خلالها الشعب السيادة عبر اختيار حكامه.
وقد مكنت ملاحظة تجارب الانتقال الخاصة ببعض بلدان أمريكا اللاتينية من صياغة براديغم الانتقال على شكل سيرورة من ثلاثة مراحل (3) :

أ-مرحلة الانفتاح :
تتحدد هذه المرحلة باعتبارها مرحلة اختمار للديمقراطيةDemocratic ferment بالنظر لمل تعرفه من مظاهر اللبرلةliberalization وتوسيع هامش الحرية كخطوة أولى نحو تفكيك النظام السلطوي وتوفير الشروط الملائمة للانخراط في اصلاحات عميقة في مرحلة الاختراق.
ب- مرحلة الاختراق :
تتميز بأفول النظام السلطوي وظهور نظام جديد ديمقراطي تمارس فيه السلطة حكومة منبثقة عن انتخابات نزيهة وشفافة تشتغل في إطار بنيات مؤسساتية يتم إرساؤها عادة عبر إصدار دستور جديد.
ج - مرحلة التدعيم أو الترسيخ :
وهي عبارة عن مسار بطيء لكنه هادف يتم من خلاله التحول من الديمقراطية في بعدها الشكلي إلى جوهر الممارسة الديمقراطية وذلك من خلال العمليات المتزامنة التالية:
- إصلاح مؤسسات الدولة.
- تنظيم انتخابات بشكل دوري ويكون رهانها هو الممارسة الفعلية للسلطة.
- تقوية ودعم منظمات المجتمع المدني لحماية الديمقراطية.
- استئناس المجتمع المدني لحماية الديمقراطية الجديدة واستبطانها لتصبح جزءا من الثقافة السياسية السائدة في المجتمع.
2) مقروئية التحول السياسي في المغرب من منظور براديغم الانتقال الديمقراطي.
يتضح إذن أن التحليلات التي تقارب التحولات الراهنة بالمغرب من منظور الانتقال الديمقراطي لا تأخذ بعين الاعتبار البعد البراديغماتي لهذا المفهوم ذلك أن هذا الأخير باعتباره نموذجا نظريا يتميز بقدر عال من العمومية والتجريد (بالرغم من كونه مصاغ انطلاقا من تجارب تاريخية محددة) ويطرح مجموعة التساؤلات التي تحدد أجوبتها حدود قدرته على قراءة وتفسير أي سيرورة للتحول السياسي في أي نظام سياسي كان. وبناءا عليه فإن فحص مدى مقروئية التحولات الراهنة بالمغرب استنادا على براديغم الانتقال الديمقراطي يبقى رهينا بالإجابة على هذه التساؤلات والتي سنقتصر على طرح اثنين منها نعتقد أن الإجابة عليها كافية لحسم هذا الإشكال النظري.
- إذا كان المغرب يعيش انتقالا ديمقراطيا فما هو الحدث أو الواقعة التي يمكن اعتبارها
بداية لسيرورة الانتقال؟
إن اللحظات المفصلية في التاريخ السياسي الحديث للمغرب لا تسعف في الجواب على هذا السؤال الذي يستوجب تحديد ما يسميه أحد الباحثين بنقطة الصفر le point zéro(4) أي الحدث، الواقعة أو القرار...الخ الذي يمكن اعتباره نقطة انطلاق دينامية التحول التي تعقبه، بحيث لا يمكن فهم عناصر هذه الدينامية إلاَّ استناداً على نقطة الصفر هاته التي تحدد منطق الانتقال وإطاره المرجعي الذي هو التخلي عن نظام علاقات السلطة الخاصة بالنظام السلطوي وتعويضها بنظام علاقات السلطة الخاصة بالنظام الديمقراطي، وعلى هذا الأساس فقط يمكن قياس درجة التقدم التي تحققها مختلف الإجراءات التي تتضمنها سيرورة الانتقال في نفس الوقت الذي يمكن فيه الوقوف على بعض التراجعات إن وجدت. ولذلك فإنه من الصعب الحديث عن نقطة الصفر هذه في الحالة المغربية، إذ لا نكاد نعثر سوى على مجموعة من الوقائع التي يمكن اعتبارها تكييفات adaptations أكثر مما يمكن اعتبارها تحولات transformations من قبيل إنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، التعديلات الدستورية لسنتي 1992 و 1996، تعيين حكومة التناوب، الإصلاحات التي واكبت انتقال العرش...الخ والتي يصعب اعتبار أي منها تكثيفا لفلسفة الانتقال إلى الديمقراطية.
- إذا سلمنا جدلا باعتبار إحدى هذه الوقائع منطلقا لدينامية الانتقال الديمقراطي فإن السؤال المطروح هو : ما هي المرحلة التي بلغها مسلسل الانتقال الديمقراطي ؟ قد يقول قائل أن مسلسل الانتقال يوجد الآن في المرحلة الثانية التي تتزامن مع تفكيك آليات اشتغال نظام علاقات السلطة السلطوية(5)، لكن إذا أن المغرب في مرحلة الخروج من السلطوية هل يمكن الحديث عن تراكم حقيقي في تفكيك النسق السلطوي بالمغرب ؟ وما هي درجة اللاعودة أو اللاتراجع l’irréversibilité التي بلغها هذا التراكم من الإصلاحات ؟ وفضلا عن ذلك فإن تحولات هذه المرحلة تقتضي إضافة إلى تفكيك النسق السلطوي ظهور حكومة ديمقراطية منتخبة في إطار بناء مؤسساتي جديد يتم وضع لبناته بواسطة دستور جديد(6) يكون إصداره تتوجا لإصلاحات هذه المرحلة. وعلى هذا الأساس يبدو منطق وإيقاع سيرورة الإصلاح بالمغرب غير متساوقين مع منطق وإيقاع التحول الذي يحدده براديغم الانتقال الديمقراطي. ولا حاجة إذن لفحص إمكانية بلوغ سيرورة الانتقال بالمغرب مرحلة التدعيم ما دام الدخول إلى هذه المرحلة يمر عبر بوابة المرحلة الثانية وهو ما يتبين أنه لم يتحقق بعد.

