أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - تقنية المعلمومات و الكومبيوتر - محمود حسن عباس - ما هي مشاريع الخيال العلمي ؟ و كيف تكتب






















المزيد.....

ما هي مشاريع الخيال العلمي ؟ و كيف تكتب



محمود حسن عباس
الحوار المتمدن-العدد: 1979 - 2007 / 7 / 17 - 04:51
المحور: تقنية المعلمومات و الكومبيوتر
    


ربما ليس مفهوما لدى بعض الناس أو الغالبية ما هو المقصود بموضوع مشاريع الخيال العلمي، لأن هذا الموضوع بصورة محددة و واضحة غير موجود الآن ، نعم هو موجود ومتناثر بأسماء أخرى ضمن عدد من المواضيع أو الحقول ولكن غير موجود مستقلا بنفسه ،و لتوضيح ذلك فأن عبارة الخيال العلمي المتداولة منذ أكثر من قرنين هي العبارة التي يقصد بها قصص و روايات الخيال العلمي، و هذا الموضوع معروف الأركان و مستقل بذاته ،وعند الحديث عن قصص و الروايات الخيال العلمي فأن كل قصة أو رواية منها تتناول مشروعا محددا تحاول القصة أو الرواية إيصالها إلى المتلقي أو القارئ أو ربما المستمع أو المشاهد أو النظارة لأن كثير أو معظم هذه القصص و الروايات قد حولت إلى أعمال فنية في الإذاعة و السينما و التلفزيون و أحيانا المسرح ،فهناك قصة أو رواية تتناول غزو كائنات فضائية لكوكب الأرض و الثانية تتناول الحياة تحت طبقات الأرض و الثالثة تتناول بشكل خيالي مبالغ فيه حالة تلوث البيئة بسبب النشاط الكيماوي أو البيولوجي أو النووي للإنسان الخ،و بالطبع فأن هذه القصص و الروايات هي نتاج أدبي و فني أكثر من كونهما نتاج علمي فالخط العام لهما هو التزام بالجانب الأدبي و الفني أكثر من الالتزام بالدقة العلمية والأسس المنطقية ، فهدف قصص و روايات الخيال العلمي هو إيصال الفكرة و ليس التزام بالشروط و القواعد و الدقة العلمية فهي في النهاية عمل خيالي كما يدل أسمه،وفي القصة أو الرواية المستندتين إلى الخيال العلمي لا يقول الكاتب صراحة بأن لديه مشروع كذا مثلا غزو الفضاء ،ولكن في النهاية يفهم من عمله بأن لديه مشروع علمي خيالي ربما لا يستطيع هو أن ينفذه بالفعل أو إن مستلزماته العلمية في وقت الكتابة غير متوفرة كما حدث لقصص و روايات صدرتا في القرن التاسع عشر و مطلع القرن العشرين فقد كانت هذه القصص و الروايات تتحدث عن غزو الفضاء و بناء أجهزة و معدات تطير في الجو أو الفضاء بسرعة هائلة من وجهة نظر الكاتب أو الناس في ذلك الحين و غيرهما ما يعتبر من باب الخيال العلمي ،بينما هذه الخيالات وغيرها قد تحولت إلى واقع فعلي بتقدم القرن العشرين إلى نهايته و استمرارا لوقتنا الحاضر و كذلك في المستقبل المنظور، و في كل قصة أو رواية في مجال الخيال العلمي تكمن في داخلها مشروع علمي متكامل بصرف النظر عن مدى أمكانية تنفيذ هذا المشروع واقعيا ،فالمشاريع التي طرحت في قصص و روايات الخيال العلمي في القرنين الماضيين كانت في حينها نوع من الجنون لدى الناس المعاصرين لها ،بينما الآن الواقع الفعلي لتقدم العلمي والتقني تجاوزت هذا الخيال بأشواط بعيدة جدا بل هناك عجز في الخيال نفسه ،ففي القرنين الماضيين كان التعبير الخيالي يتقدم على الواقع بأشواط بعيدة لذا كان محط الأنظار، بينما في الوقت الحاضر و ربما تتفاقم هذه المشكلة في المستقبل أكثر فأكثر و هي إن التعبير الخيالي بات شبه عاجز ليكون أكثر خيالية من الواقع الفعلي نفسه.
معنى المشروع:
إن كلمة المشروع مشتقة من الشروع أو الفعل شرع يشرع أي شروع في الفعل أو العمل و ربما الاستمرار فيه لغاية انتهائه،وهذه كلمة مفهومة لغويا و اصطلاحيا، ومعنى الاصطلاحي للمشروع انه (خطة عمل) تتكون من مجموعة أعمال مترابطة وظيفيا ومتسلسلة زمنيا تؤدي إلى نتائج محددة في سقف زمني محدد وهذه هي هدف المشروع أيا كان نوعه،و كلمة المشروع من الكلمات التي تتداول بكثرة في مختلف مجالات الحياة ،فهناك مشاريع البناء و شاب لديه مشروع زواج و كاتب لديه مشروع مقالة و وزارة الصحة لديها مشروع البطاقة الصحية الكترونية الخ،و مليارات المشاريع موجودة في الدنيا و حتى في الآخرة فمشروع الأيمان و التقوى و الصلاح هو للوصول إلى النتيجة أو الهدف و هي ثواب الجنة،و فور ورود كلمة المشروع يقفز إلى الذهن مباشرة كلمة أخرى و هي التخطيط أو المخطط، فلا بد إن كل مشروع يسبقه التخطيط له و وضع مخطط له يسير عليه في التنفيذ و التقيد بالسقف الزمني ،فمشروع بناء نفق لتقاطع الشوارع في وسط المدينة لا بد إن يخطط لها بعناية فائقة ،كم هي النفقات و من يمول المشروع و كم يستغرق فهو سيؤدي في وقت التنفيذ إلى فوضى في المواصلات لأنه سيشغل مركز المدينة و لابد إن وقت تنفيذه أن يكون قصيرا، ومن سيكون المتضرر و من سيكون المستفيد من المشروع ،و من سينفذه الدولة أم المقاولون و هل المقاولون من البلد أم أجانب و من أين توفر الكوادر و من يشرف على جودة التنفيذ الخ ،عشرات الأسئلة و المواضيع المتعلقة بأي مشروع و تخطيط و تنفيذ أي مشروع و من أي نوع كان ،وبالطبع من المفهوم إن المشروع يتناول عمل محدد وبهدف محدد يدخل فيه طرفا أكثر من فرد ولو حتى كان مشروعا فرديا و قد يستغرق بضعة أيام كما في مشروع زواج شاب لديه كل مستلزمات الزواج فيعقد القران في يوم و في اليوم الثاني يدعو أصدقائه و أقاربه لحفلة الزواج و في اليوم الثالث يعد للحفلة و في اليوم الرابع يدخل القفص الذهبي و ينتهي مشروع زواج الشاب في بضعة أيام، بينما هناك مشاريع بناء لسدود و مفاعلات نووية قد تستغرق عقد أو أكثر في حين إن بعض المشاريع قد تكون لها بداية و نهايتها غير معروفة كمشروع بدأ غزو الفضاء بدأت بوادرها الأولى في ثلاثينات القرن العشرين وقد يستمر طالما أن البشرية موجودة.
تاريخ المشاريع العلمية
إن البشرية مرت بمراحل تطور عديدة عبر القرون في مختلف مجالات الحياة ،السياسية و الدينية والثقافية و الاقتصادية و العلمية الخ، فالنظام السياسي كان وجد منذ إن أجتمع عشرون أو ثلاثون من البشر في بقعة جغرافية واحدة، و هو موجود الآن يدار به مئات الملايين من البشر كما هو في عديد من الدول بل في دولتين أو أكتر العدد يقارب أو يزيد أكثر من مليار من البشر،و الأعلام موجود منذ عصر القبائل البدائية بنقر الطبول و إشعال النيران للإعلام ،وكذا الحال في الإدارة الاقتصاد و القانون و الدين و الأدب الخ، كل هذه المجالات و غيرها طرأت عليها تطورات نوعية و كمية هائلة عبر العصور ، ولكن العلم أختلف عن هذه المجالات في طريق تطوره ، فقد بدأ مشروعا فرديا لدى الإنسان الأوائل عندما بدأ يبحث عن أداة يسقط به الفاكهة من الشجرة أو يهشم به لحوم فرائسه التي يصيدها من الحيوانات و استمر الحال هكذا إلا في حالات قليلة مثلا عندما تبنى المأمون أحد خلفاء الدولة العباسية مشروعا متكاملا لترجمة الثقافة اليونانية إلى اللغة العربية ،وهكذا كانت هناك مشاريع علمية قليلة تحمل صفة المشروع الجماعي ،فقد كانت المشاريع العلمية فردية في الغالب ،فهذا العالم يبحث عن الأحياء المجهرية بجهوده الفردية و ذاك يبحث تركيب الذرة وثالث كيمياء العناصر و الرابع الفلك و الخامس الوراثة و السادس تاريخ الجيولوجي للأرض الخ ،و منذ أواسط القرن التاسع عشر بدأت شيئا فشيئا تتبلور صفات الجماعية للبحث و الانجاز العلمي و يتخذ صورة المشروع المتكامل المؤسساتي ، بل في الوقت الحاضر أصبح الإنجاز الفردي للمشروع العلمي حالة نادرة جدا ،حتى إذا بدأ مشروع ما بجهود فردية فلا يتعدى ذلك مرحلة التصميم و البحث و الابتكار و التحقق ولكن في مرحلة التنفيذ يتحول إلى عمل جماعي و بصورة أدق إلى عمل مؤسساتي قد يكون بصيغة حكومة أو شركة أو معمل أو ورشة أو جامعة أو مؤسسة الخ ،وهناك مشاريع صفاتها علمية قد تشارك فيها ملايين البشر عبر عقود من الزمن مثلا مشاريع الأمم المتحدة للقضاء على الجدري و السل و الحصبة و شلل الأطفال الخ ،و باختصار فان مفهوم المشروع هو انه عمل جماعي من ثلاثة أشخاص فأكثر وقد يصل عدد المشاركين فيه إلى الملايين و مليارات من البشر و تمتد من أسبوع ربما إلى قرون كما في غزو الفضاء مثلا و قد يتفرع من داخل المشروع الأصلي عشرات المشاريع الفرعية فمثلا غزو الفضاء بدأ كمشروع لسبر الفضاء القريب من الأرض لسد فضول الإنسان إلى معرفة ما يحيط به، غير انه تفرع منها مئات بل ألاف المشاريع منها الطب الفضائي و جيولوجيا الفضاء و بيولوجيا الفضاء و استغلال الفضاء في المواصلات وتجريب علم المقذوفات و التصنيع في ظروف انعدام الوزن وتصوير طوبوغرافيا وجغرافيا الأرض من الفضاء و مراقبة مناخ الأرض من الفضاء الخ ،مئات بل ألاف المشاريع الفرعية التي تولدت من المشروع الأصلي لا بل إن المشروع الأصلي لم يعد ذي بال في الوقت الحاضر بعد أن عرف الإنسان الشيء الكثير عن ليس الفضاء المحيط بالأرض بل عن الكون بجمعه.
طفرات العلم كيف تقاس:
ليس هناك قياس منطقي لحد الآن يمكن الاعتماد عليه في قياس مدى التقدم العلمي الذي يحرز كل يوم بل وفي كل ساعة في هذه المرحلة من التاريخ، ويمكن القول بأن مؤشر التقدم العلمي يرتفع باتجاه الأعلى بالعدد الجبري للمتوالية الهندسية ،بمعنى لو أخذ مؤشر التقدم العلمي في أي مجال أو معظم مجالات العلمية و افترض بأنه يمثل رقم (4) فأن هذا الرقم لن يكون متواليته الهندسية (16) خلال وقت قصير ، بل يتحول إلى مريع أو مكعب متواليته الهندسية أي يتحول إلى (256) أو (4096) ،و هذين الرقمين بدورهما يسيران من النقطة التي وصلتا إليها بنفس مربع أو مكعب المتوالية الهندسية ،و يشمل هذه المؤشرات عدة حقول منها السرعة باتجاه الزيادة و الحجم باتجاه التصغير و التكلفة باتجاه التقليص و الانتشار باتجاه الشيوع و الخ ، و لنأخذ عدد من المجالات على سبيل المثال و في مقدمتها الحاسبات،فالحاسبات في مقدمة بل الأولى في تغير مؤشر تقدمها على مدار الساعات و ليس الأيام أو الأسابيع و الشهور و السنوات، فيوما بعد يوم تزداد سرعتها و سعة خزنها وتصغر حجمها و يزيد انتشارها في التداول بين الناس وفي العمل و كذا السيارات و النقل الجوي و التقدم في علوم الطب و الفيزياء و الكيمياء و الفضاء الخ، و في نفس الوقت هذا التقدم الهائل في العلم بات كالدائرة المغلقة الدوران ضمن محيطه الداخلي بمعني إن التقدم في حقل يرد لينعكس مباشرة على الحقول الأخرى فيزيدها موجة أخرى من التقدم و التطور و هكذا دواليك.
العبقرية الفذة:
منذ فجر تأريخ البشرية بل إن هناك شواهد أثرية كثيرة في تاريخ البشرية ما قبل كتابته تؤكد بأن مسألة العبقرية الإنسانية الفردية كانت موجودة و مستمرة إلى وقتنا الحاضر و ستسمر مع وجود البشر،وهناك الأمثلة الكثيرة المعروفة من شخصيات الأنبياء و القادة و الفلاسفة و الأدباء و رجال القانون و علماء الخ،في كل مجالات الحياة ،و العبقرية هي إن يتميز الفرد بما يطرحه من فكر أو عمل يسبق زمانه وما هو معروف و مقبول فيه على شرط إن هذا الفكر أو الفعل يأتي عليهما زمان أخر قد يبعد سنوات أو عقود أو قرون أو حتى عصور يثبت صحة ما طرحه العبقري من فكر أو فعل ،فلماذا على سبيل المثال نقول عبقرية أفلاطون وسقراط و حمورابي و ألأسكندر وبعض فراعنة المصر والنبي محمد (ص) و خالد بن الوليد وسيبويه و أبن خلدون و اينشتاين و الخ ، لأن كل هؤلاء و غيرهم بالمئات وآلاف وكل في مجاله سبق زمانه في ما طرح من فكر أو فعل أو كلاهما و جاء عليهما أزمنة ثبتت فيها صحة ما طرحوه من فكر أو فعل أو كلاهما ،وفي التأريخ نفسه سواء في التاريخ العلمي و التكنولوجي للبشرية أو في سياق التاريخ العام هناك مئات بل ألاف لما قد نستطيع أن نصنفها بأنها كانت من نوع (مشاريع الخيال العلمي) بعضها كانت ذات صفات علمية مباشرة و بعضها الأخر كانت في مجالات أخرى غير العلم ولكن في الحصيلة كان أصحابها سواء كانوا أفرادا أو مجموعات يستهدفون من وراءها التقدم بالبشرية ،و بعضا من هذه المشاريع كانت نظرية بحتة بينما بعضها الأخرى حاول أصحابها تنفيذها فعلا ،و لنضرب أمثلة على ذلك ،بداء من فلاسفة اليونان و مرورا بالأنبياء المعروفين و مرورا بكتاب الروايات الخيال العلمي و مرورا برواد الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر و غيرهم كثير، و يجب إلا ننسى ما واجهتها العبقرية البشرية الفردية من محن في مختلف العصور و الأماكن وحتى في عصرنا الراهن ،و من كل ذلك نستخلص بأن في كل عصر لو مهما كان التقدم و الرقي في العقل البشري و المنعكس في واقعه و لاشك إن عصرنا الحالي الأكثر تقدما و رقيا في تأريخ البشرية، فان هناك تطلع عبقري بشري إلى الأمام و أحيانا قد يكون لمسافات تقدر بعشرات أو مئات أو ألاف السنين إلى الأمام .
