أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - كامل داود - الفرهود .. مقاربة تاريخية لسايكولوجيا المفرهدين (القسم الاول)















المزيد.....

الفرهود .. مقاربة تاريخية لسايكولوجيا المفرهدين (القسم الاول)


كامل داود

الحوار المتمدن-العدد: 2003 - 2007 / 8 / 10 - 11:31
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ليس من السهل على الذاكرة العراقية ان تتنازل يوما ما عن ذلك المشهد الذي حملته لها الفضائيات ضمن ركام من مشاهد النهب والسلب التي رافقت سقوط نظام صدام ، وما أثاره وقوف كهل (بدشداشة )دون ان ينساق مع حشود المفرهدين بل اكتفى بصفع صورة الرئيس المخلوع بنعله المصنوع من البلاستك المعاد ولم تهزه إغراءات الفرهود .ترى ما الذي يلجأ الأفراد والجماعات إلى الانخراط في قوافل السلب والنهب ؟وما الذي يصد اخرين عن ذلك؟
مهما سعى الباحث للحصول على معنى لمفردة الفرهود في المعاجم العربية الكلاسيكية فأنه سيعود أدراجه لا محال بخفي حنين ولا يجد غير بعض التفسيرات البعيدة كل البعد عن معنى الكلمة المتداول بين العراقيين في الوقت الحاضر والذي يكاد يقترب من المفردة الإنكليزية LOOTING والتي يعتقد البعض انها اصل كلمة ( لوتي )و هي أيضا من الاستخدام العراقي الحصري وتطلق على الشخص المحتال.

اما أمهات القواميس العربية فقد كان لها موقفان تجاه مفردة الفرهود فمنها من عبر الكلمة عند مروره بباب حرف الفاءو تجاهلها كلياً(1) والقسم الآخر يفسر بما يشكل علينا المعنى فالفرهود عنده هو الغلام الحسن الوجه والسمين او ولد الأسد والوعل وفرهد أي انتفخ وفرهدت نفسه اذا ضاقت .(2)ونرى مما تقدم امرين الأمر الاول ان مفردة الفرهود لم تجد لها موقعا في أشعار العرب وأمثالهم مما يدل على ضيق مساحة استخدامها والأمر الاخر هو ان المعنى المعجمي قد ذهب بها عريضة عماتعنيه المفردة باللهجة العراقية الدارجة والتي يطلقها العراقيون على (عمليات نهب أموال وممتلكات الغير والممتلكات العامة بصورة علنية وجماعية في حالة الفوضى وغياب السلطة وأثناء الانفلات الأمني ).وان الفرهود لا يقتصر على شعب من الشعوب بل هو ظاهرة اجتماعية عامة تحدث عند توفر شروطها كما يقول(دوركهايم ) والظاهرة الاجتماعية لا تفسر بعيداً عن طبيعتها الموضوعية ولا على وفق الحالة النفسية للباحث بل يجب أن يكون تفسيرها مستقلا عنه باعتبارها تلقائية وجبرية وعامة وهي سلوك فردي يمكن آن ينتاب الأفراد في كل المجتمعات .

فليس من العدل ان تلصق ظاهرة الفرهود بشعب دون أخر بكونها من الطباع الموروثة مثلما تشير بعض النظريات التي أرادت ان تفسر أحداث الفرهود الأخير على انه من خصال الشخصية العراقية التي ارتبطت بطبيعة نهري دجلة والفرات متعكزين في ذلك على ما كتبه المهندس البريطاني وليم كوكس في بدايات القرن المنصرم عند دراسته طبيعة الرافدين في معرض تمييزه لهما عن نهر النيل وما اشار اليه من اختلاف في مناسيبها التي ترتفع بصورة مفاجئة وفي فترة من السنة فتدمران المحاصيل الزراعية وتحطمان السدود وقنوات الري الأمر الذي يؤجج الصراعات والتنازع بين السكان ويتفشى العداء والاقتتال،وأرادوا من ذلك الوصول الى ان سلوك العراقيين ما هو إلا انعكاس لسلوك نهريهما وفي هذا الكثير من التجني والتسطيح لطبيعة المجتمعات والا بما ذا تفسر غزوات المغول للعالم وقد جاؤا من بلاد ما وراء ( النهر ) ؟ لا شك ان من العوامل البيئية ما قد يولد سلوكا جمعيا في بعض الحالات النادرة كالذي حدث في الأعاصير الأخيرة ولكن هذا لا يصل الى الحد الذي يحسب له في تشكيل الشخصية المحلية وتوريثها كما يحلو للبعض ان يوحي بماجاءت به نظرية الاجناس البالية على انها صفات ازلية وهذا يجانب الصواب بحدة فواقع الامر ان العائلة الانسانية قد تداخلت ببعضها على مدى هذه الالاف من السنين سواء بفتوحات الفاتحين او بقوافل التجار والرعاة وغيرهم ممن جاب ظهر المعمورة قبل ان تكون قرية صغيرة .