II- المغرب في مرحلة انتقال سلطوي.
تتأسس فكرة الانتقال السلطوي على الصعوبات النظرية التي تحد من قدرة براديغم الانتقال على استيعاب عملية التحول التي يعيشها النظام السياسي المغربي، والواقع أن هذه الصعوبة ذات تجليين اثنين، الأول هو صعوبة الجزم بأن تحولات النظام المغربي هي جزء من سيرورة إرادية متكاملة تروم إخراجه من دائرة السلطوية إلى دائرة الديمقراطية، أما التجلي الثاني لهذه الصعوبة فيتضح من خلال استحالة نفي وجود إصلاحات يعيشها هذا النظام بالرغم من صعوبة اعتبار هذه الأخيرة حلقات في مسلسل الانتقال الديمقراطي. وقد دفعت الصعوبات بالعديد من الباحثين إلى إضافة بعض النعوت لمصطلح الديمقراطية لتوصيف هذه الأنظمة (ديمقراطية انتخابية، غير ليبرالية، نظام شبه ديمقراطي, ديمقراطيةهشة, ديمقراطية صورية... الخ). (7)
غير أن مشكلة هذه النعوت أنها تؤكد ضمنيا أن ما تعيشه هذه الأنظمة هو تحولات تتجه رأسا نحو الديمقراطية بالرغم من الصعوبات التي تواجهها، ولا تعترف بإمكانية انحراف مسارات هذه الأنظمة عن مسار الانتقال الديمقراطي، ودخولها المنطقة الرمادية(8) التي تظم أنظمة هجينة(9) يعتمد بناؤها المؤسساتي على هياكل وبنيات ديمقراطية تتعايش مع مؤسسات ثقافية وبنيات أخرى سلطوية وهو ما يجعل هذه الأنظمة عبارة عن تركيبة غير متجانسة تختزل فيها البنيات ونمط الثقافة السلطوي سيرورة الإصلاحات الديمقراطية إلى مجرد تحولات كمية بعيدة عن إحداث التحول النوعي الضروري للدخول إلى جوهر النظام الديمقراطي.
وفي الحالة المغربية فبالرغم من أهمية وجرأة الإصلاحات التي أدخلها النظام في مسلسل دمقرطته، فإن توظيف لفظ ديمقراطية (ولو بإضافة إحدى النعوت) في توصيف التحول الراهن لا يزال متعذرا من الناحية النظرية بالنظر إلى كونه ليس ديمقراطية فاشلة أو نظام في حالة انتقال نحو الديمقراطية، بل هو نظام بديل وفريد قائم بذاته.(10)
ومن هذا المنطلق فإن عملية التحول تعكس في جوهرها انتقالا سلطويا transition autoritaire أي انتقالا من نظام سلطوي إلى آخر، وبعبارة أخرى فإن الإصلاحات التي تم إدخالها تهدف إلى تجديد آليات اشتغال النظام السلطوي القائم وتكييفه مع التحولات الجارية داخليا وخارجيا بهدف زيادة فعالية أدوات الحكم وتجديد مشروعيته. وتتحدد إستراتيجية الانتقال السلطوي من خلال ثلاثة عناصر أساسية متداخلة فيما بينها.
1- أدلجة مفهوم الانتقال الديمقراطي :
تستهدف عملية الأدلجة تجريد مفهوم الانتقال الديمقراطي من دلالته الحقيقية وتعويمه ليصبح أشبه بغلاف فارغ يمكن أن يستوعب أي مضمون يوضع فيه. وإذا كان الانتقال الديمقراطي سيرورة من التحولات التي يفترض أن تنتهي إلى بناء ديمقراطي الشكل والجوهر فإن الأدلجة تستهدف الاستفادة من جمالية الشكل والتخلص من عبء الجوهر. ويندرج في هذا الإطار الترسانة الكبيرة من المؤسسات التي تم إنشاؤها منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، بدءاً بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وانتهاءاً بهيئة الإنصاف والمصالحة، والتي بينت آليات اشتغالها أنها قنوات لتصريف اختيارات النظام السياسي القائم في مختلف القضايا والتحكم في مختلف القوى المنافسة للإبقاء على مركزية المؤسسة الملكية في النظام السياسي وإبقاء تنازلاتها في حدودها الدنيا بشكل يسمح بتكييف النظام وتجديده دون تغييره.