المغامرون الأوائل:
في معظم الأحيان عند طرح مفهوم الخيال العلمي تحصر النقاش في أدب الخيال العلمي من الروايات والقصص ،و يهمل تلك القصص الواقعية- الخيالية التي كانت أبطالها عباقرة بذلوا جهودا جبارة ليثبتوا كذا و كذا في زمانهم و لكن الظروف و الإمكانات خانتهم فخذلوا و بعضهم فقد حياته من أجل أن يثبت ما هو موجود في خياله إلى واقع فعلي.
ربما لغاية الخمسينات القرن الماضي كان لا زال هناك كتاب للخيال العلمي قد طرحوا عبر قصصهم و رواياتهم مشاريع للخيال العلمي فيها العبقرية العلمية و بالطبع العبقرية الأدبية و الفنية و بعض هذه الروايات والقصص باتت مصدرا للإلهام العلمي و ثبت الواقع العلمي فيما بعد صحتها ،بل إن بعض المبادئ و القواعد و النظريات التي وردت في تلك القصص و الراويات طبقت في المجال العلمي البحت بحذافيرها ، بينما الكتابات التالية لمنتصف القرن العشرين ولغاية يومنا هذا أصبحت نوع من الإسفاف و الضحك على الذقون ، بل إن الكتابات الحالية بما فيها المقتبسة إلى السينما والراديو و التلفزيون من الروايات و القصص الخيال العلمي أصبحت غثة وغير معقولة و على سبيل المثال هناك مئات من القصص و الروايات الخيال العلمي وحولت معظمها إلى السينما والراديو و التلفزيون تتحدث عن غزو كائنات فضائية غريبة لكوكب الأرض،في حين إن المعلومات والأخبار حول علم الفلك و الفضاء تتداول عبر كل وسائل الأعلام و المعلوماتية يوميا و تؤكد بأن لا دليل عن وجود الحياة في المجموعة الشمسية غير في كوكبنا(الأرض) بل لا دليل عن وجود الحياة في مجموعات قريبة من الأرض ولو حتى بدأ هؤلاء الكائنات رحلتهم إلى الأرض منذ ما قبل ظهور الإنسان على الأرض و يمكن وصولهم إلى الأرض ولو بعد قرون أو عصور من الآن،وقد يعترض المعترض بالقول بان ذلك مجرد من باب الخيال العلمي و التعبير الأدبي و الفني وقد يكون حافزا للتفكير و التأمل ، وكل ذلك صحيح ولكن الحقيقة الأكبر التي تكمن وراء ذلك هي إن التعبير الأدبي و الفني باتا يعانيان أزمة تكيف مع التقدم العلمي الهائل الذي شهده البشرية و خاصة خلال عقدنا الحالي عقد الأول للقرن الواحد و العشرين ،و إذا لم يتدارك فأن الهوة ستتسع في المستقبل ،و ليس جديدا القول بأن التعبير الأدبي خاصة تعاني من أزمة خانقة و يوما بعد يوم تضيق دائرة القراء و مع مرور وقت أخر سيتسع الدائرة لتشمل التعبير الفني ،نعم أحدى الأسباب هي إشاعة الثقافة الكترونية بدلا من الثقافة المقروءة التقليدية ولكن السبب الأهم هو في المضمون وليس في وسيلة الإيصال و إلا تحول الاهتمام بالأدب إلى العالم الكتروني عبر الانترنت و وسائل المعلوماتية الأخرى .
تشعب العلم و عزلته:
وكما سبق الإشارة فأن طفرات التقدم العلمي و التكنولوجي وما ترافقها و تعقبها من تقدم في كل مجالات الحياة تسير بتربيع أو تكعيب عدد المتوالية الهندسية ، و رغم إن بعض المفكرين و السياسيين و الخبراء ومنذ ما بعد الحرب العالمية الثانية(1939-1945) أطلقوا على عصرنا الراهن (عصر الجماهير) بما في ذلك ناحيته العلمية،بحيث إن الحصول على الدرجة و المكانة العلمية لم تعدان حصرا بالصفوة، بل أصبحتا متاحتين للجماهير العريضة ، إلا إن العلم نفسه صار مقتصرا على صفوته الخاصة به وهو المجتمع العلمي ،و خاصة مع التعقيدات التي حصلت في الفروع العلمية ،ففي الفترات و تحديدا في القرون التي سبقت منتصف القرن العشرين كان العلم ينقسم في هيكله البسيط إلى عدد من الفروع المعروفة منها مثلا الطب والفيزياء و الكيمياء و الفلك و الرياضيات الخ ،من الفروع الأساسية التقليدية للعلم ،و رغم إن هذا التصنيف التقليدي لفروع العلم لا زال ساري المفعول كهيكل عمودي للعلم ،و لكن أفقيا انقسمت هذه الفروع إلى مئات بل ألاف الفروع الجانبية و كل فرع جانبي يعود ليلتقي بالفروع الأصلية و بالفروع المجاورة و هكذا دواليك ،على سبيل المثال أحدى الفروع التقليدية للعلم وهو الطب أنقسم إلى عشرات الاختصاصات العامة و هذه الاختصاصات بدورها تفرعت إلى فروع جانبية ولم تعد مقتصرة على ما يمكن إن يصنف بأنها ضمن الطب بل تتعلق بفروع أخرى مثل التكنولوجيا و الهندسة و الفيزياء و الكيمياء والرياضيات الخ،و هكذا رغم إن العصر بدا و كأنه عصر الاختصاصات الدقيقة إلا إن الثقافة و التخصص الدقيق بدءا يتجهان نحو الموسوعية أكثر فأكثر،فتكونت صفوة علمية خاصة مختلفة عن الجماهير العريضة ، في حين إن الجماهير العريضة زادت مساهمتها و حضورها في مجالات الحياة المختلفة باستثناء المجال العلمي، ففي المجال السياسي حدثت التطورات المعروفة في التحول إلى الأنظمة الديمقراطية بشكلها التقليدي المعروف ،ولكن خارج هذا التحول فان أسوأ الأنظمة الديكتاتورية الآن لا تستطيع مثلا منع وصول الأخبار و المعلومات إلى أقصى بقاع العالم ومن أكثرها عزلة ،ولكن ما هو متميز في العصر أكثر فأكثر هي المشاركة المباشرة للجماهير العريضة في صنع الحدث و تعقبه ، وما تلعبها من دور على سبيل المثال كل من الرسائل القصيرة و الصور و الاتصالات عبر الهاتف النقال أو المدونات عبر الانترنيت أو الاتصالات الهاتفية بالمحطات الفضائية و غيرها من الوسائل و الطرق التي أتاحت فرص كثيرة لم تسبق إليها المثيل في المشاركة الجماهيرية ليس في الجانب السياسي فقط ،بل في معظم جوانب الحياة،فعبر هذه الوسائل الإعلامية و المعلوماتية يعبر الناس عن أراءاهم و وجهات نظرهم و نمط تفكيرهم واجتهاداتهم حول الأحداث ومواضيع الساعة و تعرض في وسائل الأعلام و المعلوماتية كل ما يخطر على البال ،بل تعدى ذلك بأن الحكومات و المنظمات و الأحزاب و المؤسسات و الشركات و حتى محلات التبضع الكبرى الخ،أصبحت لديها مواقع على الانترنيت وأرقام هواتف النقال و الثابت و لمعظمها محطات فضائية يمكن الاتصال بها أو مراسلتها أو التحدث إليها مباشرة ،فصار في أمكان المواطن البسيط أو ما يسمى رجل الشارع أن يرسل خلال دقائق رسالة لرئيس أكبر دولة في العالم مثلا أو يتحدث مع مندوب المبيعات لأكبر شركة للسيارات في العالم في أسيا بينما هو يسكن في أقصى أمريكا الجنوبية أو يعلق على أبحاث الاستنساخ في كوريا الجنوبية أو ايطاليا بينما هو يسكن في أستراليا أو أفريقيا ،وكل هذه الوسائل و الطرق تتقدم بشكل يومي و على مدار الساعة و تتكائر فيها التسهيلات و تكاد أن تكون شبه مجانية، بينما تتلاشي تدريجيا الحواجز الجغرافية و اللغوية و الثقافية ،ليس بإلغاء أو الدمج أو الصهر بل بالتفاعل و التكامل ،فمثلا حاجز اللغة بات اختراقه أكثر سهولة بل وهدمه عبر ما توفرها نظم الحاسوب التي صارت متوفرة بمعظم اللغات و برامج الترجمة الفورية و هناك مئات المواقع الخاصة بالترجمة الفورية و القواميس و القواعد و تعليم عشرات اللغات بالكتابة و الصورة و الصوت،وربما البعض قد يحلو له أن يقول بأنه حدث أو قد يحدث صراع حضاري على صعيد الثقافي والفكري أو العقائدي أو إن هناك فجوة رقمية أو مادية بين الشمال و الجنوب الخ،ولكن الحقيقة إن ما تتيحها التقنية الحديثة من وسائل وطرق و فرص هي بالضبط تعمل على إزالة مثل هذه الصراعات من خلال فرص التفاعل والتكامل و تبادل المنافع و المصالح بين الكيانات السياسية و الحضارية و الاقتصادية ،و بمعني أدق و أكثر تفصيلا فأن كل الدلائل الحالية المتوفرة تشير بأن العالم متجه نحو (الوحدة) السياسية حتى إن بعض المتفائلين يتحدثون عن احتمال قيام (حكومة عالمية) على مدى البعيد، بينما على صعيد الحضاري و الفكري و العقائدي فان الفرص متاحة عبر الشبكة العنكبوتية في أن كلا يعرض سلعته ،و على سبيل المثال لا الحصر كم هي الفرص المتاحة للمسلمين في أن يعرضوا كل ما يتعلق بدينهم و حضارتهم و واقعهم عبر شبكة الانترنت و غيرها من التقنيات الحديثة ،بل إن شعوب متخلفة من كل النواحي تجد أمامها فرص في أن تعرض هي بنفسها و عن طريق غيرها ما موجود لديها من أشياء قد تكون ايجابية ، فيتعرف العالم مثلا بأن القبلية البدائية كذا في مجاهل أفريقيا أو أمريكا الجنوبية أو في جزر المحيط الهادي تستخدم النبات كذا في معالجة لدغة الأفعى، ففي هذه الحالة فأن وسائل و طرق التقنيات الحديثة هي نعمة و قد تكون نقمة لأنها تعتمد على طريقة استخدامها و استغلالها و القائمين عليها و الهدف منها ،فقد تستخدم في عرض و مثالب هذا و ذاك و بالطبع إن الفرص غير متساوية لا الآن ولا ستكون متساوية في المستقبل لأسبقية الفريق المستحوذ على ناصية العلم و سلبية الفريق الثاني ولكن بكل تأكيد قد تتغير الصورة وهي بالفعل في طريقها إلى التغير،و لكن هذا يعتمد على مبادرة الأفراد و الجماعات والشعوب و الدول المعنية في تقريب النار إلى طبختهم وعدم الاكتفاء بدور المتفرج أو المتلقي بل و دور الرافض و المقاوم .
غلق منفذ الخيال بالمادة:
ولو قورن بين مجموعتين من البشر وهم أنفسهم بني أدم ليس بينهم فرق جوهري يذكر،أحداهما تنتمي مجازا إلى الحضارات القديمة البابلية و المصرية و اليونانية و الصينية الخ،و المجموعة الثانية تنتمي إلى الحضارة الحديثة بكل مظاهرها الباذخة،نرى إن أفاق تطلع الإنسان تسير نحو الضيق في التطلع إلى عالم أكثر مثالية مبني على خصوبة الخيال للنظر إلى المستقبل ،بل إن الرقي العقلي بدأ يختصر بالعالم المادي ولم يعد للخيال البشري ذلك الدور البناء في النظر و استنباط ما هو أبعد من شروط و قواعد العالم المادي القائم الآن أو الذي سيقوم في المستقبل وفق الشروط و القواعد العلمية المعروفة الآن أو يمكن أن تعرف في المستقبل ،بالرغم إن فرعا علميا- اجتماعيا جديدا قد أستحدث ويسمى علم المستقبل أو المستقبليات،ولكن هذا العلم في معظم قواعده و شروطه خاضعة لتصنيف العلمي الصارم ليس فيه أي دور للخيال البشري الخلاق الذي كان له عبر العصور الدور الرائد في توجيه البشرية نحو أفاق لم تعبأ بما هو موجود في العالم المادي القائم لأنها كانت تلك أفاقا للعقل البشري و ليس للعالم المادي أو حتى الشروط و القواعد العلمية الصارمة ،فعلى سبيل المثال منذ قرون بعيدة و يقال منذ عصور اليونانية و البابلية و المصرية القديمة ،في تلك العصور وما بعدها في حين كان الناس يعانون في التنقل و الانتقال بين قريتين مجاورتين،كان بين البشر من ينظر بخياله إلى أفاق خيالية حقا، فيتطلع مستشهدا بالطيور في أن يصل أو تتوصل البشرية إلى طريقة يمكن أن يتم التنقل عبرها على علو من الأرض في السماء القريب أو في الفضاء، وهذه ابسط مثال في تطلعات العقل البشري عبر التاريخ .