ظهور مصطلح الفرهود

ان مفردة الفرهود لم تكن متداولة بالمعنى الذي نحن بصدده حتى نهاية القرن الثامن عشر فقد ذكرها الزبيدي في تاج العروس ( وهو اخر المعاجم الكبيرة )على انها الغلام الجميل او ابن للاسد او الوعل( والزبيدي متوفى عام 1205هـ والذي يقابله القرن التاسع عشر الميلادي) وان اقدم من تسمى فرهود ( في المصادر

المطبوعة) هو شيخ عشيرة ال ازريج من بني مالك والتي تسكن تخوم محافظة السماوة وقد ورد ذكر اسمه في حادثة تاريخية حدثت عام 1868م عرفت (ذبحة المتصرف)(3) ولما كان الناس يطلقون على ابنائهم اسماء الحوادث والانواء والحروب وان العراق ابان القرن التاسع عشر قد شهد العديد من حالات الفرهود الكبرى في حواضره وبواديه فلا بد ان يكون البعض قد سيطرت عليه الرغبة في ان يؤرخ لميلاد وليده الجديد فشاع اسم فرهود ودخل الامثال الشعبية حيث ذكر السيد عبد الرحمن التكريتي بكتابه جمهرة الامثال البغدادية مثلا في باب الفاء (فرهود مال مكرود ) (4)والمكرود بالكاف الفارسية هو المسكين الذي لامدافع عنه( 5 ) واشارالى ان الفرهود هو(نهب اموال الناس دون ان يمنعهم احد وتحصل هذه الحالة عند خلو بعض الاماكن من الحكومة اثناء الحروب او عند مقاومة شعبية مسلحة ضد الحكومة واندحار قوات الامن امامهم) وكان شائعا بين الناس لقب (ابو فرهود) في نهاية ستينات القرن المنصرم والذي اطلق على رئيس الوزراء العراقي ( طاهر يحيى) ( 6) لتفشي الفساد الاداري وسرقة الاموال العامة في حكومته .

وقد استخدم اشتقاقها الشاعر الشعبي صاحب الضويري مخاطبا الحبيب

( الدنيا مدري شلون فرشتلي الشليل وفرهديتك يوم عذالي التهو). (7)

ومثلما سبق القول ان ظاهرة الفرهود هي ظاهرة اجتماعية عامة أي انها ليست حكرا على مجتمع دون اخر فقد تحدث في المجتمعات الغارقة في التخلف اوفي ارقى المجتمعات على حد سواء ما إن توفرت لها ظروفها حتى تطفح على السطح بشكل يثير الدهشة والانبهار ولعل في اماطة اللثام عن ذلك ما يضعنا امام حزمة من العوامل تشترك مع بعضها دون فكاك:

1-العوامل النفسية :فمن خلال دراسة السلوك الجمعي ( والذي يمثل في احد جوانبه دراسة تأثير الافراد على بعضهم في الحالات ذات الطبيعة الانفعالية العالية )وان الحشد يطلق التجارب المكبوتة عند الانسان ويجعله يفعل ما لا يفعله لو كان خارج الحشد ويقول دوركهايم ( ان موجات الحماس العارمة والغضب او التعاطف الذي يكتسح الحشد لا يوجد في أي عقل محدد حيث انها تأتي الينا من الخارج ويمكن ان نفقد توازننا رغما عنا ) (8 ) كما تحدث عن ذلك عالم الاجتماع الفرنسي ( ليبون) واطلق عليه السلوك المدوّر وعرفه بأنه السلوك المتأتي من مراقبة وجوه المحتشدين وانفعالاتها والتأثر بها بدون إرادة واستخدم مصطلح العقل الجمعي على العقل الموجه لسلوك المحتشدين وحدده بأنه اقل المستويات من عقولهم وان الفرد في وسط الحشد يعاني من إلغاء ذاتيته إلغاءاَ يكاد يكون تاما .

2-العوامل الحضارية :فقد استفحلت قيم البداوة وكما وصفها الدكتور علي

الوردي(9) حيث ان البدوي نهاب وهاب وهذا جزء من الطبيعة البدوية وامتداد لتاريخها الطويل الذي ملء بطون الكتب حتى تفتقت بقصص المغازي وما يرافقها من فرهود يتعدى نهب الاموال والممتلكات والمواشي فيشتمل النساء والاطفال وكل العاجزين على الفرار بجلودهم ،*وان الغنيمة دليل الشجاعة والجرأة فيذكر الدكتور عباس العزاوي ( انك اذا اردت ان تغضب البدوي فأدعو الله ان يحرمه غارة الضحى ).(10)ان هذه المنظومة القيمية وبالمتبقي من مقبوليتها ،قد اكتسحت المجتمع العراقي بهيئة ردة حضارية كبيرة ابان حكومة رجال يفخرون بقيم البداوة فأرجعوا البلاد القهقرى الى سني ( داحس والغبراء).

3- العوامل السياسية :تؤدي فترات الاضطهاد السياسي الى احتقانات شعبية تتحول الى عداء للحكومة وحال ضعف او انهيار السلطة تتفجر على شكل ردود افعال عنيفة تستهدف كل ما يمت اليها بصلة ففي هكذا مجتمعات يكون التصور السائد عن تلك القوانين انما هي قوانين الحكومة والتي طالما اعتمدت بدورها الانتقام من معارضيها بتنظيم( مهرجان) فرهود لمحلاتهم وممتلكاتهم يشترك به رجال الامن الحكومي واراذل المواطنين (كما حصل لبعض التجار الشيعة في سبعينات القرن الماضي بتهمة احتكار قوت الشعب )ويمكن ان يقال ذلك عن العوائل العراقية المُسفّرة ( العرب الشيعةو الكورد الفيلين ) وهكذا فان الحكومات تدرج الفرهود ضمن اجندتها في اساليب التنكيل بالمتمردين والخارجين عن ارادتها .وهذا غالبا ما يتردد بين اروقة التاريخ ومثال ذلك ما يرويه لنا الطبري في احداث سنة 63هـ ( ارسل يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة ا لمري الى المدينة المنورة وقال له ان حدث بك حدث فأستخلف على الجيش حصين بن نمير السكوني وقال له ادع القوم ثلاث فأن اجابوك والا فقاتلهم ، فأذا اظهرت عليهم فابحها ثلاث فما فيها من مال او ورقة دراهم او سلاح او طعام فهو للجند ) (11) وهي المعروفة عند المؤرخين بواقعة الحرة وقد تناولتها جميع المصادر التاريخية مستهجنة السلوكيات المنحرفة للجنود في عمليات النهب والتحريق وما اصطحبها من آثار اجتماعية ونفسية استمرت لعدة عقود .