2- تكريس الإصلاح من أعلى :
النجاح في أدلجة مفهوم الانتقال تقتضي بالضرورة التحكم في معنى وإيقاع الإصلاحات التي تقدم كجزء من سيرورة الانتقال. وعلى هذا الأساس يبدو تحكم المؤسسة الملكية واضحا في كل عمليات الإصلاح حيث تتعدد أشكال التحكم بين اتخاذ المبادرة وفق منطق استباقي لوقوع الأزمة (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية) أو استعادة récupération مبادرات الأحزاب لصالح المؤسسة الملكية (التعديلات الدستورية) أو باحتواء مقترح تحديثي في قالب تقليدي (إحداث ديوان المظالم بدل مؤسسة الوسيط). كل هذه الأمثلة تبين أن التحكم في الإصلاح هو الوجه الآخر لإستراتيجية إعادة إنتاج النظام عبر إعادة إنتاج علاقات القوة السائدة. غير أنه من الصعب اختزال قوة المؤسسة الملكية في قدرتها على إضعاف منافسيها، إذ أن تحكم الملكية يعود بشكل كبير إلى ضعف النخب الحزبية في المبادرة وعدم تخلصها من ثقافة الانتظارية والانكماش والتملق والانتهازية التي تفضل اللجوء إلى التحكيم الملكي على سلوك القنوات المؤسساتية في تدبير الخلاف إضافة إلى اشتغالها في إطار غير ممنهج في علاقتها مع السلطة الحاكمة، إذ ليس هناك أي اتفاق صريح أو ضمني بين الفر قاء حول مراحل ومآل الانتقال بشكل يجعل مجرى الحياة السياسية يتسم بحد أدنى من قابلية التوقع la prévisibilité التي تعد سمة أساسية للنظام السياسي الحديث، مما يترك المجال مفتوحا أمام تأويل بعض قرارات المؤسسة الملكية واعتبارها إشارات في هذا الاتجاه أو ذاك، في إسقاط واضح لمفهوم صوفي غير عقلاني (الإشارة) على المجال السياسي الذي يفترض أن تكون له قواعد واضحة ومحددة.
أمام هذا الاختلال في توازن القوى السياسية فلاغرابة أن يكون الإصلاح أحادي الاتجاه – من أعلى، مما يجعله إصلاحا جزئيا وانتقائيا يمكن اعتباره مجرد توفير للشروط السابقة على الدخول في مرحلة الانتقال الديمقراطي. (11)


3- الإصلاح وفق مقاربة انتقائية.
بعد حوالي عقدين من الإصلاحات التي انخرط فيها النظام السياسي المغربي لا يزال من الصعب إيجاد الخيط الناظم الذي من خلاله يمكن تحديد هدف الفاعل / الفاعلين من مختلف مبادرات الإصلاح لأن ذلك وحده ما يمكن أن يعطي لهذا الإصلاح معناه، حيث تبدو الحياة السياسية بالمغرب أشبه ما تكون بلعبة puzzle محيرة لا تتضح فيها الصورة مهما رتبت القطع المكونة لها. وتعود هذه الضبابية إلى أن الإصلاح يحتكم في الواقع إلى مقاربة انتقائية تتحدد من خلالها أولويات الإصلاح باعتبارها مداخل لتكييف النظام مع تحولات المجتمع المغربي ومع تحديات الاندماج في النظام الدولي. وانسجاما مع هذه الفرضية يمكن النظر إلى الإصلاحات المؤسساتية الجزئية (التعديلات الدستورية 1992 و1996، مقاربة الدولة لملف حقوق الإنسان، التدابير المتخذة في مجال تأهيل الاقتصاد) باعتبارها إجراءات مرافقة mesures d’accompagnement لمرحلة ما بعد التقويم الهيكلي التي فرضت تحرير الاقتصاد الوطني والانسحاب الدراماتيكي للدولة من دائرة الاجتماعي، إذ من الصعب على نظام سياسي مغلق تماما أن ينجح في الانفتاح اقتصاديا، فالانفتاح السياسي شكل على الدوام مؤشرا إيجابيا وعاملا مشجعا للاستثمار.
في نفس السياق يندرج تشجيع الدولة لتأسيس الجمعيات والترويج عبرها لمقولة المجتمع المدني كعامل للدمقرطة(12) وهو أمر يفتقر إلى وقائع تسنده، فإذا استثنيا بعض الجمعيات القليلة جدا والتي تشكل امتدادات لبعض الحساسيات الحزبية فإن أغلبية الجمعيات لاتعمل سوى على تصحيح الاختلالات السوسيو-اقتصادية التي خلفها انسحاب الدولة وفق مقاربة تقنية لا تضع في أولوياتها أي مطلب ديمقراطي وهو ما يتنافى مع فكرة المجتمع المدني التي لا تكتسي معناها الحقيقي إلا في أحد سياقين : سياق الدمقرطة، أي الدفع باتجاه بناء نظام ديمقراطي، أو سياق الديمقراطية، أي حماية النظام الديمقراطي القائم وصيانة مكتسباته. (13)
وفي مقابل هذه الإصلاحات الجزئية تبقى هناك العديد من الحلقات المفقودة في مسلسل الاصلاحات وعلى رأسها الإصلاح الدستوري الذي يفترض أن يدفع في اتجاه مزيد من الانسجام بين الخطاب والممارسة السياسيين، ثم إصلاح الإدارة في اتجاه جعلها (خاصة الإدارة الترابية) أداة في يد الحكومة لتنفيذ سياستها لا كشبه حكومة معينة موازية للحكومة المنتخبة، كما يستدعي نجاح الإصلاح عدم استثناء بعض مناطق الظل كمؤسسة الجيش والأجهزة الأمنية وإعادة رسم علاقتها بمراكز القرار السياسي والاقتصادي وفق ما تقتضيه الشفافية وحكم القانون.