عندما كان العقل البشري في طوره الفطري ،منذ نشأة الحياة العاقلة على الأرض أو منذ بدأ الكتابة و لغاية نهاية القرن العشرين بالتقريب،كان هذا العقل يعبر عن عبقريته و تفوقه وجموحه على الواقع المادي و الحياتي في صور مختلفة منها الأدب و الفن و منها أيضا بالإنجاز العلمي الواقعي أو الخيالي،ولكن بعد هبوط الإنسان على سطح القمر في أواخر ستينات القرن العشرين و بعد أن وجد القمر بأنها مجموعة حجارة و تلال خاوية بل و إن الأرض أجمل منها ففيها المياه والحياة و الأشجار،صدم الإنسان بهذه التجربة والنتيجة بعدما ظل ينظم القصائد و يغني بالقمر لقرون ،بل إن النبي إبراهيم الخليل (ع) وهو من البشر ظن في بداية هدايته بأن القمر هو(الله) في القصة المعروفة في الكتب المقدسة، فبدأت من ذلك التاريخ تقريبا أزمة حقيقية في التعبير الخيالي لأن ما توفر في الواقع بدأ يتفوق على ما عبر عنه بالخيال بمئات بل ألاف المرات، و لو أخذ مثال أو مثالان و قورن بين ما عبر عنه بالخيال و ما حصل في الواقع نجد إن الفجوة واسعة جدا ،فمثلا الطيران و الفضاء ، فكل الخيالات التي داعبت الإنسانية حول هذين التطلعين الإنسانيين صارت أحلام بائسة مقارنة بما حصل بالفعل من تطور في حقلي الطيران والفضاء،فكان الحلم و الخيال البشري يتطلعان إلى سرعة انتقال لا تتعدى بضع عشرات أو في أقصى الأحوال بضع مئات كيلو مترات في الساعة على الأرض أو في الجو القريب جدا من الأرض ،بينما في الواقع هذه السرعة في الانتقال باتت يمارسها بشكل يومي سائق أية سيارة عادية تقريبا ،ناهيك عن الطائرات العادية أو التي تفوق سرعة الصوت بله الصواريخ و المركبات الفضائية ،بينما تحدث بعض العلماء والمختصين أكثر من مرة في احتمالات سعي الإنسان للوصول إلى سرعة الضوء(300 ألف كم-ثانية) في الانتقال في الفضاء الكوني أو في داخل مختبرات الأبحاث على الأرض،والمثال الثاني هو قدرة أجراء الحسابات فوصلت لحد هذه الساعة إلى مليار عملية حسابية في الثانية الواحدة(تيرا فلوب) ،بينما كان خيال الإنسان يراوح بالحلم للوصول إلى آلة تستطيع أجراء بضع مئات أو ألاف عمليات حسابية في الدقيقة أن لم نقل في الساعة،و ربما قد يصح القول مجازا بأن خيال الإنسان في المراحل السابقة أو حتى في المرحلة الراهنة قد توصل إلى استنتاج واحد على الأقل ثبت صحته ،وهو إن العلم قد يتوصل إلى آلة يتفوق على الإنسان و يتغلب عليه ،وهذا ما حصل أو قد يحصل، بمعنى إن العلم لم يتوصل بالفعل إلى آلة واحدة محددة وحصل أن تفوق على الإنسان و تغلب عليه، ولكن في مجموع تطوراته و تقدمه بدأ العلم يتغلب على الإنسان فأخرج خيال الإنسان وهو أهم سلاحه في معركته العتيدة مع الطبيعة.
الخيال و الصراع مع الطبيعة:
فيما مضى عندما كان الإنسان لا يزال فطريا لم يجمد خياله العالم المادي، فيكتب الشعر و القصة و الرواية ،كان يقال بان لكل امرأ في دواخله قصيدته أو قصته أو روايته الخاصة به و يود أن يعبر عنها في أية فرصة تتاح له ، فالإنسان كائن اجتماعي بطبيعته،يحاول إيصال ما يدور في دواخله للآخرين المحيطين به كعملية تواصل إنساني، القصيدة أو القصة أو الرواية كانت تنشأ ولا زالت تنشأ في دواخل الإنسان بسبب تجارب الإنسان مع الطبيعة المحيطة به بأوجهها الأربعة الأولى المادية و المتمثلة بكل الأشياء المادية التي أحاطت بالإنسان طوال زمن وجوده على الأرض بصرف النظر عن فهم الإنسان لهذه الأشياء ، فالتحدي المادي للإنسان في الطبيعة لم ولن يتغير و لم ولن يزول، فالحصول على القوت و الحفاظ على الطاقة لم يتغيرا في المضمون و إن تغيرا في الشكل، و العجز أمام الظواهر الطبيعية كذلك لم ولن يزول،و إن هو الأخر قد تغير في الشكل دون المضمون، فالفيضان و تبدل المناخ و الزلزال و المرض و الخ، لم و لن تتغير أو تزول وان زادت قدرات الإنسان في السيطرة عليها ،ولكن ربما قد نسميها (مناعة الطبيعة) قد ظهرت إلى حيز الملموس ،بمعني إن الطبيعة المادية لها مناعتها الخاصة، فعندما سيطر الإنسان نسبيا على ظواهر طبيعية مثل الفيضان و المرض ظهرت في المقابل ظواهر طبيعية جديدة تتحدى الإنسان مثل تلوث البيئة و الاحتباس الحراري وحتى أمراض جديدة لم تكن معروفة من قبل مثل الايدز و جنون البقر الخ، بمعنى أخر إن صراع الإنسان مع الطبيعة أزلي و أبدي ،وقد نصل إلى استنتاج أو قانون مفاده بان الإنسان كلما استفز الطبيعة في الصراع معها هي بدورها تستفز الإنسان في أن تغير أسلحنها في كل حين، والوجه الثاني لصراع الإنسان مع الطبيعة المحيطة به هو الصراع الاجتماعي أو ما يسميه الفلاسفة و الأنبياء و الكتب المقدسة صراع الإنسان مع أخيه الإنسان ،وهذا الصراع بدوره أزلي و أبدي ولا يمكن إلغائه ،وهذا الصراع ببساطة يبدأ بالغيرة بين شقيقين توأم ،ولا ينتهي بالصراع بين قبيلتين أو أمتين أو قوميتين أو دولتين ،و هذا الصراع بدوره له قوانينه المناعية الخاصة به، بمعنى ما أن ينتهي أو يتلاشى صورة منه لتظهر صورة أخرى لها ، و الوجه الثالث لصراع الإنسان مع الطبيعة المحيطة به هو صراعه النفسي،و المنبثق من دواخل الإنسان الفرد نفسه ،و يمكن تلخيص مضمون هذا الصراع بالقول بأنه مع كل التقدم الذي أحرزه الإنسان في السيطرة على الطبيعة و تدجين الصراع الاجتماعي أو قولبته،هل من المكن أن يلد الآن أو في المستقبل المنظور طفل لا يغار أو يخاف الخ ؟ و مع تقدم الفرد في العمر تشهد الصراعات النفسية الداخلية تحولات و تحويرات ،ولكن في جوهرها تبقى ملازمة للإنسان طوال عمره ،بل يورثها لخلفه بطريقتين الوراثية أو الجينية وعن طريق المعاشرة ،فالطفل يورث سلوك معين من والديه ليس عن طريق الجينات فقط بل عن طريق الاكتساب الاجتماعي بالعيش المشترك معهما، وهذا الصراع أيضا له قوانينه المناعية بمعنى قد يتحول من شكل ما إلى أخر أو قد تتحور مظاهره ولكن في جوهره باقي مع الجنس الإنساني،أما الوجه الرابع من صراع الإنسان مع الطبيعة المحيطة به هو الصراع الغيبي كما يسميه بعض الديانات أو يسميه بعض الفلاسفة الصراع الميتافيزيقي ، والمظهر البسيط لهذا الصراع يتمثل بالأسئلة الفلسفية التقليدية التي طالما طرحها الإنسان و سيبقى يطرحها ،الأسئلة من مثل كيف حضر أو أحضر (بضم ألف) إلى كوكب الأرض ؟ولماذا هو موجود وما هو مصيره ؟ وهكذا عشرات الأسئلة الغامضة انبثقت منها الأديان و الفلسفات و نظم اجتماعية وفي وقت لاحق أنضم العلم في عشرات من حقوله الحديثة وكلها تحاول أن تجيب عن هذه الأسئلة ولكن دون جدوى،لم يعد الإنسان ينظر إلى القمر أو الشمس و يعتقد بأنهما الهين، فقد هبط على القمر وحام بمعداته حول الشمس و أقمار و كواكب و مجموعات ومنظومات و مجرات أبعد بكثير من الشمس ، و توصل مع الوقت إلى إن (صانع الكون) أذكى مما كان يعتقد الإنسان في البداية ، فكلما رفع الإنسان من ذكائه محاولا الوصول إلى النقطة التي يستطيع فيها أن يجيب عن الأسئلة الغيبية أو الميتافيزيقية التي تطرحها عليه صنع الكون أو صانعه تكتسب هذه الأسئلة ما قد نسميها (ممانعة الإجابة) ،فعلى سبيل المثال بحث الإنسان الدائب منذ فترة طويلة عن إمكانات وجود حياة في مكان أخر من الكون غير الأرض ،هو ليس لغرض تلبية فضول الإنسان للمعرفة فقط،ولكن للبحث عن الجواب للأسئلة الغامضة التي طالما تدور في ذهنه، لعل الكائنات أخرى أن وجدت في الكون قد تستطيع الإجابة عليها بطريقة ما،ولكن في المقابل حصل الإنسان في بحثه هذا على خيبة فتبين له بأن الكون أوسع مما كان يعتقد زمانا ومكانا، و بمقارنة زمان وجود الجنس البشري و مكان وجوده على الأرض مع ما هو موجود في الكون ،تبدو الصورة بمن يقارن قطرة ماء إلى كل المياه الموجودة على الكرة الأرضية وفي أجوائها وتحتها، ،و بيأس الإنسان في بحثه عن الصورة الكبيرة و المتمثلة بالكون(ماكرو) لجأ للبحث عن صورة الصغيرة ة المتمثلة بالذرة(مايكرو) يريد الإجابة عن أسئلته، ولكن هذه الصورة زيدت أكثر فأكثر الغموض حول الإنسان،وبذلك سيستمر الإنسان في بحثه و أبحاثه لجواب الأسئلة الغيبية أو الميتافيزيقية التي في دواخل الإنسان نفسه، إذا الصور الأربعة لصراع الإنسان مع الطبيعة المحيطة به صورة مستمرة لا تتغير في المضمون التغير في الشكل و المظهر فقط .
صدمة التغير ونقطة التحول:
طوال ما يقارب أو يزيد عن ربع قرن مضى و لا زالت تحتدم النقاشات الأدبية و الثقافية و الفكرية في مختلف مناطق العالم و في معظم اللغات و الثقافات حول دور الأدب وحصرا دوري الشعر و القص (القصة و الرواية)، ولم يكن في الإمكان في أوائل السبعينات القول بأن (عصر الأدب) قد انتهى، ولكن الآن الحالة مختلفة و يمكن القول بثقة أكبر بأن (عصر الأدب) قد انتهى بالفعل على الأقل بصورته الذي عرف به طوال العصور و القرون الماضية ،وهنا المقصود بانتهاء عصر الأدب ليس معناه انتهاء الأدب كليا ،بل نهاية لصورة التي عرفت به و ربما ظهور صورة أخرى له ، هذه من جهة ومن جهة أخرى النتاج الإبداعي بصورتي الشعر و القص سيبقيان جزءا من التراث الإنساني كما هو الحال في التراث الإنساني من الأسطورة و اللاهوت و الفلسفة و الفن المعماري القديم الخ، في نفس الوقت و نظرا لتطورات و التحولات السريعة التي تحدث على مدار الساعة و خاصة في المجال العلمي والذي يؤثر مباشرة في كافة مجالات الحياة،ليس في الإمكان بشكل قاطع القول ما الذي سوف يحل مكان (الأدب القديم)، أن لا يحل شيء مكانه هذا هو المستحيل بعينه، بمعنى أخر ما هو (الأدب الجديد)؟، و لندخل في التفاصيل، خلال عشر سنوات الماضية كان هناك شكاوي متكررة من الشعراء ة الأدباء و الكتاب و الناشرين الخ،بأن أعداد القراء تنقص يوما بعد أخر، وهذه الشكاوي الخجولة مع الوقت تحولت إلى الصراخ و ترجمت إلى تقليص مستمر لأعداد الكتب الشعرية و الروائية و حتى كتب المقالات ،بل إن بعضها مثل كتب الشعر صارت من الأحداث النادرة إذا صدر ديوان منها و بأعداد لا تزيد عن مئات النسخ ويسمع من الناشرين بأن هذه المئات النسخ نفسها قد تكدست في مخازن المطابع و المكتبات لا أحد يعير اهتمام بها،و تدريجيا شمل الحال كتب القصة القصيرة و الرواية و كتب المقالات و استمرت لتشمل الصحف ،فبدأت صحف عريقة تغلق أبوابها و تلك التي لم تفعل ذلك تحولت تدريجيا أما إلى الإصدار المجاني أو الإصدار المصغر(تابلويد) أو إلى الإصدار الكتروني (موقع الجريدة)،فبدا بل تأكد إن التحول شامل باتجاه تهجير القراءة لما مكتوب على الورق و كان يوم صنعه(الورق) ثورة حقيقية في تاريخ البشرية،في نفس الوقت ليس هناك دراسات مقارنة موثقة تبين بوضوح أين ذهب قراء لما مكتوب على الورق، و رغم ذلك فكل الدلائل تشير بأنهم لم يذهبوا بعيدا فقد تحولوا إلى القراءة في الوسائل السمعية-البصرية (الانترنت و الستلايت و الموبايل وما شابهها)،ولكن هذا التحول لم يكن مطلقا في الشكل فقط ،بل كان في المضمون أيضا، وإلا لكان قد شاع الصورة(القديمة) للأدب و المتمثلة بالشعر و القص و المقالة في الثقافة الكترونية و لما عانى الشعراء و الأدباء و الكتاب من الأزمة الحالية، و يمكن إعادة القول بأن (الأدب الجديد) أو (الثقافة الكترونية) لا زالت غير واضحة المعالم لأنه في طور التشكيل فضلا عن ذلك فأن التطورات العلمية و التكنولوجية المتلاحقة على مدار الساعة لا تعطي مجالا لتقييم أو الوصول إلى استنتاج محدد يحدد ملامح (الأدب الجديد).
لبس خافيا بأنه لحد هذه الساعة فان (الثقافة الكترونية) لم تختصر على حقول من العلم و المعرفة و الثقافة و الفكر دون أخرى،فيها كل هذه و غيرها وقد تكون أسمها (المعلوماتية) مطابق للمسي تماما ،و في هذه الثقافة الأدب و الشعر و القصة و الرواية و المقالة الأدبية ليست غائبة تماما فهي موجودة و معززة و مكرمة ولكنها ليست سيدة الحفل أو نجمة المساء، فضمن مئات محركات البحث و ألاف المواقع العامة على شبكة الانترنت بعشرات اللغات و تنتمي إلى مختلف الثقافات بما فيها تلك المحركات البحث العالمية الشهيرة، فأن مواقع أو أبواب (الثقافة الأدبية) بمفهومها التقليدي تحتل المكانة الأخيرة في عدد المشاركين في تحريرها و عدد المتصفحين لها ، ربما عدد المتصفحين لها لا تزيد إلا بقليل عدد المشاركين في تحريرها بصورة إجمالية تقريبية،وهذا هو نفس الموقف أو الحالة في (الثقافة الأدبية )المكتوبة ، إن دل هذا على شيء فإنما يدل بأن (الأدب القديم) قد مات و لا سبيل إلى أحيائه أو إسعافه إذا كان لم يمت بعد،و لنقارن حتى تكون الصورة أوضح ،سنضع (الأدب القديم) مع (التكنولوجيا) وهو كان المنافس القاتل أو الند العنيد للأدب خلال الأعوام العشرة الماضية فحدث ارتقاء فائق السرعة في الثقافة التكنولوجية مقابل انحدار سريع جدا في الثقافة الأدبية ،سنضعهما في كفتي ميزان وزمن المقارنة سيكون الأعوام العشرة الماضية محسوبا من الآن، وهي الأعوام التي بدأت فيها الانترنت و وسائل المعلوماتية الحديثة تنتشر على نطاق الجماهيري أو العام، و وجه المقارنة سيكون مدى مساعدة الإنترنت في انتشار كليهما، لا يظن بأن هناك حاجة للدخول في التفاصيل و استعراض الأدلة و البراهين و الإحصائيات و الشواهد و الإثباتات،فنتائج المقارنة واضحة فهي كمن يقارن حال أكبر غني في المدينة بحال أكبر فقير أو معدوم في نفس المدينة، ومن هنا قد نتوصل إلى استنتاج أخر وهو أن موت (الأدب القديم) ليس مرتبطا بالتقدم العلمي و التكنولوجي مباشرة فحسب، بل مرتبط بصورة لا يقل وثوقا بعوامل أخرى مثل العولمة و إشاعة نظام اقتصاد السوق الخ، ولكن هذه العوامل في النهاية كانت دورانها أو تأثيرها ضمن نفس فلك العامل العلمي والتكنولوجي.