4-العامل الديني : يعتبر الدين من عوامل الضبط الاجتماعي للأفراد والجماعات فالأديان بصورة عامة تدعو الى الصلاح والعفة وهنا يكون الدين جدارا بين الفرد ورغبته في الانخراط في الفرهود ،بيد ان ضعف الوازع الديني وتأويل المقدس بما يتلائم ونوازع النفس وضعفها أمام إغراءات الفرهود، سرعان ما ينهار بهما ذلك الجدار ويجد المرء نفسه مثقل الكاهل بما خف وزنه وغلا ثمنه و لسان حاله يقول ان الله خير الرازقين .فيبدأ الفرد بالتفرج أولا ثم يحاول المشاركة وبعد فترة من التردد قد ينساق مع( القطيع )على حين غرة صارخا بوجه ضميره ان يكف عن التأنيب فماهي الا أموال تسترد الى أهلها ( وان اللص أحسن حالا من الحاكم المرتشي والقاضي الذي يأكل اموال اليتامى )(12) وقد يتصورها البعض امتداد لفرض الجهاد ومرضاة وقربة الى الله تعالى ( نرضي الله ونتنومس بيها ) ورغم ان الدين الاسلامي يراعي حقوق اهل الكتاب حتى ان للرسول الكريم (ص)حديثا صريحا بهذا الصدد ( من آذى ذمياً فقد آذاني ) إلا أن كثيرا ما تكون الأقليات الدينية عرضة للاعتداءات وأعمال العنف والفرهود مثلما حدث ذلك عام 1941والذي عرف (فرهود اليهود )(13)



5-العوامل الاقتصادية : قد يكون الفقر وضيق ذات اليد حافزا للأفراد في الانضمام الى أفواج الفرهود خاصة في مواسم القحط والجوع فيروي السيد عبد العزيز القصاب والذي كان قائمقام لمدينة السماوة عام 1915وهو يؤرخ الأحداث في السماوة بعد سقوط الناصرية بيد الانكليز وقناعة الأهالي بانهيار الدولة العثمانية فيقول( رأينا أهالي السماوة رجالا ونساءا واقفين على جانبي الجسر والجميع ملوثة وجوههم وألبستهم بالطحين الذي نهبوه من المنزل وكانت لحاهم ووجوههم وعمائمهم وسيدياتهم بيضاء من الطحين وهم يبكون ويضربون على رؤوسهم ويقولون لقد اخطأنا وقصرنا معك يا سيد انت احسنت الينا ولم تعمل معنا سوءا فنرجوك الصفح وكانت دموعهم تجري على غبار الطحين الذي على وجوههم فتذكرت شهادة الحسين ع ) (14)ومما زاد الأمر طرافة ان هذا القائمقام المسكين ارسل عائلته الى الديوانية طمعا بحمايتهم من فرهود السماوة فتفرهدوا في الديوانية شر فرهود.



6 - عوامل خاصة : يسعى بعض موظفي الحكومة الى تسهيل نهب دوائرهم والاشتراك في ذلك لاخفاء الأدلة على جرائمهم خلال العمل الوظيفي و إتلاف الأدلة التي قد تدينهم بها الحكومة الجديدة.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,909,862
- قيامة كزار حنتوش
- المجتمع المدني في العراق الجذور وافاق المستقبل
- عبد الكريم قاسم....... مشروع رجل دولة


المزيد.....




- بعد نشره خارطة لإسرائيل تتضمن الجولان.. ماذا قال مساعد ترامب ...
- مطالب منها -اللقاء بالخارج-.. رد المعارضة السعودية منال الشر ...
- بعد نشره خارطة لإسرائيل تتضمن الجولان.. ماذا قال مساعد ترامب ...
- بومبيو: لا تغيير بشأن المفاوضات مع كوريا الشمالية
- المكسيك: مقتل 13 شخصا في هجوم مسلح
- البيرو: بعد يومين من انتحار رئيسها السابق حكم بالسجن لمدة 36 ...
- عودة أقارب متشددين من سوريا إلى كوسوفو
- مقتل 13 برصاص مسلحين في أحد أسوأ المذابح في المكسيك هذا العا ...
- البيرو: بعد يومين من انتحار رئيسها السابق حكم بالسجن لمدة 36 ...
- عودة أقارب متشددين من سوريا إلى كوسوفو


المزيد.....

- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - كامل داود - الفرهود .. مقاربة تاريخية لسايكولوجيا المفرهدين (القسم الاول)