-IIIدلالة الانتخابات في سياق الإنتقال السلطوي.
لاشك أن الانتخابات هي الدعامة الأساسية لكل حكم يريد لنفسه أن يكون ديمقراطيا، وتعود أهمية العمليات الانتخابية في البناء الديمقراطي إلى ارتباطها بعملية اتخاذ القرار باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية في النظام السياسي. ولذلك نجد أن الانتخابات تشكل العنصر الأساسي في تعريف النظام الديمقراطي الحديث كما هو الشأن عند صمويل هنتنغتون الذي يرى أن النظام السياسي يكون ديمقراطيا حينما يتم اختيار الجماعات التي تتخذ القرار عبر انتخابات نزيهة، شفافة ومنتظمة يتنافس فيها المرشحون حول أصوات الناخبين بكل حرية(14).
غير أن تعريف هنتنغتون للنظام الديمقراطي كغيره من التعريفات التي تحيل على الانتخابات كمعيار للتمييز بين النظام الديمقراطي والنظام غير الديمقراطي تطرح من التساؤلات أكثر مما تقدم من إجابات حول إشكالية العلاقة بين الديمقراطية والانتخابات. فإذا كانت هذه التعريفات تعتبر أن الانتخابات هي أداة اختيار الحكام في النظام الديمقراطي فإنها لا تحل هده الإشكالية إلا على المستوى النظري، أما على المستوى العملي فإن نقط تمفصل الانتخابات والديمقراطية تكتسي طابعا إشكاليا بامتياز كما سيتبين ذلك عند محاولة تطبيق هذا التعريف على نموذج معين.
1- سؤال الانتخابات والديمقراطية في النموذج المغربي.
يتأسس الطابع الإشكالي للتعريف السابق الذكر على مجموعة من التساؤلات التي تطرح عند محاولتنا اتخاذه كمدخل لدراسة العمليات الانتخابية بالمغرب إذ سرعان ما سيتبين لنا أن هذا الارتباط بين الانتخابات والديمقراطية يقوم على ثلاث مسلمات أو افتراضات أساسية محايثة للأنظمة السياسية في الديمقراطيات العريقة غير أن وجودها في الأنظمة الثالثية أو ما يسمى بالديمقراطيات الناشئة و الأنظمة السلطوية لا يزال موضع نقاش.
أ- افتراض وجود بناء مؤسساتي ديمقراطي :
فإذا كانت الانتخابات هي حجر الزاوية في النظام الديمقراطي فهذا لا يعني أن الانتخابات تساوي الديمقراطية، وبمعنى آخر فإن الانتخابات ضرورية لكنها غير كافية لبناء النظام الديمقراطي لأن العلاقة بينهما ليست علاقة ميكانيكية بل هي علاقة نسقية, بمعنى أن الانتخابات ليست سوى عنصر لا معنى له خارج باقي عناصر النسق الأخرى المشكلة للبناء الديمقراطي من قبيل وجود مؤسسات دستورية ذات مصداقية و قائمة على مبدأ فصل السلطات والتمايز الهيكلي بين المؤسسات والتداول السلمي على السلطة ووجود مؤسسات حزبية حقيقية وقوية قادرة على صياغة برامج سياسية قابلة للتطبيق وتسويقها لدى ناخبين مواطنين يمتلكون حدا أدنى من القدرة على الاختيار العقلاني في إطار من التنافس الحر وضمانات قانونية للمساءلة والمحاسبة.
واضح إذن أن هذا الافتراض الأول موجود في الديمقراطيات العريقة لكن يصعب الجزم بتوفر عناصره في النموذج المغربي بل يمكن القول أن هذه العنصر يشكل جوهر النقاش العمومي الدائر حاليا حول شكل الإصلاح السياسي والدستوري المطلوب في أفق التحول نحو الديمقراطية.
ب- افتراض أن المنتخبين هم صناع القرار فعليا.
الهدف الأساسي من العمليات الانتخابية هو تمكين المواطنين من المشاركة في عملية صنع القرار في كل ما يتعلق بقضايا الشأن العام وذلك عبر ممثليهم في المؤسسات المنتخبة. وبناء عليه يفترض أن تكون هذه المؤسسات هي صاحبة القرار أي هي الأمير الحقيقي، ليس فقط على المستوى الدستوري النظري بل أيضا على مستوى الواقع العلمي، فالمقاربة الدستورية لوحدها لا تكفي لتحديد موقع المؤسسات المنتخبة في النظام السياسي على اعتبار أن كل هندسة دستورية تبقى مجرد بناء صوري إذا لم توفر لها ضمانات لتكريسها في الممارسة العملية لأن الممارسة هي وحدها ما يعطي المعنى للقاعدة الدستورية.
وبناء على ما تقدم فإن الانتخابات لا تؤدي دورها الحقيقي كأداة لممارسة الديمقراطية إلا بتوفر شرطين أساسيين :
- عدم وجود مجالات محفوظة.
و نقصد بها استئثار مؤسسة أو شخص بسلطة القرار في مجالات غير تلك المنصوص عليها صراحة في الدستور مما يجعل تدبير هده المجالات وممارسة الصلاحيات المرتبطة بها خارج دائرة التنافس الانتخابي.وينطبق هدا التعريف كذلك على الصلاحيات الناتجة عن التأويلات الشخصية للنصوص الدستورية الفضفاضة ,أي التي التي لا تحدد الصلاحيات بدقة على غرار الفصل 19من الدستور المغربي الذي يمكن تأويله بشكل يجعل العديد من مجالات التدخل الحكومي عبارة عن مجالات محفوظة للمؤسسة الملكية(الأسرة,الدين ,الدفاع,السياسة الخارجية, العدل...).