قد يكون السؤال (ما هي الثقافة الكترونية؟)،سؤالا صعبا و ربما غير صحيح بالمرة،لأنه من يقول بأن الثقافة التي خلفت (الأدب القديم) سوف تسمى (الثقافة الكترونية) فهي لم تسمى بعد وهذه التسمية مجازية ،و قد لا تكون تلك ثقافة أصلا ، قد تكون مهنة أو سلوكا أو هواية أو تسلية أو أدمانا أو حتى شيء غير محدد!
مرحلة تحولات سريعة:
قد لا يكون من السهل استيعاب صدمة أفول ثقافة دامت بضعة عصور و عشرات القرون و رافقت البشرية منذ البداية و بروز ثقافة جديدة في طور التشكل غير محددة الملامح و القسمات بعد ،لذا فان المتوقع هو أن يكثر الجدال و تحتدم المناقشة بل والمنافحة و الإنكار والاستنكار لمن يروج لمثل هذه الأفكار و الأطروحات الهدامة، ولكن هذه لن تغير الحقيقة في شيء،وقد يتم الرجوع إلى ما سبق في إشارة إلى عامل (ممانعة الطبيعة)،بمعنى إن البشرية في توجهها الحالي نحو الثقافة العلمية-المادية- المرئية أكثر فأكثر ،قد تعقبها فترة زمنية قد تطول أو تقصر تجد بأن هذا التوجه يعقبها نقص و أخطاء قد لا تكونان منظورتين الآن ،فعندما يتم تغيب الثقافة الأدبية-الروحية-المقروءة بشكل شبه تام تظهر النواقص و الأخطاء بشكل ظاهر للعيان ،وعند التحدث عن الثقافة الأدبية-الروحية-المقروءة فإنها في هذه الحالة لا تشمل الأدب فقط بأشكالها الشعر و الرواية و المقالة الأدبية فحسب، بل تشمل جوانب أخرى من الثقافة الروحية منها أللاهوت واللغة و الفلسفة و التاريخ و الأخلاق و الفنون الخ، ولكن وان عادت الثقافة الأدبية-الروحية-المقروءة إلى الواجهة و تلك لن تكون في فترة قصيرة بل بعد فترة طويلة ،إلا أنها لن تعود في صورتها القديمة و إن عادت فستكون لها صورة مختلفة عن تلك القديمة، ولو تم استعراض ما حصل خلال الأعوام العشرة الماضية في حقول مثل الشعر و الرواية و الراديو و السينما و الفن التشكيلي بكافة فروعه الرسم و النحت و الكرافيك و الفوتوغراف ،و في حقول أخرى ربما غير محسوسة ألان أو ليس هناك اهتمام يذكر في رصد التغير فيها مثل الفلسفة و اللغة بمعنى علم اللغة و التاريخ و الأخلاق و اللاهوت الخ،وربما يشمل التغير القانون و الاقتصاد و الجغرافيا ،أي كل الحقول التي لها صلة مباشرة بالثقافة الأدبية-الروحية –اللغوية -المقروءة،و إذا نظر إلى الصورة الشاملة للموقف نرى إن صراع الذي دار بين الصحافة المقروءة (جريدة أو مجلة) والصحافة المسموعة(راديو) دام هذا الصراع لعقود ولكن لم يحسم لصالح أيا منهما ،و كذا الحال في الصراع بين الراديو و التلفزيون ،أو بين العمل الدرامي المكتوب و نفس العمل كتمثيلية إذاعية أو تلفزيونية أو سينمائية ،كانت هناك صراعات بين هذه الحقول وظلت تراوح في مكانها و لم تحسم لأحدها على حساب الأخرى بشكل نهائي ،بينما الآن الحالة مختلفة فقد جاء ما يضرب هذه جميعا و تخرجهم من المعركة ،فقد أخرج الإذاعة نهائيا بمعنى و إن كان شكليا لا زالت توجد إذاعات و تبث البرامج إلا إن بقاءها خلال عشر السنوات القادمة مشكوك فيه ،وذلك لسببين،الأول إن تكنولوجيا نقل الصوت قد أندمج و يندمج بشكل متزايد في تكنولوجيا نقل الصورة بمعنى إن الإذاعة و التلفزيون ستصبحان شيئا واحدا ،و الثاني يعود لسبب الأول وهو إن مستمعي الإذاعة يندمجون بهدوء إلى مشاهدي التلفزيون ،و السبب الثالث إن كليهما مستمعي الإذاعة و مشاهدي التلفزيون و كذلك مرتادي دور السينما و صالات المسرح و رواد المكتبات و قراء الصحف الخ،كل هؤلاء سوف يذبون في عالم الانترنت ليس لهذا السبب أو ذاك كما يحاول البعض أن يفسرها ،بل هو لسبب واحد فقط و هو إن الانترنت يجمع كل المواصفات و الخصائص و الخدمات التكنولوجية و الثقافية و الاقتصادية التي كانت موجودة في كل حقل أو جهاز بمفرده، و بدليل إن أبحاثا تجري لدمج التلفزيون-الانترنت وأخرى لدمج الموبايل –الانترنت وثالثة لتصغير الحاسوب و جعله بحجم الموبايل أو أكبر بقليل،و رابعة و تشمل مئات مراكز البحث لزيادة سعات الذاكرة والمعالجات ،وخلاصة القول إن المرء لا بد أن يتردد في هذه المرحلة من تاريخ البشرية في أن يتوقع أي شيء للمستقبل لأن التغيرات تجري بسرعة مذهلة و بشكل تصاعدي ،ولكن كفكرة تقريبية يمكن القول بأنه خلال عشر السنوات القادمة محسوبا من ألان سيكون هناك جهازان عالمي (الشبكة) ليس بالضرورة في صورة الانترنت الحالي بل هذه الصورة تتغير كثيرا لأنها ستدخل فيها عشرات الخصائص و الخدمات و التسهيلات يغطي هذا الجهاز كل الكرة الأرضية و خارج الكرة الأرضية ،مثلا يتحدث المراسل في المحطة الفضائية الدولية أو على القمر الخ، بينما الجهاز الثاني سيكون فرديا بمعنيين الأول سيكون فرديا بمعنى انه مخصص للاستخدام الفردي،و الثاني بمعنى انه يفرد هذا الجهاز بالفرد فهو يجعله متصلا بكل العالم و خارج العالم الأرضي ،ولكن جسديا و اجتماعيا و نفسيا يجعل هذا الجهاز الإنسان في عزلة تامة عن العالم ،بل ربما عن نفسه فهو سيتلهي و يلهيه هذا الجهاز حتى ينسى نفسه.
هل مات النبي دانيال و سقراط و امرؤ ألقيس وكانت وتولستوي و ماركس و دافينشي و بتهوفن وآلاف غيرهم من لف لفهم من عباقرة البشرية في مختلف مجالات الثقافة البشرية،وربما نسنطيع أن نضيف إليهم بكل سهولة عباقرة العلم في زمانهم مثل كوبنكروس و نيوتن و اينشتاين الخ،غير إننا نعلم إن هؤلاء قد ماتوا منذ زمن بعيد ،ما لم يمت هو تراثهم التي تركوه للبشرية، هذا التراث الآن ربما دخل أو سيدخل مرحلة جديدة في تاريخ البشرية مختلفة عن المراحل التي سبقتها ،لأن زاوية النظر إلى هذا التراث ستختلف بعد الآن ، وقد لا يكون من السهل بمكان أن نستوعب بأن هذا التراث الضخم للبشرية قد انتهى بهذه السهولة،ولكن الحقيقة انه لم ينتهي ولكن تغير دوره، كما سبق الإشارة فيما مضى فان (عامل الممانعة الطبيعية) قد يعيد الدور لتراث الماضي بأحجام قد تكون أكبر مما كان له في الماضي نفسه،ولكن هذا يتعلق بدورة التاريخ،فالدورة السابقة و لنقل منذ بداية التاريخ المكتوب لغاية نهاية القرن العشرين الميلادي كان الدور الأكبر للتراث الأدبي-الروحي-التعبيري المقروء بينما في القرن الواحد و العشرين الميلادي و ما يليه من منظور الزمن سيكون الدور الأكبر و إن لم نقل الأوحد للتراث العلمي-المادي-العقلي-المرئي.

نهاية الصراع البقاء للأصلح:
الآن هناك ارتباك واضح في التسميات و المسميات ،و المقصود بتسميات و مسميات أدوات و أجهزة من؟ لا نستطيع أن نسميها أدوات و أجهزة الاتصالات و الحاسوب و الميديا ،فهي لم تعد أدوات و أجهزة هذه الحقول لوحدها ،بل تخدم مختلف حقول الحياة وخاصة فيما يتعلق بالحاسوب و عالمه الأوسع الانترنت،ففي مختلف اللغات فان اسم الجهاز المعروف الحاسوب (الكومبيوتر) ومعناه النصي بالانكليزية و العربية ومعظم اللغات الرئيسية الأخرى معناه الحاسبة أو الحاسوب أو أداة أو الجهاز أو الماكنة التي تقوم أو تؤدي مهمة الحساب أو الحسابات،ولكن الحاسوب أو الكومبيوتر الآن تؤدي معظم الوظائف في مختلف حقول الحياة و لا تمثل مهمة الحساب أو الحسابات إلا جزء بسيط جدا من مهماتها،فعلى صعيد التسميات و المسميات يتم تداول التسميات مثل موقع الكتروني للجريدة، و تلفزيون الانترنت، و راديو الستلايت، و انترنت الموبايل، وحاسوب المحمول، و الاتصال الهاتفي عن طريق الحاسوب،و تلفزيون الموبايل أو الجوال، وفي الانترنت مثلا حلت بعض المواقع محل السينما و المسرح في بث الأغاني و الأفلام،وكل هذه و التطورات العلمية-التقنية المتلاحقة على مدار الساعة تقرب و تدمج عشرات الأجهزة في جهاز واحد ،إلى الآن لا زالت هذه الفكرة لم تتحقق ،ولكن تحقيقها بات شبه مؤكد و بسرعة أكبر بكثير حتى من توقعات المتفائلين ناهيك عن توقعات المتشائمين، و بالعود إلى التسميات فكل طرف سيقول أنا الأصل ،فالمتوقع إن الجهاز الموعود سيجمع و يوحد و يدمج مواصفات وخصائص وظائف كل الأجهزة التي ستندمج و تذوب فيه ،بل ربما و هذا أيضا شبه مؤكد بأنه سيمتلك مواصفات و يتميز بخصائص و سيقوم بوظائف جديدة لا تتوفر في الأجهزة الحالية و ليست على البال حاليا كما حدثت لمهمات الحاسبة فهي تعدت الحسابات منذ زمن بعيد جدا ، ليس من الممكن الآن أن نستطيع أن نحدد مواصفات وخصائص و وظائف الجهاز الموعود لأنه ألان في طور التشكل و هناك ألاف من الشركات و المؤسسات و مراكز الأبحاث منهمكة في صنع هذا الجهاز ،ليس بصورة مباشرة طبعا ،بمعنى إن هذه الجهات وغيرها ليست منهمكة بصورة محددة في صنع هذا الجهاز الموعود ،ولكن عملها ستؤدي حتما إلى صنع هذا الجهاز بالاستقراء لما حدث سابقا و يحدث ألان من أندماج الأجهزة المختلفة بعضها ببعض ،فالراديو القديم الضخم صغر و صار راديو ترانزستور ثم جاء التلفزيون الصمامات الضخمة بشاشتها و مكوناتها وقلصت تدريجيا حتى وصلت حجم الموبايل و تداخلت الموبايل و الحاسبة و التلفزيون و البث عن طريق الأقمار الصناعية الخ ، وصغر الحاسوب حتى بدأ يقترب من حجم الموبايل ،إذا كان البث الصوتي بالأقمار الصناعية يصل إلى الموبايل و التلفزيون و الحاسبة عن طريق الانترنت ،فالراديو ألغي عمليا، و إذا كان البث الصوري بنفس الطريقة يصل الحاسبة و الموبايل ،فالتلفزيون ألغي عمليا ،و إذا كانت الاتصالات صوت وصورة و بنفس الطرق تصل الحاسوب و الموبايل ،و الحاسوب صغر حتى اقترب من حجم الموبايل أيضا و اندمجا في البعض و صارا جهازا واحدا ،و ماذا أن يمكن إن نسمي الجهاز الجديد ،و كما سبق الإشارة فانه شبه حتمي بأن هذا الجهاز الموعود سوف لن يختصر مهماته بمهمات الأجهزة التي ورثته بل يكون له ويستحدث له عشرات المهمات الجديدة بعضها ليس على البال الآن مطلقا،و مثال قريب لهذه المهمات أن يقوم مثلا بتحديد مكان الفرد عن طريق تبادل الإشارات مع الأقمار الصناعية وهذه المهمة متوفرة ألان على نطاق ضيق ، ولتقريب المثال فأن مهمات الحاسوب بدأت بالحسابات العادية و انتهت أو بالأحرى لم تنتهي عند مهمة أجراء عمليات جراحية كبرى عبر القارات بدائرة تلفزيونية مغلقة عبر الانترنت،بينما مهمة الانترنت بدأت بتسهيل الاتصال بين أفراد مؤسسة الواحدة أو فروعها لم تنتهي إلا وسهلت الاتصال بين كل أفراد العالم في مختلف قارته بل امتدت للفضاء خارج الكرة الأرضية.وهل الجوال الآن مختصرة مهماتها بالاتصالات،وهناك أبحاث لجعل مشاهدي الستلايت يتصلوا عن طريق الستلايت نفسه بمحطة البث،وهكذا دواليك كل أجهزة و أدوات الاتصالات و الحاسوب و الميديا اختلطت يبعضها في الشكل و المضمون فهي في طريقها للاندماج في جهاز واحد لاشك في ذلك.
و قد سبقت الإشارة بأن الإنسان خلال المنظور من الوقت و هذا المنظور ليس بعيدا كما يبدو بل ربما نحن نعيش بعض فصوله ألان ،سيكون مع آلته متصلا بالصوت المجسم والصورة ثنائية أو ثلاثية الأبعاد مع كل العالم و خارج عالمنا ،ولكن في نفس الوقت معزولا عن العالم كحقيقة مادية و تواصل أنساني مباشر،و لا يحتاج الأمر إلى الكثير من البرهان و الأدلة العقلية، ولو تأملنا الأرقام التي تتحدث عن الساعات الطويلة و المتواصلة التي يقضيها الأفراد مع الحاسوب و الانترنت و ،و كذلك الساعات التي يقضيها الأفراد و العائلات أمام شاشة التلفزيون و منظر هؤلاء الذين يقلبون الجوال بأيديهم لساعات طويلة من أوقاتهم أو أولئك الذين لا تفارق سماعات أجهزة استماع الأغاني لأذانهم ، أو الأخبار و التقارير التي تتحدث عن أدارة أعمال و مصالح و شركات من داخل غرف النوم أو المعيشة دون أن يغادر العامل أو الموظف أو الرجل الأعمال لمنزله، ندرك و نتيقن ببساطة بأن الجهاز الموعود و الذي سوف يملك كل مواصفات و خصائص و خدمات هذه الأدوات و الأجهزة المتوفرة الآن و ستدخل فيها مواصفات و خصائص وخدمات أخرى غير موجودة في الأجهزة الحالية ،هذه الأداة أو هذا الجهاز الموعود سوف يغير صورة التي نعرفها لعالمنا إلى صورة أخرى يصعب تصور كل أبعادها الآن، و كذلك ستتغير الحالة النفسية-الاجتماعية-الاقتصادية-الثقافية للإنسان إلى حالة أخرى ربما لن تكون مألوفة لدينا في الوقت الحالي.