- غياب الازدواج الوظيفي.
ونقصد بالازدواج الوظيفي وجود مؤسسات يناط بها القيام بمهام ووظائف تعود في الأصل للمؤسسات المنتخبة (البرلمان) أو للمؤسسات المنبثقة عن المؤسسات المنتخبة (الحكومة). والسبب في حالة الازدواج الوظيفي غالبا ما لا يخرج احد اثنين :
* إما أن تكون هذه المؤسسات امتداد لمؤسسة أخرى ترغب في منافسة أو السيطرة على المؤسسات المنتخبة مما يحول هذه الأخيرة إلى مجرد واجهة صورية لممارسة استبدادية يغيب فيها التمايز الهيكلي بين المؤسسات وتتركز فيها كل السلطات في يد مؤسسة واحدة أو شخص واحد.
* وإما أن يكون سبب الازدواج هو غياب كفاءة وضعف أداء المؤسسات المنتخبة، وفي هذه الحالة فإن الديمقراطية تقتضي تفعيل مبدأ المسؤولية التي تعني إما الإقامة أو الاستقالة بدل احداث مؤسسات جديدة.
وسواء تعلق الأمر بوجود مجالات محفوظة أو ازدواج وظيفي فإن النتيجة هي دائما نفسها، إفراغ الانتخابات من معناها الحقيقي كأداة لممارسة الديمقراطية وخلق ديمقراطية مسطرية تلعب دور القناع لإخفاء الاستبداد.
ج- افتراض وجود حد أدنى من القدرة على الاختيار العقلاني.
نقصد بالاختيار العقلاني في العمليات الانتخابية أن يكون صوت الناخبين وسيلة موجهة نحو هدف محدد هو الفصل بين البرامج السياسية المتنافسة وترجيح كفة مرشح على حساب آخر ليس باعتبار المرشحين أشخاص بل كحاملي برامج وتصورات لمعالجة قضايا الشأن العام.
ومن الواضح أن هذا الافتراض الثالث الذي يشكل جوهر فكرة الديمقراطية ليس محايثاً بالضرورة للعملية الانتخابية كأداة لممارسة الديمقراطية، فهو مرتبط بنوعين من الشروط المتمايزة والمتكاملة في الوقت ذاته وهي التي تحدد قدرة الناخب على الاختيار العقلاني.
الشرط الأول ذاتي ويرتبط أساساً بالتنشئة السياسية وطبيعة الثقافة السياسية التي تروجها، هل هي ثقافة مؤسسات وبرامج أم ثقافة ولاء للأشخاص ؟ هل تحمل تصوراً واضحا للسياسي باعتباره شأناً عاما يتأطر ضمن فضاء عمومي ذا حدود واضحة مع المجال الخاص أم لا ؟
أما الشرط الثاني فهو موضوعي لأنه، وإن كان يتداخل مع الشرط الأول لارتباطهما بعلاقة تأثير متبادل، فهو يتحدد من خلال دينامية المجتمع برمته من خلال التناقضات والصراعات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تساهم في تشكيل تصور الفرد عن ذاته ومجتمعه ومن ثمة تحدد نظام القيم السائد في المجتمع والذي تشكل أساليب تدبير الاختلاف بين مكونات المجتمع إحدى أبرز تجلياته. ولما كانت الديمقراطية ليست في نهاية المطاف سوى أسلوباً لتدبير الاختلاف داخل المجتمع بشكل يسمح باستيعاب التناقضات والتحولات السالفة الذكر وتصريفها بشكل سلمي, فمن البديهي أن يتحدد هذا الأسلوب، أي الديمقراطية, من خلال الطبقات الثقافية العميقة للمجتمع. من هنا تتبين الأهمية القصوى للعناصر الثقافية وأولويتها في محاولة فهم العمليات الانتخابية في المغرب.
2-رهانات الانتخابات في السياق السياسي المغربي.
أ - الرهان البيداغوجي :
لاشك أن لكل العمليات الانتخابية رهانا بيداغوجيا ذلك أن هذا الأخير محايث لفكرة الانتخاب في حد ذاتها. فباعتبارها أداة لتدبير الاختلاف بين الفرقاء داخل المجتمع الواحد ووسيلة للتحكيم بين الأفكار والاختيارات والبرامج, ليست في العمق سوى تعبيرا سلوكيا عن فكرة القبول بالآخر والعيش المشترك. ومن هذا المنطلق فإن المشاركة في الانتخابات التي تقدم باعتبارها حقا من حقوق المواطنة ليست سوى الوجه الآخر لواجب التخلي عن العنف في كل أشكاله المادية والرمزية في تدبير الاختلاف. غير أن هناك فرقا مع ذلك بين الدور البيداغوجي للانتخابات المنظمة في سياق الديمقراطيات الراسخة وبين نظيراتها المنظمة في سياق الديمقراطيات الناشئة أو الأنظمة السلطوية. ففي إطار الديمقراطيات الراسخة les démocraties établies تكون الكتلة الناخبة في غالبيتها مهتمة بالشأن العام la chose publique بشكل أو بآخر، بوساطة الأحزاب أو بدونها أو في إطار هيئات المجتمع المدني الحارسة للديمقراطية وهو ما يجعل اختيار مدبري الشأن العام الرهان الأساسي للانتخابات، أما في السياقات المختلفة كالسياق المغربي فإن الحدود الفاصلة بين المجال الخاص la sphère rivé والمجال العام la sphère publique لا زالت تتسم بكثير من الضبابية وتصعب أمر ظهور الفرد ككيان منعتق فكريا من تبعيته للجماعات(15) التي لا زال الانتماء إليها محددا لهويته، مما ينعكس سلبا على إمكانية تحوله إلى مواطن قادر على الاضطلاع بدوره كذات حقوقية أمام الدولة. وفي جميع الأحوال فإن هذه الحالة السوسيو ذهنية لا يمكن إلا أن تنتج سوى تمثلات سلبية عن السياسة والسياسي la politique وبالتالي عن الانتخابات والديمقراطية, تغذيها التفاوتات السوسيو اقتصادية والثقافية الكبرى(16) ومختلف أشكال الاقصاء الاجتماعي التي أصبحت أعمق من أن تتمكن المساواة أمام صناديق الاقتراع من إخفائها.
وعلى هذا الأساس فإن المساهمة في تربية وتأطير الجماهير يصبح رهانا أساسيا للانتخابات المغربية التي يراد لها في العمق أن تشكل في الوقت الراهن على الأقل، قناة للتنشئة السياسية أكثر من أن تلعب دورها الكلاسيكي في تمكين المحكومين من اختيار حكامهم. بهذا المعنى يمكن أن نفهم وظيفة بعض الجمعيات المنخرطة في التعبئة للانتخابات من قبيل جمعية 2007 دابا، التي تقدم نفسها كائتلاف يضم مواطنين من حساسيات مختلفة، ويهدف إلى إعادة الاعتبار للعمل السياسي عبر تحسيس المواطنين (خاصة الشباب والنساء) للانخراط في الحياة السياسية. ويبدو واضحا من مشروع عمل هذه الجمعية وأهدافها أنها تعبر عن الخطر الذي أصبحت الدولة تستشعره من الارتفاع المتزايد لنسبة الامتناع عن التصويت. حيث تراهن الجمعية على زيادة نسبة المشاركة في انتخابات 2007 بنسبة %25 كما عملت على لعب دور الوسيط بين المواطنين والأحزاب في إطار " المناظرات الجهوية للديمقراطية " في أفق تحقيق %20 من الانخراطات الجديدة في صفوف الأحزاب السياسية إضافة إلى 700 من النخب الاقتصادية والثقافية و 7000 من الأطرالعليا. (17)
ب- تكريس الإجماع حول مقاربة الدولة للإصلاح.
هناك اختلاف واضح بين علماء السياسة لتفسير وظيفة ومعنى الانتخابات في الأنظمة السلطوية(18) فبينما يعتبر البعض الانتخابات محطة أساسية في طريق الديمقراطية الطويل والشاق، يعتبر البعض الآخر أن الانتخابات حينما لا يكون رهانها هو الديمقراطية (أي كأداة يختار بواسطتها المحكومين حكامهم) فإنها تؤدي إلى نتيجة عكسية أي المساهمة في استمرارية النظام السلطوي الذي تزوده الانتخابات " بقشرة من الشرعية الديمقراطية "(19) التي يحتاجها لأجل تكييف طبيعته السلطوية وآليات اشتغاله مع تحولات محيطه الخارجي والداخلي.
وفي الحالة المغربية فإن اعتماد تحديد واضح وإجرائي للديمقراطية (كما بينا ذلك حينما تبنينا تعريف هنتغتون) يبين بوضوح أن الديمقراطية ليست هي الرهان الحقيقي للانتخابات المغربية، فهذه الأخيرة لا زالت أبعد ما تكون عن لعب دور آلية للحسم بين برامج سياسية متنافسة وللتباري بين هيئات سياسية حول مراكز صنع القرار. فحتى في حالة انبثاق الحكومة عن البرلمان (المبنية على تأويل مرن للفصل 24 من الدستور) فإن البناء الدستوري الحالي وطبيعة علاقات القوة بين الفاعلين تجعل صناعة القرار تتم خارج المؤسسات المنتخبة. وتشكل تجربة حكومة التناوب التوافقي حقلا خصبا للملاحظة في هذا الصدد.
إن انفراد المؤسسة الملكية بتدبير الملفات الكبرى سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق الهيئات واللجان الملكية أو عبر وزارة الداخلية (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية) يجعل آليات صنع القرار السياسي في المغرب متعارضا مع فكرة الانتخابات، أولا : لأن السلطة التنفيذية صاحبة القرار الحقيقي تبقى غير منتخبة في الواقع، ثانيا : لأن طريقة تحديد السياسة العامة للدولة واختياراتها الكبرى تجعل منها سياسة عامة وخيارات عابرة للولايات التشريعية (التقويم الهيكلي، الخوصصة، إصلاح التعليم، برامج التنمية الاجتماعية...) وهو ما يفرغ مفهوم البرنامج, المساءلة، العقاب السياسي من محتواها الحقيقي.