الآلة أو الجهاز الخيالي الموعود:
ربما لا تحتاج مسالة أندماج و ذوبان أدوات و أجهزة الحاسوب و الاتصالات و الميديا في بعضها البعض إلى كثير من الشرح و التفصيل،لأن الأخبار و التقارير اليومية تتحدث عن ذلك تباعا،ولكن ما هو الملفت للنظر في هذه التطورات العلمية و التكنولوجية وهي بالحصيلة هي أيضا تطورات اقتصادية و ثقافية وسياسية أيضا،فأن دور هذه الأدوات و الأجهزة لم يعد تلك الأدوار التقليدية التي كانت تقوم بها هذه الأجهزة بتقنياتها في الستينات القرن الماضي مثلا بل وحتى في الثمانينات ،الموبايل مثلا وهو الوريث الشرعي للهاتف أو التلفون لم يعد دوره مختصرا على التهاتف أو المخابرة أو الاتصال فهو على سبيل المثال لا الحصر يقوم بالتصوير و كحاسوب مصغر و مفكرة جيب و قد بوشر استعماله لالتقاط البث الإذاعي و التلفزيوني والانترنت وعشرات المهمات الأخرى تضاف إليه يشكل مستمر ، وكذا الحال بالنسبة للتلفزيون ،فمئات ألاف أو حتى الملايين من الناس يتصلون عبر الهاتف أو الانترنت بمحطة التلفزيون المعنية لإبداء الآراء و وجهات النظر حول مختلف البرامج التي تعرض ،و من حيث الجوهر فأن البرامج نفسها قد تغيرت كثيرا ولم تعد برامج ترفيهية فقط ،بل هناك عشرات البرامج تخص مختلف حقول مثل التعليم و المهن و البيئة الخ،و بالعود إلى الحاسوب لأنه لم يعد حاسوبا فقط كما سبق القول،بل صار شيئا مختلفا تماما عن النقطة التي بدأ بها،و بدون مبالغة يمكن القول بأنه في القريب سيكون في المتناول الآلة الخيالية التي كانت تحلم بها القصص و الروايات العلمية الخيالية ،تلك الآلة التي تقوم بكل شيء و ربما تستطيع التغلب على الإنسان كما تصورتها قصص و روايات الخيال العلمي أو حاول في القرون الماضية بعض المغامرين في صنعها فوصفوا أو صنفوا في حينه بأنهم مجانين ،إن أندماج و ذوبان أدوات و أجهزة الحاسوب و الاتصالات و الميديا ،بات أمرا شبه محقق بل محقق بالفعل في خطواتها الأولى و يسير بسرعة كبيرة نحو التحقق،و السؤال ماذا يمكن يسمى الجهاز الجديد ؟، و السؤال الذي يجب أن يسأل قبل ذلك :ما هي مواصفات و خصائص و وظائف هذا الجهاز العتيد وفق تصوراتنا الحالية مع إدخال بعض التصورات المستقبلية في الحسبان وان صعب ذلك؟
عند استعراض بعضا من مواصفات وخصائص و وظائف الآلة أو الجهاز الخيالي الموعود ،هذا الاستعراض بحد ذاته سيكون دليلا أو مبرهنة لا تقبل الشك بأن هذه الآلة قادمة لاشك و ما علينا إلا التهيؤ لاستقبالها استقبال أللائق،و سيكون الاستعراض بالنقاط للبرهنة بأن هذه النقاط و المتمثلة ببعض من مواصفات و خصائص و وظائف الأدوات و الأجهزة الحالية والتي ستلتقي جميعا في الآلة أو الجهاز الموعود:
المواصفات:
1-وزن الآلة بين 100-600 غم .
2- المساحة السطحية بين50-200 سم مربع أو أكثر بقليل حسب رغبة وحاجة المستهلك الفرد.
3-الذاكرة(RAM) ليس في المستطاع الآن التنبؤ بها ولكن من المؤكد ستكون بقوة عشرات أضعاف إن لم نقل مئات أو ألاف أضعاف قوة الذاكرات الحالية و الدليل إن قوة الذاكرات تتضاعف كل بضعة أشهر.
4-ونفس الأقوال تنطبق على المعالجات(Processors) و سعات الخزن(Hard ).
5-أما بالنسبة للشاشة أو وسائل العرض فالأرجح أنها تتحول من شكل دفتري إلى شكل ورقي بمعني إن الشاشة الموعودة و خاصة بعد استعمال الشاشات السائلة في تطوراتها السريعة تتحول على شكل ورقي يمكن لفها ما يسهل حملها و استعمالها بمعنى أخر بأن الجهاز الموعود ربما هو يحجم الموبايل أو اكبر بقليل يعرض ما يرد من سيبريا على شاشة بمساحة100 متر مربع في أحدى شوارع لباز أو دار السلام .
6- قضية التخلص من معظم الأسلاك و التوصيلات أصبحت شبه محسومة الآن و ستزداد قوة في المستقبل مع التطور السريع لعلم المواد و نقل الإشارات، بمعنى على سبيل المثال الشاشة أعلاها لا توصل بالجهاز الموعود بالسلك و التوصيلات بل سيكون الاتصال بينهما لا سلكيا،و هكذا لباقي الأجزاء مثل الكاميرا و السماعات و الطابعة الخ ،و بالطبع للأجزاء الداخلية للجهاز سيكون الربط الأجزاء عن طريق الدوائر المطبوعة-المكبوسة كما هو حاليا و لكن قد يضاف إليها على نطاق واسع الربط لا سلكي لأجزاء الداخلية للجهاز.
7-سيتم طمر لوحة المفاتيح في الشاشة بمعنى سيكون هناك مفتاح واحد(ok) يحيط بها أربع مفاتيح(أسهم) للاتجاهات الأربعة(أعلى،أسفل،يسار،يمين) بنقر (ok) تظهر لوحة المفاتيح على الشاشة نفسها و باستعمال الأسهم-ok ينقر على المفتاح المطلوب.
8-مع التوسعات الهائلة في الذاكرات وسعات التخزين يتم الاستغناء كليا عن الأقراص(CD) و(DVD) و غيرهما الخارجية الاستعمال وما ينتج عنها من أحجام و أوزان مشغلات هذه الأقراص،و عامل أخر يساعد في التخلص من الأقراص وهو إن كل جهاز سيكون متصلا بالانترنت(الشبكة) فسيكون نقل المعلومات مباشرا لا تحتاج توسط الأقراص كبيئة للنقل.
9-أما بالنسبة للفأرة(mouse) فأنها ستختفي بعدة طرق أولها ربما ستكون على شكل بقعة صغيرة حساسة لا تتعدى مساحتها 5سم مربع على سطح الجهاز الموعود نفسه تحت مفتاح لوحة المفاتيح(ok) يتم تحريك المؤشر على الشاشة عبر تمرير الإبهام على هذه البقعة،و بطريقة ثانية بإدماج كثير من مهام الفأرة في لوحة المفاتيح المطورة في الشاشة أصلا ،وبطريقة ثالثة عن طريق إصدار الأيعازات للجهاز عن طريق الصوت،و ليس خافيا ما طرأ من تطورات مذهلة في السنوات القليلة الماضية في تطوير البرامج الخاصة الأيعازات الصوتية للأجهزة القائمة حاليا وما يتوقع من تطورات بوتيرة أسرع في المستقبل القريب و خاصة مع التوسعات الهائلة في الذاكرات و المعالجات و سعات التخزين. و بطريقة رابعة عن طريق التفاعل البيولوجي بين الجهاز و المستخدم فيتلقى الجهاز الأوامر و الأيعازات و الطلبات من الجهاز العصبي -الحسي للمستخدم بصورة مباشرة.
10-أما بالنسبة لأستفبال الإشارات وكما يدل الاستقراء لما حدث من تطوير في هذا الشأن في العقدين الماضيين ،فسيتم الاستغناء كليا عن الأسلاك و صحون الاستقبال و الأعمدة و خاصة لدى الأفراد أصحاب الجهاز ،و يقتصر الصحون وأعمدة و أسلاك الاستقبال على محطات الاستقبال المحلية ، وهذه المحطات نفسها تقل عددها إلى الحد الأدنى مع تحسن هائل في أداء وظيفتي استقبال و إرسال الإشارات.
11-ولو قارننا الآن أي حاسوب عادي لدى الأفراد بما تملك من قدرات في الذاكرة و المعالج و سعة التخزين من ناحية الأسعار فأن هذه الحاسبة لا تتعدى مع ملحقاتها مثل الشاشة و الفأرة ومكبرات الصوت الخ،في مختلف دول العالم بسعر لا يتعدى 300- 1200دولار أمريكي و إذا قورن هذا السعر بسعر حاسبة من نفس القدرات ولكن في أوائل السبعينات في القرن الماضي الإ إن تلك الحاسبة كانت سعرها تقييم بمئات و ربما ملايين الدولارات ، ربما و بل شبه المؤكد بأنه لو قورن أسعار الحاسبات وباقي الأجهزة المقترنة بقدرتها الحالية بما سيكون عليه سعر الجهاز الموعود مقارنة بقدرتها سنستنتج بأن هذا الجهاز سيكون في متناول الجميع كل فرد في الدنيا سيملك واحدا أو أكثر منه.
12- وستطرأ تطورات جديدة و مدهشة في نقل الصوت ،وكذلك في نقل الصورة و خاصة صور ثلاثية الأبعاد، و أيضا قدرات نقل و عرض الوثائق ،و كل ذلك عن طريق التقدم المستمر الجاري في زيادة قدرات منافذ الإدخال و الإخراج للذاكرات و المعالجات و الأقراص الصلبة.
الخصائص والوظائف:
1- مع التفاعل المتزايد بين العلوم البيولوجية والهندسة البيولوجية والهندسة البيولوجية-الكترونية و الهندسة البيولوجية-التقنية والهندسة الوراثية و الهندسة نانو تكنولوجية مع العلوم الكترونية و التطور الهائل الذي تشهدها علم المعادن و أشباه الواصلات و علم المواد و المواد المصنعة، فأن تكنولوجيا الجهاز الموعود سيكون من خصائصه التفاعل المباشر مع الإنسان و سيتعرف على مالكه أو مستخدمه عن طريق الصوت و اللمس أو الصور التي يلتقطها لمستخدمه و العناصر الكيمائية-الحيوية للمستخدم مثل رائحته و العناصر التي يمكن الاستدلال به عن طريق مثلا العامل الوراثي الذي يمكن التعرف بواسطته على هوية الفرد وذلك بالتقاط العامل الوراثي من الشعر و الخلايا الطلائية التي تسقط من الجسم باستمرار، كذلك سيكون على تماس مباشر مع المؤشرات الحيوية للمستخدم مثل درجة الحرارة والضغط و نبضات القلب و الدماغ و رائحة الفم و حالة التنفس و حتى لدرجة التقاط سعال المستخدم عن طريق خصائص الصوت وفي حلقات المتقدمة لهذه الأبحاث سيكون الجهاز على اتصال مباشر مع دماغ المستخدم يستلم منه الأيعازات العصبية –النفسية و حتى الأوامر مباشرة ،و أيضا عن طريق دراسة مجموع هذه المؤشرات تحديد الحالة النفسية-العصبية للمستخدم إضافة إلى حالته البيولوجية.
2- يتيح هذا الجهاز المجال لاستخدامه في كل حقول الحياة من الأعمال و المهن و الاختصاصات أكثر بكثير مما متوفر في الأجهزة الحالية بحيث يكون متلازم كليا لأداء الأفراد و الجماعات في مختلف حقول الحياة.
3- سيكون في هذا الجهاز عدد كبير من ثقب في اتجاهات الأربعة لالتقاط الصور بشكل دائمي تقريبا ،بمعنى انه سيكون في الجهاز برنامج يتيح للمستخدم استعمال هذه فتحات التصوير بالكيفية التي يشاء ،مثلا هو يشاهد مباراة لكرة القدم فجهاز الويندفايس أمام وجهه أو مقابله على المنضدة فسيقوم الجهاز بالتقاط شريط للمستخدم نفسه أثناء مشاهدته المباراة ،بل وفي نفس الوقت قد يلتقط شريط أخر من ثقب خلف الجهاز لوالدة أو زوجة المستخدم وهي منهمكة في الخياطة ،فالجهاز نظرا لسعاتها التذكرية و العلاجية و الخز نية و النقلية الكبيرة واتصاله الدائم بالشبكة ،يستطيع الجهاز التقاط الصور الفوتوغرافية و أشرطة الفيديو و السينمائية و أفلام و الصور ثلاثية الأبعاد في عدد من مداخل و من جميع الاتجاهات و خزنها لأوقات معينة أذا لم يرغب فيها المستهلك سيتم مسحها تلقائيا أو يستطيع المستهلك أن يوقف عمل هذا البرنامج أو أجزاء منه.
4- و نفس الأقوال تنطبق على مداخل الصوت حيث سيكون للجهاز مداخل الصوت في جميع الاتجاهات و تلتقط الأصوات و تخزنها في الخلفية ،فمثلا مستخدم الجهاز يمر بسوق مزدحم و بدون أن يستخدم الجهاز يقوم الجهاز بالتقاط أصوات الصادرة من السوق و يخزنها في الخلفية ،فإذا أراد المستخدم أستخدمها فله ذلك،و إلا سيقوم الجهاز بمسحها بعد مدة معينة لفسح المجال لتسجيل جديد ،و بالطبع للمستخدم خيارات و إعدادات التشغيل و الإيقاف مثل هذه البرامج.
5- و بسبب الخصائص البيولوجية والطبية للجهاز سيكون بمثابة مستشفى طب ميداني للمستخدم وذلك بعدة طرق أولا سيحفظ في الجهاز كامل السجل الطبي للمستخدم بكل تفاصيله بما في ذلك التاريخ الصحي للمستخدم ،الرقوق الإشعاعية و أفلام و أشرطة تخطيط القلب و الدماغ وتقارير وصور السونار و الرنين المغناطيس و التحليلات المرضية،الخ،و ثانيا الجهاز سيكون على مدار الساعة بتماس مباشر على مؤشرات الحيوية للمستخدم مثل النبض و حالة التنفس و الحرارة و الموجات الدماغية و القلبية و الخ،و ثالثا سيكون الجهاز في داخله برامج طبية تشتغل في حالة تغير المؤشرات الحيوية للمستخدم ،و الأمر يجري كما يلي على سبيل المثال الجهاز مثلا يرصد حالة ارتفاع لضغط المستخدم غير مألوف لسجله الصحي فينبه المستخدم إلى ذلك و يقترح علية عرض الموضوع على البرنامج المختص الموجود في الجهاز نفسه وهذا البرنامج سيكون بشكل حوار مباشر بالصوت و ربما بالصورة و التقارير بين المستخدم المريض و برنامج الطبي في الجهاز إذا عجز أو لم يقدم إسعاف فوري مفيد سيتصل البرنامج ببرامج أكثر توسعا و دقة على الشبكة و ربما هذا البرنامج على الشبكة يتصل بجهات أخرى مثل المستشفيات و المراكز المتخصصة.
6- سيكون الجهاز ناطقا كاملا و بنفس لغة أو اللغات التي يفضلها المستخدم ، بحيث يتحول إلى صديق أو صديقة للمستخدم أو المستخدمة أو قد يكون العكس صديقة للمستخدم وصديق للمستخدمة ،و الأرجح سيكون له الشخصية المعنوية بمعنى كل شخص يسمي جهازه باسم كما يسمي أبنه أو كلبه،و تنشأ صداقة و تبادل الأحاديث بين الجهاز و المستخدم وذلك بالطرق التالية،أولا الجهاز سيكون على اطلاع على حالة المستخدم بقياس مؤشراته الحيوية و التقاط صوره و مقارنة كل ذلك في البرامج المختصة لدرجة أن يتبادر الجهاز و يسأل المستخدم لماذا اليوم أنت عصبي المزاج أو ما الذي أحزنك، فيبادر المستخدم بالجواب و يتم تبادل الحديث فمثلا أذا قال المستخدم بأنه مريض فسوف يتصرف الجهاز بقياس مؤشراته الحيوية و أمر المستخدم بوضع الجهاز على صدره أو رأسه الخ ،ليتم فحص المريض كما يفعل الطبيب ،و تشغيل برامج الطبية الموجودة في الجهاز أو الاتصال بالبرامج المماثلة والأوسع نطاقا على الشبكة،أما إذا قال المستخدم بأنه يفكر بكذا مشكلة صديقه،فالأمر يتحول إلى دردشة عادية بين الجهاز و المستخدم لمحاولة سبر غور مشكلة صديق المستخدم ،أما إذا أجاب المستخدم بأنه يواجه مشكلة أدارية أو تقنية أو مالية الخ،في نطاق عمله أو اختصاصه أو مهنته ،فسيتم تبادل دردشة مع الجهاز و يتصل الجهاز ببرامج المختصة في الجهاز نفسه أو على الشبكة للوصول إلى الحل المقبول لدى المستخدم .
7- في جهاز لن يكون هناك عمليات نصب و تشغيل النظام من قبل المستخدم ،بل هناك مراكز متخصصة على الشبكة تقوم بذلك ،بالنسبة للأجهزة الجديدة أو تلك التي أصيبت نظام تشغيله خلل ما ،و يتم ذلك بوجود نظام أساسي للاتصال لا تتأثر بنظام التشغيل،يقوم هذا النظام بالاتصال بالمراكز المتخصصة في نصب و تشغيل برامج الأساسية للتشغيل ،و في بداية تنصب و تشغل البرنامج الأساسي في الواجهة و مباشرة و لكن في وقت قصير قد يكون في دقائق فيتم تشغيل جهاز الجديد أو يعاد تشغيل الجهاز المتوقف،أما البرامج الملحقة و بالعدد الذي يرغبه المستخدم و في حالة هذا جهاز قد تكون البرامج الملحقة بالمئات فسيتم تحميلها في الخلفية دون أن يشعر بها المستخدم أو يعرقل استخدامه للجهاز.
8- سيتم الوصول إلى نتائج الأبحاث المستمرة منذ سنوات عديدة و ذلك بجعل الشبكة نفسها على نطاق العالم عبارة عن حاسوب عملاق في قدراتها التذكرية و العلاجية و الخزينة و النقلية و كل الأجهزة المتصلة بالشبكة تعتبر تفرعات جانبية للشبكة ،و في هذه الحالة سترتفع قدرات التذكرية و العلاجية و الخز نية و النقلية لأجهزة الشخصية إلى قدرات مئات ألاف أو ربما ملايين أو مليارات المرة أقوى من قدرتها الاسمية المسجلة في مواصفات الجهاز.
9- و سيستخدم الجهاز كعصي سحرية للفرد المستخدم،و بما أن الجهاز سيكون قادرا على التفاعل الحيوي مع البيئة و له قدرات غير محدودة في التقاط الصوت و الصورة و برامج متفوقة في المعالجة فسيرافق الفرد في أداء أعماله وهذه الأعمال لا يمكن حصرها ولكن على سبيل المثال ،فتح الأبواب،تشغيل كل ما هو موجود من الأجهزة و المعدات في بيئة البيت والعمل،دليل جغرافي للفرد في التنقل،بمعنى باتصاله بالبرامج المختصة على الشبكة يعطي صورة تفصيلية بالشرح و الخرائط و الصور أين يقف الفرد في أي مكان كان على الكرة الأرضية وفي أي وقت كان.
10- أما بالنسبة للتعامل المكتبي مع جهاز فان الحاجة سوف تنتفي شبه كليا إلى استعمال الورق أولا لوجود السعات الخزنية الكبيرة في التعامل مع المعلومات و وجود أكثر من مرجع يحتفظ بنفس الوثائق و ثانيا لوجود سرعة في الاتصال يحول بين استعمال الورق كبيئة لنقل المعلومات و ثالثا للتحسن الكبير الذي سوف يطرأ على الإجراءات الأمنية الخاصة بنقل المعلومات و رابعا لأن هذا الجهاز سوف يتوفر لدى الجميع .
11- وما يساعد على توفر هذا الجهاز لدى كل الأفراد هو انه سيحل مكان عشرات الأجهزة و الأدوات المستعملة في الوقت الحالي هذه أولا و ثانيا سوف يتحول وجود هذا الجهاز إلى أحدى متطلبات الحياة و العمل فلا يمكن لأي شخص أن يكون في غنى عنه.
12- سيكون الجهاز المترجم الفوري الناطق و المستمع وفي كل أو معظم اللغات و اللهجات،و ذلك بفضل خصائصه الصوتية حيث يلتقط الأصوات و لو كانت ضعيفة أو خافتة في مساحة دائرة قطرها عشرة أمتار أو أكثر و يحولها مباشرة إلى اللغة المطلوبة و باللهجة المفضلة للمستخدم مع استعمال الشروح و التوضيحات التي تظهر فوق الشاشة لتوضيح المصطلحات و الكلمات و العبارات المحلية الخ،إضافة إلى عمله التقليدي كمترجم مكتبي للوثائق و الكتب و المصادر و صفحات الشبكة الخ.
13- وكذلك بسبب خصائص الصوت و الصورة في الجهاز و لأنه سيسجل باستمرار في الخلفية حالة البيولوجية للمستخدم و أصواته و صوره ،فسيعبر الجهاز بمثابة (الصندوق الأسود) للمستخدم،فيعتبر مرجعا للرجوع إليه في حالة وفاة المفاجئ للمستخدم أو تعرضه لحادث أو إذا كان المستخدم نفسه يرغب أن يعيد وقائع أيام أو الساعات الماضية مثلا، نفس الخصائص قد تستعمل في الشؤون العملية كالمؤتمرات و ما يدور في قاعة المحاضرات في الجامعة مثلا و أيضا في تحقيقات الجنائية .
أسم السري للجهاز:
و يبقى السؤال ما هو الاسم الممكن لهذا الجهاز ،هل هو الراديو طبعا لا،هل هو التلفزيون طبعا لا،هل هو الحاسوب طبعا لا ،هل هو الموبايل أو الهاتف أيضا لا، طبعا الجهاز مزيج من هذه كلها و ليس واحدا منها على وجه الاستقلال أو الأرجحية، إذا لابد للجهاز الجديد من أسم ،و منذ قرون عديدة و بعضها تعود لحضارات قديمة مثل البابلية و المصرية و الصينية و الإسلامية الخ، كذلك للحضارة الحديثة في وجهها الأوربي و الأمريكي و الياباني الخ،فمنذ القرون تلك هناك أسم تداول كثيرا لآلة يخترعها الإنسان تؤدي كل ما يمكن تخيلها من الأعمال و الواجبات و الأفعال و الردود الخ ،وتصبح هذه الآلة متفوقة على الإنسان وقد قيل بأنها بالفعل الإنسان الآلي(robot)،ولكن أسم الإنسان الآلي أسم على مسمى مطابق له ،ثم إن الإنسان الآلي لو مهما تطور و كثر و أستعمل الإ انه خلال هذا القرن على الأقل لن يصبح في متناول الجماهير العريضة بملياراتها على الكوكب الأزرق لأنها وسيلة صناعية و إنتاجية أكثر مما هو وسيلة شخصية،بينما الآلة الموعودة خليفة الأجهزة القائمة ستكون شخصية و عامة ترفيهية و إنتاجية الخ،و بالعود إلى أسماء الآلات التي وردت في قصص و الروايات الخيال الإنسان العلمي و غير العلمي فقد سميت تلك آلات بأسماء(الآلة العجيبة)،(الآلة المدهشة)،(الجهاز العجيب)،( الجهاز الغريب ) و(الآلة الرائعة) و (الأداة المدهشة) (الجهاز المثير) و الخ، من مئات الأسماء التي تداولنها القصص و الروايات و الألسن أيضا عبر الخيال الشعبي و معظم هذه الأسماء على الأقل في اللغتين الانكليزية و العربية يتكون الاسم من كلمتين تكررت غالبا وهما الأداة أو الآلة أو الجهاز (device) وكلمة عجيب و مدهش و (wonderful) وبتركيب المقطع الأول بحروفه الأربعة للكلمة الأولى(wond) مع المقطع الثاني بحروفها الأربعة من كلمة (device) نحصل على ألاسم المدهش للآلة العجيبة (The Wonderful Device) أو الآلة العجيبة أو الجهاز المدهش و اختصاره (wondvice).
البحث عن الكاتب العظيم:
على القارئ إلا يصدق ما ورد أعلاه لأنها أكذوبة أخرى من نماذج الخيال العلمي ،وردت ليثبت بها الكاتب بأن من الممكن كتابة شيء جديد في عصر الانترنت هذا العصر الذي أنهى دور الكتاب العظام أمثال(...) لا داعي لضرب الأمثلة لأن معظم متصفحي الانترنت أو ويندفايس الجديد سوف لا يعرفون و لن يعرفوا كتاب العظام فهم من ذوي (الثقافة السريعة) يقلبون مئات الصفحات في بضع دقائق و لا يقرؤون إلا بضعة أسطر،قد يقلبون ألاف الصفحات بملايين الكلمات إذا توفر لهم جهاز الويندفايس المزعوم،وعلى كل حال الكاتب حر ما زال يطرح مشروعا أو مشاريع للخيال العلمي، و كان في الأدب السابق (الشعر و القصة و الرواية) كلما كانت الفكرة موغلة في الخيال أكثر فهي ستكون رائعة أكثر،و بذلك قد يكون كل كاتب حرا فيما يكتب بعد اليوم و ليتوغل في الخيال إلى أقصى حدوده لعله يستطيع أن يتجاوز الواقع الخيالي الذي فرضه العلم على العصر، ولو إن كلمة أو أسم الكاتب ليس دقيقا في هذا المقام،فلو تابع المرء الآن المدونات في مختلف اللغات و الثقافات سيجد إن عدد الكتاب صار بالملايين بينما كان عددهم في مطلع كتابة تاريخ البشرية كان بالعشرات أو أقل و ربما قد يتحول عددهم إلى المليارات مع وجود جهاز الويندفايس الموعود،فالجميع سيتحولون إلى الكتاب ،يجب البحث لإيجاد القراء!
استمرار التقدم في زمن السلم:
ربما منذ قرون سادت نظرة أو حتى نظرية تقول بأن الحروب من أكبر الحوافز أو الأسباب للتقدم العلمي و التكنولوجي،و نفس الشيء قيل عن التقدم الاقتصادي ،وهناك قرائن و أدلة و شواهد من التاريخ تعزز هذه النظرة أو النظرية،وكان الاستشهاد بذلك من قبل المعاصرين بالحربين العالميتين الأولى و الثانية و خاصة الحرب العالمية الثانية، حيث شهدت البشرية مقترنا بزمن أكبر حرب في تأريخها مع أكبر تقدم علمي واقتصادي، وفيما بعد عندما اتخذت الحرب الباردة مسارها خلال العقود الأربعة الخمسينات و الستينات السبعينات و الثمانينات في القرن العشرين وهي كانت حرب حقيقية بكل معانيها و تفاصيلها و نتائجها، كان في حينه ينظر إليها على إنها أكبر حافز للتقدم العلمي ،و قصص المنافسة العلمية و التكنولوجية الشرسة بين كتلتي الحرب الباردة المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية و المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق قصص معروفة على كل الأصعدة العلمية و المرتبطة في معظمها بالجانب العسكري،ولكن ربما الآن النظرات أو النظريات قد اختلفتا ،لأن الحوافز قد تغيرت و الأرجح الآن و في المستقبل المنظور ستكون الحوافز اقتصادية و قومية ،و الحافز القومي ليس شيئا مستقلا عن الحافز الاقتصادي فهو في النهاية لرفع العزة القومية عن طريق النهوض الاقتصادي و العلمي كما يحدث الآن في عدد من الدول مثل الصين و الهند و البرازيل الخ،
أبداع الفرد و دور المؤسسة:
وكما سبق الإشارة ففي القرون الثلاثة الماضية و وربما قبلها أيضا عبر تاريخ البشرية كانت القصص و الروايات الخيال العلمي هي مشاريع علمية بعضها مفرطة في الخيال ولكن معظمها تحمل في داخلها بذرة المشروع الحقيقي ،إضافة إلى القصص الحقيقية لأصحاب المشاريع العلمية بنوعيها الأول مشاريع قريبة من الخيال العلمي في زمانه بدأ أصحابه ينفذونها بالفعل بأيديهم،و النوع الثاني مشاريع قريبة إلى الخيال العلمي يقترحها أصحابها بطرق مختلفة أما عبر الكتب أو في الصحافة أو عبر المراجع الإدارية و الحكومية و العسكرية وقد يدخل مشروعي استكشاف القارة الأمريكية و حفر قناة السويس من هذا الباب،ولكن العلم منذ ثلاثينات القرن الماضي قد أتخذ مسار العمل المؤسساتي و الجماعي ولم يعد عملا فرديا أو مغامرة شخصية ،ولكن هنا يجب التأكيد على نقطة أساسية وهي إن الإبداع العلمي عمل فردي وليس جماعي ولكن المشروع العلمي هو عمل جماعي لاشك في ذلك ،و بتطور العلم فان مسألة المشاريع العلمية اتخذت مسار مؤسساتي ولكن دور الفرد لم يختفي بل لا زال هو المحور الذي يرتكز عليه المشروع العلمي،خلال ما يقارب فترة القرن الذي مضى كان هناك عشرات بل مئات و ألاف من الأمثلة على مشاريع علمية حقيقية وضعت من نقطة الصفر،وهذه المشاريع كانت عندما وضعت كمخطط أقرب إلى مشاريع الخيال العلمي منه إلى الواقع و كأمثلة أكثرية مشاريع غزو الفضاء و مشاريع الطاقة النووية و مشاريع الأنفاق و الجسور و السدود العملاقة و مشاريع الحاسوب و الطائرات الأسرع من الصوت الخ،أذا ما سيعرف بمشاريع الخيال العلمي هي موجودة بالفعل في الماضي و الحاضر بصيغها الثلاثة التي ذكرت وهي الأولى المشاريع الخيالية العلمية الواردة في بطون القصص و الروايات الخيال العلمي ومصادر أخرى ،و الصيغة الثانية هي المشاريع العلمية التي يبدأ أصحابها بتنفيذها ولكن تنتهي إلى الفشل لأسباب مختلفة بعضها لأنها تسبق زمانها في الإمكانات و الوسائل أو تفتقر إلى الأسس العلمية الصحيحة أو لمجرد سوء حظ أصحابها،و الصيغة الثالثة للمشاريع الخيال العلمي هي صيغة المشاريع الحقيقية التي يضعها أصحابها لكي تنفذ في المستقبل القريب و هي تمتد لبضع سنوات إلى عشراتها و غالبا ما تكون هذه المشاريع لمؤسسات و حكومات أو لأفراد مختصين على مستوى عالي من التخصص كلا حسب حقله،أما صيغة التي تعالج في هذه السطور لمشاريع الخيال العلمي فهي صيغة مختلفة،ولكن كما تبين فإنها لم تأتي من الفراغ .