وعلى هذا الأساس فإن الهدف من الانتخابات التشريعية بالمغرب هو حشد الدعم والبحث عن تكريس الإجماع حول مقاربة الدولة للإصلاح، فرغم أن الملكية التنفيذية غير منتخبة ولا تحتاج إلى انتخابات تستمد منها شرعيتها، فإنها تبقى مع ذلك في حاجة إلى انتخابات تخلق الانطباع بوجود تفويض شعبي للسلطة الحاكمة.(20)
وتقدم أشكال الدعاية للمشاركة في الانتخابات في وسائل الإعلام السمعي البصري للدولة صورة واضحة عن الإجماع المستهدف حيث يتم التركيز في الدعوة للمشاركة على الشعور القومي (التصويت حق وواجب وطني) وهو القاسم المشترك بين المغاربة، وهو ما يعني أن نقط الاختلاف في البرامج والإيديولوجيات التي يفترض أن تحسم فيها الانتخابات توجد في مرتبة ثانية. بل إن التعبئة تذهب إلى حد خلق نوع من التماهي الرمزي بين قضية الوحدة الترابية وبين المشاركة في الانتخابات، وهو ما يتجلى في توظيف صور المسيرة الخضراء في إحدى الوصلات المتلفزة.
ج- التحكم في التعددية الحزبية
تتحدد الوظيفة الأساسية للانتخابات في النظام الديمقراطي في كونها أحد تمظهرات ممارسة الشعب للسيادة باعتبار الانتخابات آلية تسمح بإفراز أغلبية تحكم وتطبق البرنامج الذي انتخبت على أساسه وأقلية تعارض وتراقب العمل الحكومي وتعمد في أحيان كثيرة إلى تشكيل ما يسمى " بحكومة ظل " تشتغل على دراسة الملفات والقضايا الكبرى للمجتمع بغية تطوير حلول أكثر ملائمة للمشاكل المطروحة وصياغتها على شكل برامج تجعلها أكثر تأهيلا للوصول إلى السلطة في الانتخابات الموالية في إطار التداول السلمي على السلطة.
في الحالة المغربية لا يبدو أن البناء الدستوري والمؤسساتي ومعطيات الحياة السياسية قابلة للفهم انطلاقا من هذه الخطـاطة، فتمركز السلطات في يد المؤسسة الملكية وضبابية حدود صلاحيتها في العلاقة مع المؤسسات الأخرى وخـاصة الحكومة لا يسمح بالحديث عن سلطة تنفيـذية ثنائية أي un pouvoir exécutif bicéphale وفي أحسن الأحوال فهي ثنائية هرمية bicéphalisme hiérarchique(21). هذه الهرمية تجعل الحكومة مجرد أداة للتنفيذ (بالمعنى الإداري والتقني) والتدبير اليومي لسياسات تبنى خارج دوائر الحكومة.وإذا أضفنا إلى ذلك عدم وجود أي رابط دستوري مكتوب أو عرفي بين تشكيل الحكومة ونتائج الاقتراع فان ذلك يعني ان تدبير الشأن العام في المغرب يعيش مفارقة كبيرة : ناخبون ينتخبون برلمانا ليس من المؤكد أن تنبثق عنه حكومة، وإذا تم ذلك فإنها حكومة لا تطبق بالضرورة البرنامج الذي انتخبت على أساسه وتنفذ سياسات لم تشارك في صنعها.
هذه المفارقة التي هي وليدة التاريخ الحديث للنظام السياسي المغربي ناجمة عن المزج بين الملكية التنفيذية كامتداد للنظام السلطاني التقليدي وبين الانتخابات كآلية أساسية للنظام الديمقراطي الحداثي وهو دمج بين نظامين يشتغلان وفق منطقين متناقضين لا يمكن الجمع بينهما إلا في صيغة الملكية البرلمانية(22)، التي لا يبدو أنها تشكل الأفق الذي تتجه نحوه التحولات السياسية الراهنة. فالإصلاحات التي يشار إليها بعبارة الانتقال أو الانتقال الديمقراطي هو في الواقع انتقال من نظام سلطوي إلى آخر يوظف بعض أدوات النظام الديمقراطي لتجديد آليات اشتغاله من جهة (غزو مفاهيم الحكامة الجيدة للخطاب الرسمي للدولة) وتجديد موارد مشروعيته عبر تطعيمها بعناصر ديمقراطية من جهة أخرى وهو ما يتجلى من خلال التضخم /التضخيم الذي تعرفه المسألة الانتخابية في الحياة السياسية. وبناءاً عليه فإن تغليب منطق الملكية التنفيذية على منطق الانتخاب الديمقراطي يقتضي توظيف الانتخابات لاختيار " ممثلين " لا تشكل تمثيليتهم تعبيراً عن السيادة التي ينفرد بها الملك الممثل الأسمى للأمة (الفصل 19 من الدستور) وبالتالي لا يمكن أن تسفر هذه التمثيلية عن حزب أغلبي أو تحالفي أغلبي(23) في ظل التعددية الحزبية المغربية المراقبة(24) بواسطة آليات أصبحت تتخذ أشكالا أكثر ديمقراطية في عهد الملك محمد السادس، وفي مقدمتها الانتخابات(25) التشريعية التي تستعمل كآلية للتحكم في الخريطة السياسية.