كما هو واضح و معروف فان صيغ الإبداع الإنساني المستند إلى الخيال تعاني من أزمة حقيقية في صورها المختلفة منها الشعر و النثر بصيغها المختلفة كالأقصوصة و القصة القصيرة و الرواية و المقالة و صور أخرى للقص مثل القصة البوليسية وقصص و روايات الخيال العلمي الخ ،هذه على صعيد الإبداع التعبيري ،و نفس الشيء يمكن أن يقال على صعيد الإبداع الفني فهناك أزمة في كافة الفنون مثل الفن السينمائي و التلفزيوني و التشكيلي بكل فروعه و التصوير و المسرح و الفن المستند على خاصية الصوت مثل التمثيلية الإذاعية، و هذه الفنون ألحقت بها الدمار لأن أدوارها تغيرت بوجود و انتشار الوسائل السمعية-البصرية وقصص تهجير السينما و المسرح معروفة و بات الدور الآن للإذاعة و التلفزيون على حساب الانترنت لأنها تجمع كل مواصفات و خصائص و خدمات الأدوات و الأجهزة المتوفرة حاليا ،و تلك المواصفات و الخصائص و الخدمات التي لم تتوفر بعد السعي مستمر لتوفيرها،بل ستضاف و بشكل يومي مواصفات و خصائص و خدمات جديدة ليست متوفرة في كل الأدوات و الأجهزة المتوفرة حاليا بما فيها الانترنت ،وقد يعترض معارض ليقول بأن الأزمة ليست بهذه السعة إن كانت موجودة بالفعل ،ولكن الحقيقة إن الأزمة أوسع مما يمكن تصورها الآن لأن كل يوم يمر تزداد الهوة لأننا لا نتحدث في عشرينات القرن الماضي ،بل عما يحدث ألان كل يوم ، و لنضرب مثالا بسيطا جدا في كل يوم و لا نقول في كل ساعة و دقيقة كم هو عدد صفحات كتب الجغرافيا و الخرائط و الرحلات أستغني عنها ببرنامج جوجول الأرض(goggle earth) مثلا،يمكن القول بأن مرحلتنا التاريخية الحالية قد نستطيع أن نسميها (مرحلة الاستغناء)،ففي كل يوم و ساعة تستغني عن شيء و يحال ليس إلى التقاعد بل إلى العدم بما فيها الحاسوب و الموبايل فتشتريهما اليوم بعد شهور إن لم نقل أسابيع ستجد إن عصره انتهى و موجود ما هو أحدث منه بكثير،بل إن واحدة من الجهازين اللذين ذكرناهما قد يلغى تماما بمعنى ،قد تحصل على جهاز حاسوب تستطيع بواسطته إجراء كل مكالمتك الهاتفية بما فيها مع موبايلات أخرى ،وقد توصل إليك هذه الخدمة ,أو العكس تحصل على موبايل هو جهاز موبايل و لكن في نفس الوقت هو حاسوب دفتري و يؤدي كل وظائف الحاسوب بما فيها الاتصال بالانترنت و حتى استقبال البث الإذاعي و التلفزيوني و خدمات أخرى مثل البريد الكتروني و تحديد موقع الفرد فلماذا لا يستغني الفرد عن الحاسوب و التلفزيون و الراديو و دفتر الملاحظات لرجل الإعمال و الطالب الجامعي و استغناء يعد بالمئات في عشرات حقول الحياة بجهاز واحد يدعي الويندفايس.
نماذج حية للفكرة:
ليس من السهولة فهم و تفهم ما هي مشاريع الخيال العلمي بمفهومها الوارد في هذه المقالة ،ولكن خير طريقة لفهمها هي أن تطرح أفكار أو موضوعات هي من باب مشاريع الخيال العلمي و اعتبار ذلك نماذج لما يمكن أن تطرح لمثلها من مشاريع الخيال العلمي ،وما يورد من نماذج في هذه المقالة يمكن اعتبارها نماذج موجزة لمشاريع الخيال العلمي ،فالنموذج الكامل لمشروع الخيال العلمي سيكون لها قواعد و شروط الكتابة و يطرح على شكل مشروع لمشروع متكامل ولكل مشروع حسب نوعيته فمثلا مشروع الخيال العلمي التي يتناول مشروعا في الفضاء يختلف عن المشروع الذي يتناول مشروعا على الأرض أو في البحر ،و كذلك مشروع الذي يتناول موضوع الحاسوب يختلف في التفاصيل عن مشروع خيال علمي يتصور مثلا بناء عمارة من ألف طابق أو برج بارتفاع عشرة ألاف متر مثلا،فأسس الكتابة تعتمد على الحقل العلمي الرئيسي والفرعي في التفاصيل ،ولكن من منظور العام فأن كل المشاريع تطبق فيها المبادئ العامة مثل الأساس العلمي و المنطقي للمشروع و كلفة المشروع وفوائدها الاقتصادية و الاجتماعية و الترفيهية و مضارها البيئية و البيولوجية و الاجتماعية و السياسية إن وجدت، و الجانب الجغرافي للمشروع فمثلا في المثال أعلاه هل بناء برج بارتفاع عشرة ألاف متر سيبنى فوق قمة أيفرست على جبال هملايا أم في أوطأ نقطة عن مستوى سطح البحر في الكرة الأرضية ،أو إن مشروع برنامج حاسوب متقدم جدا تصمم لأفقر الدول أو المناطق أو لأغنى الدول أو المناطق ، فالجغرافيا عنصر أساسي في تصميم المشاريع الحقيقية و هي كذلك لمشاريع الخيال العلمي،سترد في الآتي من هذه المقالة مجموعة من بضع مشاريع للخيال العلمي كمثال على مشاريع الخيال العلمي بمفهومها الذي ورد في هذه المقالة و من خلالها يمكن ملاحظة الأمور التالية:
1-أن أندماج الحاسوب و الاتصالات و الميديا ماضي بسرعة هائلة و العالم كلها مشغول به وعليه و هذا الاندماج لهذه الثلاثة بإندمجها بل الآن قبل اندماجها الكلي ليست هي نفسها أي إن الحاسوب لم يعد للحساب وأجهزة الاتصالات للتهافت و الميديا للترفيه ، بل دخلت هذه الأجهزة في كل حقول الحياة و باندماجها الكلي و ظهور ما سمته مشروع الخيال العلمي أعلاه ويندفايس( wondvice) سيتغير العالم و الناس الذي فيه وهذا أقرب مما يتصوره أكثرهم تفاؤلا.
2-إن ظهور ويندفايس و الذي جاء اسمه من جهاز المدهش أو آلة العجيبة ، و الذي سيكون قدرتها التذكرية و العلاجية والخزينة و التوصيلية و سرعتها هائلة ،و تتواجد لدى معظم الغالب من الأفراد و الجماعات في العالم وخارج العالم الأرضي في الفضاء،سيتوفر لدى الأفراد كم هائل من المعلومات على مدار الساعة ،و سيكون كل فرد لديه ثقافة لا نهاية لها و معلومات في كل حقول الحياة و بشيء من التفصيل و الاستمرارية ،و كما إن الأجهزة و الوسائل الحالية أتاحت أكبر الفرص للمشاركة الجماهيرية الواسعة في مختلف حقول الحياة و خاصة السياسية و الاقتصاد و الثقافة بحقولها المختلفة بما فيها الأدب و الدين و الفنون،فان مشاريع الخيال العلمي ستنقل العلم في حلقاته المتقدمة إلى موضوع تتناوله الجماهير،و ظهور الويندفايس سيجعل تصميم و أعداد مشاريع الخيال العلمي سهلا جدا،ففي الجهاز يمكن الاطلاع عل مبادئ الإدارة و جغرافية المشاريع و الجدوى الاقتصادية للمشاريع و الرسم الهندسي الخ..الخ،فلا ينهض المصمم في جلسته حول جهاز الويندفايس إلا وصمم مشروع خيال علمي خياله فيه أخصب ألاف المرات من خيال الناس الأوائل الذين كانوا قبل قرون.
مشاريع الخيال العلمي :
ستطرح هنا ثلاثة مشاريع كنماذج لما ستكون عليها مشاريع الخيال العلمي ، وهذه المشاريع كنماذج ما ستطرح معها من أسس و مبادئ وطرائق العمل هي ليست نهائية فالموضوع في بدايتها و الآخرين يستطيعون بكل السهولة إضافة وقد يكون للآخرين وهذا متوقع جدا أن يكون لهم أفكار و نظريات مشابهة فموضوع مشاريع الخيال العلمي هي ليست جديدة أبدا فهي موجودة بالصيغ التي ذكرت سابقا،هذا أولا و ثانيا فأن الظروف و المعطيات و المرحلة التاريخية بجميع نواحيه ربما تفرز نفس النتائج ،بمعنى في مرحلة تاريخية معينة يمكن لعشرات الأشخاص أن يتصدوا لنفس الموضوع بدون أن يعلم أحدهم بالآخر،وهذا حدث في عدة حقول في العلم و الأدب و الدراسات الجامعية الخ،فليس من المتوقع أن يظل هذا الموضوع مشاريع الخيال العلمي يتيما لا يعرفه أحد،بل المتوقع أن يتكالب العشرات إن لم نقل المئات أو ألاف على الموضوع بالإضافة و الشرح و وضع مبادئ و أسس تفصيلية للموضوع حتى يأخذ أبعاده كاملة ،و ربما الجانب المهم للموضوع هو ظهور مشاريع الخيال العلمي و هذا الموضوع مغري جدا و من المتوقع أن تظهر منها العشرات لأنه ببساطة لدى كل فرد مشروعه العلمي كما كان في الماضي لدى كل فرد قصيدته التي يريد تنظيمها أو قصته التي يروم روايتها.وكما كان فيما مضى في (الأدب القديم) كان الكاتب يحاول أن يثبت للقارئ أو المتلقي بان هذه القصيدة تعبر بالفعل عن أعمق المشاعر الداخلية للإنسان أو إن هذه القصة أو الرواية هي بالفعل ما حدث أو يمكن أن يحدث ،فكاتب مشاريع الخيال العلمي سيواجه القارئ أو المتلقي و قد تحول قسم كبير من هذه المشاريع إلى أفلام سينمائية أو كارتونية أو كومبيوترية الخ،فعلى الكاتب أن يثبت بأن هذا المشروع علمي و منطقي و له فوائد اقتصادية و اجتماعية و بيئية و يساعد في تقدم البشرية إلى الأمام .
1-مشروع الويندفايس( Wondvice)
فيما سبق طرح بعض ملامح هذا المشروع، سيكون هناك شرح و توضيح و تفصيل مع كل مشروع الخيال العلمي الذي سترد في هذه المقالة وذلك لبيان المبادئ و الأسس و القواعد و النتائج بالنسبة لمشاريع الخيال العلمي ،فأولا الأهداف من مشاريع الخيال العلمي يمكن أيراد بعضه هنا ومن المؤكد سيضيف آخرون أهداف أخرى إليها:
1-طرح فكرة مشروع علمي،قد يكون هذه الفكرة ناجحة أو فاشلة ،عملية أو غير عملية،علمية أو غير علمية،فهذه الأشياء مهمة في مشاريع العلمية و غير علمية الحقيقية ولكن في مشاريع الخيال العلمي مهمة ولكن ليست بالمهمة القصوى لأنها مشاريع للخيال العلمي،قد تأخذ طريقها إلى التنفيذ أو قد لا تأخذ.
2- يفسح المجال لأي شخص ليطرح مشروعه أو مشاريع في الخيال العلمي بدون شرط الاختصاص أو الشهادة أو المؤهل الوظيفي بمعنى ستصبح مشاريع الخيال العلمي نوع من أدب العصر الكتروني فهي كما كانت الشعر و الرواية لن تكون كتبتها حكرا لأحد أو على أحد.
3-طرح مشاريع الخيال العلمي سيفتح باب المناقشة للتعبير الحر لكل مستويات البشرية للتعبير عن الآراء و التصدي للمشكلات و التحديات التي تواجه البشرية مع التطور الهائل للعلم و ما يتبعه أو سيتبعه من نهوض اقتصادي عملاق،في وقت نعلم بأن هذا التطور العلمي و النهوض الاقتصادي قد تبعهما مشاكل و تحديات من أنواع جديدة لم تألفهما البشرية مثل تلوث البيئة و مخاطر الهندسة الوراثية وزيادة في السكان و أعمار الأفراد الخ ،وقد تكون مشاريع الخيال العلمي أحد أسلحة الفقراء و الضعفاء و المهمشين للتعبير عن أرائهم و احتجاجاتهم بل و مشاريعهم لما سيجب أن تكون عليه حال البشرية الآن و في المستقبل ،بمعنى أخر قد تلعب مشاريع الخيال العلمي نفس الدور الثوري و الاجتماعي و الفكري الذي كان يلعبه الأدب بصيغته الشعر و النثر.
4-وفي طرح مشاريع الخيال العلمي ما يمكن أن يسمى الجانب التقني-العلمي أي طرح مباشر للمعوقات و المشاكل التقنية و العلمية و ما قد يستتبع ذلك من محاولة حلها ،ففي مشروع جهاز الويندفايس أعلاه ،يطرح سؤالين مباشرين الأول إن مسالة اختراع جهاز واحد بدلا من الأجهزة الحالية كلها في مجال الحاسوب(الكومبيوتر و الانترنت) و الاتصالات (الموبايل) و الميديا(الستلايت و الراديو و مشغلات الأوساط) غير عملية و علمية لأن هذه الأجهزة تختلف في كيفية نقل الإشارات سواء سلكيا أو لا سلكيا ،ولكن طرح الموضوع سيطرح محاولة التصدي لمعضلة نقل الإشارات و سرعتها و كثافتها الخ،بمعنى سيؤدي إلى مزيد من الأبحاث و الاختراعات و مزيد من التقدم العلمي و الاقتصادي و هذا هو بالضبط أحد أدوار مشاريع الخيال العلمي.