وإذا كان هذا الهدف قد تحقق في السابق عن طريق التزوير والإقصاء المباشر فإن اعتبارات كثيرة استدعت ضرورة تغيير الوسائل لتحقيق الهدف نفسه حيث أضحى استعمال قواعد اللعبة للتحكم في الحقل السياسي أكثر فعالية من التزوير(26) إذ يمكن تحقيق نفس الهدف بواسطة التحكم في القوانين الانتخابية وخاصة نمط الاقتراع والتقطيع الانتخابي. وعلى هذا الأساس فإن نزاهة وشفافية الانتخابات لم تعد تهدد التوازنات القائمة. من هنا يمكن فهم تضخم الخطاب حول الانتخابات والنقاش الساخن حول قواعد اللعبة، بين الفرقاء الحزبيين الذي يعزز، من الناحية الرمزية، مكانة النظام السلطوي الذي لا يتدخل بشكل مباشر في صياغتها غير أن هذا الخطاب حول الانتخابات أفرز نقاشات، وإن كانت صحية من ناحية الشكل فهي خاطئة من ناحية الجوهر des faux débat من قبيل تمثيلية النساء أو موقف الإسلاميين من الديمقراطية. فالحديث عن رفع نسبة تمثيلية المرأة في البرلمان لا يستهدف سوى تحسين صورة المغرب أمام المنظمات الدولية ولا تخدم المساواة لأن اللامساواة مجرد تحصيل حاصل للوضع الاعتباري للمرأة داخل المجتمع ولا يمكن تحقيق المساواة في ذهنية المغاربة بقرار فوقي حتى لو كان البرلمان نسائياً بالكامل. أما النقاش حول علاقة الإسلاميين بالديمقراطية والذي تعاظم بعد أحداث 16 ماي، فهو- علاوة على طابعه الانتهازي في السياق الحزبي المغربي- نقاش خاطئ و مستورد ، فانقلاب الإسلاميين على الديمقراطية هو مجرد احتمال ممكن نظريا لكنه مستحيل عمليا، لأن ذلك يفترض أولا أن تكون هناك ديمقراطية تسمح للإسلاميين بتسلم السلطة، وهو أمر غير وارد في النظام السياسي المغربي الذي يحتكر فيه القصر كل مفاتيح صنع القرار، وحتى لو شكل الإسلاميون الحكومة فلن يتمكنوا من الانفراد بها لأن نمط الاقتراع والتقطيع الانتخابي لا يسمح لهم بالحصول على الأغلبية كما أن هامش المناورة لدى حكومة من هذا القبيل سيكون ضيقا جداً بالنظر لضعف صلاحيات الحكومة من جهة و سهولة إسقاطها من قبل الغرفة الثانية للبرلمان من جهة أخرى.
بناءا على ما سلف يمكن القول أن النظام السلطوي في سعيه الحثيث لإعادة إنتاج نفسه قد نجح في تطويع آلية الانتخابات باعتبارها دعامة النظام الديمقراطي لتعزيز موارد مشروعيته بمشروعية ديمقراطية تسمح له باختيار شركاء يعملون على تنفيذ سياسات القصر, دلك أن أقصى ما يمكن أن يبلغه التطور السياسي للنظام السياسي المغربي في ظل المنظومة الدستورية الحالية هو نظام يسود فيه الملك ويحكم " بمساعدة" نخب حزبية منتخبة, وهدا هو السياق الذي يحدد سقف رهانات الانتخابات التشريعية المغربية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الصحافة المستقلة :هل هي شكل جديد للمعارضة السياسية؟


المزيد.....




- السودان يتقدم بشكوى في مجلس الأمن ضد القاهرة لإجرائها الانتخ ...
- تحفظات ألمانية على خطة ماكرون لإصلاح منطقة اليورو
- وكالة السودان للأنباء: قرار جمهوري بإعفاء وزير الخارجية من م ...
- البشير يصدر قرارا جمهوريا يعفي بموجبه إبراهيم غندور من منصبه ...
- بعد فشل الحل السياسي والفني.. خيار ثالث تعتزم مصر استخدامه ف ...
- زراعة البراز لعلاج مرضى التلف الدماغي
- الرئيس السوداني يعفي وزير الخارجية إبراهيم الغندور من منصبه ...
- موسكو: كلور ألماني وقنابل بريطانية بدوما
- التحالف العربي: إذا سقطت صعدة فستسقط صنعاء بلا شك
- الداخلية السعودية: مقتل 4 من أفراد الأمن بإطلاق نار في منطقة ...


المزيد.....

- ذكرى إلى الأمام :أربعون سنة من الصمود والاستمرارية في النضال / التيتي الحبيب
- الحزب الثوري أسسه – مبادئه - سمات برنامجه - حزب الطليعة الدي ... / محمد الحنفي
- علاقة الريع التنظيمي بالفساد التنظيمي وبإفساد العلاقة مع الم ... / محمد الحنفي
- الطبقة العاملة الحديثة والنظرية الماركسية / عبد السلام المودن
- الانكسارات العربية / إدريس ولد القابلة
- الطبقة العاملة الحديثة و النظرية الماركسية / عبدالسلام الموذن
- أزمة الحكم في تونس، هل الحل في مبادرة “حكومة الوحدة الوطنية“ / حمه الهمامي
- حول أوضاع الحركة الطلابية في المغرب، ومهام الوحدة.. / مصطفى بنصالح
- تونس ، نداء القصرين صرخة استمرار ثورة الفقراء. / بن حلمي حاليم
- الفكر المقاصدي عند ابن رشد الحفيد 520_ 595 هــ - قراءة تأويل ... / الباحث : بوبكر الفلالي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - محمد أحمد الهاشمي - الانتخابات التشريعية 2007:رهانات الانتخابات في سياق سلطوي