5-إن طرح مشروع جهاز الويندفايس يبدو جذابا شكليا،ولكن في ظل العولمة و الشركات العملاقة جدا و في التوازنات السياسية-الاقتصادية الدولية الراهنة ،فلا يمكن إن نتصور غير أن شركة واحدة أو مجموعة صغيرة من الشركات و في الغالب ستكون لدولة واحدة أن تنتج هذا الجهاز،أما باقي الشركات في العالم و هي بمئات ألاف و باقي الدول وهي بالعشرات عليها أن ترمي نفسها في البحر لأن لا دور لها بعد جهاز الويندفايس ، إذا فكرة الويندفايس جذابة ولكن غير إنسانية فهي تجعل ملايين العمال و المهندسين في عشرات الدول عاطلين عن العمل و تجعل دولة واحدة أو اثنتين مسيطرتين على اقتصاد العالم و علومها و مواصلاتها و أعلامها الخ ،فيرتبك العالم و ربما تحدث أزمة اقتصادية فوق الكبرى وقد تحدث حرب أو حروب كما حدث ذلك في تجارب ماضية للبشرية.
6-ولكن كما سبق الإشارة هناك ألاف الشركات و مراكز الأبحاث و الجامعات و الحكومات و الأفراد منهمكون في تطوير ألاف الأنواع من الأدوات الأجهزة في مجال الحاسوب و الاتصالات و الميديا ،وكل هذه تسعى إلى الوصول إلى نقطة واحدة وهي أن يكون الحاسوب موبايلا و راديو و تلفزيون و أن يكون الموبايل حاسوبا و انترنت و تلفزيون و راديو و سينما الخ،إذا فكرة مشروع الخيال العلمي للويندفايس هي مناقشة هذه الاحتمالات وهي أكثر من احتمالات بل واقع قائم لاستشراف و استنباط المستقبل.
2-مشروع برج بارتفاع 3كم:
هذا مشروع معماري و محاولة الإنسان في بناء مشاريع تتميز بالارتفاع عن الأرض معروفة وهي امتداد للأسئلة الفلسفية التي تدور في ذهن الإنسان و يبحث لها عن جواب بما فيها في محاولة الارتفاع عن الأرض و اقتراب من حدود الكون ولو بهذه الطريقة البائسة،و أشهر المحاولات من هذا القبيل الجنائن المعلقة في بلاد ما بين النهرين و الأهرامات في مصر،و لا زال باب الإبداع مفتوح على مصراعيه في هذا المجال ،ولكن أي برج في الكرة الأرضية كلها لم تصل بعد على ارتفاع كيلو متر واحد بل أعلاه أكثر بقليل من نصف كيلو متر،و ستلخص بعض النقاط هنا حول مشروع الخيال العلمي لبرج بارتفاع ثلاثة كيلو متر،و هي نماذج لنقاط أو أسئلة يمكن أن يطرحه أي مشروع للخيال العلمي:
1- هل يمكن هندسيا ومعماريا أن يبنى برج بمثل هذا الارتفاع.
2-هل يبنى بشكل برج معماري للسكن و المكاتب أم على شكل برج حديدي على شاكلة أبراج الاتصالات و برج إيفل.
3- كم سيكلف وفي أي مكان سيبنى .
4-هل سيبنى في مكان مرتفع فوق جبل مثلا أم في مكان عادي ،وهل سيبنى داخل المدينة أم خارجها خوفا من احتمالات سقوطه في أي وقت .
5-ما علاقته بالحالة الجوية من البرودة و الرطوبة و السحاب و الغيوم و هل يمكن استعماله كعيادة استشفاء لأي من الأمراض مثلا هبوط الضغط ،وما علاقته بالنشاط الجوي مثل الطيران و الفضاء وهل يمكن أن يستعمل كمنارة للنشاط البحري ،وهل يمكن أن يوضع في قمتها مصباح عملاق هو الأخر يكون مشروعا للخيال العلمي مثلا مصباح بقدرة مليون واط أو أكثر.
6-هل سيشغل نفس مساحة قاعدته أم يكون له مساند جانبية سلكية أو معمارية وبالتالي سيشغل مساحة أكبر بكثير من قاعدته .
7-هل من الممكن أن يصبح له أهمية أو دور خاص مثلا استعماله بشكل فعال في الاتصالات أو السياحة أو الملاحة أو الأمور العسكرية و الأمنية مثل محطة رادارات الخ.
8-قد يكون مثل هذا المشروع بيئة مناسبة لاستعمال الطاقة الشمسية و الطاقة البديلة مثل الرياح والطاقة الميكانيكية التي ستكمن في الأجسام التي ستصل إلى قمة البرج مثل البشر و المعدات و الأجهزة.
9-هل يمكن استغلال ارتفاعه لغرض أبحاث العلمية مثل علم المقذوفات و الجاذبية و غيرهما.
ربما هذا المشروع للخيال العلمي من الموضوعات التقليدية و طرقت و نفذت ألاف المرات في تاريخ البشرية ولكن ورده هنا لتدليل على بساطة و أهمية مشاريع الخيال العلمي و كيف يمكن لها أن تطرح ألاف الأسئلة و تفتح الآفاق لمزيد من الأبحاث و التجارب و التقصي في مجال العلمي وفي مجالات الحياة الأخرى .
3-مشروع إرسال زوجين إلى الفضاء:
كان عدد من علماء بيولوجيا و أطباء طب الفضاء يسعون منذ فترة طويلة لتنفيذ هذا المشروع ، لكن كالعادة في مثل هذه المشاريع الطموحة هناك أربع معوقات يواجههم ،أولها مشكلة التمويل فكل السلطات التشريعية في الدول المشتركة في مشروع الفضاء الدولي رفضت تمويل المشروع بحجة أنه ينتهك حقوق الإنسان،والثاني لكون خلال سنوات عرض إعلان طلب المتطوعين للمشروع لم يتقدم عليه أحد ،و الثالث كان هناك كثير من الشكوك العلمية و المنطقية حول حقيقة أمكانية تنفيذ هذا المشروع دون حدوث نتائج أو مضاعفات خطيرة لا تعرف سلفا،و الرابع كان هناك ضغط رأى عام متنامي للمشروع في السنوات العشرة الأخيرة،وعلى كل حال تذللت هذه المعوقات بسرعة غير متوقعة ،و بعد سنوات من اليأس في أن يتقدم خطيبين كمتطوعين لتنفيذ المشروع،أرتئي بالسماح لتقديم الفردي ،ولكن بعد فتح الباب بهذه الطريقة لمدة سنة كاملة تقريبا تقدم شخص أسمه نوح في انتظار أن تتقدم فتاة كمتطوعة ،و حصل ذلك إذ تقدمت الفتاة المدعوة شيرين كمتطوعة للمشروع، فتم عقد قرانهما في احتفال حاشد قبل ساعات من انطلاق المركبة الفضائية في نفس القاعدة و أودعا من قبل الحاضرين ليقضيا شهر العسل في الفضاء و ليبقيا هناك لمدة عامين على أمل أن يرزقا بطفل أو طفلة هناك في الفضاء و ليتم كل مراحل التلقيح و الانقسام و الحمل و الولادة والرضاعة في الفضاء في ظروف انعدام الوزن.
و خلاصة مشروع إرسال زوجين إلى الفضاء هي لدراسة بيولوجيا وطب الفضاء كما هو جاري منذ عقود ،و هذا المشروع هو مجرد أحد مشاريع بيولوجيا و طب الفضاء،ولكن كما هو واضح فهو مشروع رائد بمعنى إن شاب و شابة و يجب أن يكونا لم يمارسا الجنس قبل الزواج لأسباب بحثية وطبية،سيتم زفافهما في الفضاء الخارجي و يبقيا هناك لمدة عامين بحيث يتم الحمل و الولادة و الرضاعة لطفلهما في الفضاء،المشروع بسيط كما هو واضح ،فالآن قد وصل بقاء بعض الرواد في الفضاء لمدد قياسية بالشهور وتقارب العد بالسنوات،ولكن رغم بساطة فكرة المشروع ربما هو من أكبر و أخطر المشاريع العلمية وان كان هو مشروع خيالي تماما ،ولكن في طياته يحمل احتمالات التنفيذ الواقعي ،و عند طرح هذا المشروع علينا ملاحظة النقاط التالية فيما لها علاقة بفكرة مشاريع الخيال العلمي و طرح هذه النماذج كمثال في كيفية كتابة مشاريع الخيال العلمي:
1-الملفت للنظر في هذا المشروع الجانب الأخلاقي،فالمعروف لحد الآن لدى علماء و أطباء بيولوجيا وطب الفضاء هو بقاء الإنسان الفرد في الفضاء لفترات طويلة ،ولكن غير معروف عندهم مسألة ممارسة الزوجية في الفضاء و خاصة الزفاف و الاتصال الزوجي لأول مرة و نتائج ذلك ، و كذلك قد يكون تلقيح و بدأ الانقسام الخلوي معروفا لديهم في دراسات سابقة في بيولوجيا و طب الفضاء للنباتات و أحياء بدائية و ربما حيوانات التجارب مثل الفئران و غيرها ،ولكن ذلك غير معروف عن الإنسان ،و أيضا مسالة بقاء المرأة في الفضاء طوال فترة الاتصال و التلقيح و الحمل و الولادة و الرضاعة،فهذه مسائل خطيرة لا تعرف نتائجها إلا بعد عقود من الزمن أي كامل الوقت الذي يستغرقه عمر هذا الطفل الذي هو ابن الفضاء إذا صح التعبير،و هنا السؤال الأخلاقي في نتائج الأبحاث العلمية و الذي يطرح ألاف المرات في كل مستويات العلمية و الصناعية و التكنولوجية و أيضا على مستويات الأخلاقية و الاجتماعية و الدينية و السياسية ،فإذا كانت مراكز الأبحاث و الشركات و الحكومات الخ ،كلها حرة فيما تفعل فهل لها الحرية في تحديد مصير طفل لم يولد بعد ،و حتى الوالدين هل هما حرين في تحديد مصير المجهول لهذا الطفل ،و لكن بالمقابل هناك من سيكون مع الفريق الآخر وهو الفريق الذي يقول بالمغامرة العلمية و تنفيذ ما يتفتق عن خيال و ذكاء و حاجات الإنسان والحاجة الأساسية للإنسان هي دائما سبر غور المجهول لكي يصل إلى الجواب للأسئلة التي يحملها طوال عمره في داخله.
2-هذا المشروع للخيال العلمي كم عدد الأسئلة العلمية الاستفزازية التي تمليها في داخله بكل تأكيد عشرات الأسئلة و لا يستطيع الإجابة عليها إلا كبار علماء و أطباء بيولوجيا و طب الفضاء ،و هذا هو بالضبط أحد أهم أهداف مشاريع الخيال العلمي أن تفتح حلقة الوصل بين العلوم في حلقاته المتقدمة و بين الجمهور العريض و في نفس الوقت فتح الباب السري للعلوم أو التفكير العلمي للعامة للولوج إليه دون خوف أو وجل ،و في نفس الوقت فان هذا المشروع تطرح عشرات بل مئات أسئلة أخرى في شكل تحديات علمية تحتاج إلى التذليل فمثلا قد يكون من المغامرة غير أخلاقية بإرسال امرأة حامل لتلد في الفضاء و لا يعرف نتائج ذلك في المدى القريب أو البعيد ،ولكن إلا يمكن أن ترسل أحدى الحيوانات كلب أو قطة مثلا، رغم إن جماعات الرفق بالحيوان والبيئة سيحتجون على ذلك،و هكذا ربما قد يطرح هذا المشروع الخيالي عشرات مهام جديدة على رجال و علماء و أطباء الفضاء و غير الفضاء وهذه هي أحدى أهداف مشاريع الخيال العلمي.
هل ستختصر المشاريع على العلم:
الآن و بدون وجود مفهوم مشاريع الخيال العلمي توجد مسألة طرح المشاريع الحقيقية على عشرات المستويات وفي مختلف حقول الحياة و الفكر منها مثلا مشاريع سياسية و اقتصادية و مالية و أدارية وعسكرية و ثقافية الخ،ولكن اختلاف بين طرح هذه المشاريع الواقعية و مفهوم مشاريع الخيال العلمي هو:
1-المشاريع الواقعية غالبا تطرح من قبل أشخاص معنيين ومختصين في تلك الحقول مثل الصحفيين و السياسيين و الباحثين و أساتذة الجامعة الخ،و غالبا هذه المشاريع فيها لغة خطاب لجهة أو جهات معنية أو معينة ،وهذه المشاريع بصورة عامة تلتزم بالقواعد و الأسس العلمية و المنطقية و بما هو واقعي و مطروق لدى الناس و كذلك بطرح موضوع قريب إلى الواقع الفعلي ، فمثلا مهندس يقترح في بلدته إنشاء جسر ثاني على النهر الذي يقطع وسط المدينة،وعضو برلمان يقترح مشروع ضريبي يعفى بموجبه الفقراء من الضرائب، صحفي يقترح أنشاء حكومة جبهة وطنية لمواجهة المخاطر التي تواجه البلد ،و قاضي في المحكمة العليا يقترح مشروع قانون لمنع تشغيل الأطفال دون السن القانوني ،و قد تتجاوز أطار مثل هذه المشاريع الواقعية حدود البلدة و البلد إلى مشاريع فيها صفات إقليمية و دولية فمثلا رئيس جمهورية دولة (ع) يقترح مشروع منع وجود الأسلحة النووية في إقليم(ش)،أو رئيس مجلس الأمن في العام الماضي يقترح إنشاء قوة دولية موحدة لمواجهة تجار الرقيق الأبيض،و هكذا في ألاف الحقول و مجالات الحياة و الفكر،بينما مشاريع الخيال العلمي تختلف عن ذلك فالطرح يكون من قبل أي شخص ليس بالضرورة هو المعني أو المختص،و غالبا مشاريع الخيال العلمي لا تعالج مسألة جزئية تخص البلدة أو البلد بل مسائل كبرى ربما تخص نطاق زماني و مكاني واسع و تخص البشرية و الإنسان بصورة عامة،وفي مشاريع الواقعية المقترحة فان ليس للخيال دور إلا ضمن الواقع و حدوده المعروفة ،بينما في مشاريع الخيال العلمي الدور الأكبر للخيال ،رغم إن التزام بحدود المنطق مطلوبة.
2- و عند إجراء المقارنات بين مشاريع الخيال العلمي و المشاريع الواقعية المقترحة من قبل المعنيين و المختصين ،نتوصل بان مشاريع الخيال العلمي جاءت لإيجاد تنفيس للناس ليعبروا عن آراءهم و رؤاهم بصورة حرة غير مقيدة بالتزام إداري أو قانوني و محررة من قيود الواقع و المنطق العلمي الصارم،و بالعود إلى موضوع كل له في داخله قصيدته أو قصته اللتين يريد البوح بهما و الشيء نفسه ينطبق على العلم و غير العلم في عصرنا ،و لنضرب مثلا بسيطا في ذلك،الرجل يسير في طرقات المدينة و يجد بأن أكوام أكياس النايلون أو علب المرطبات تملئ أرجاء المدينة و تلوثها فلا بد حتى ولو كان أميا لا يعرف أن يقرأ و يكتب ،فلا زال هو تأثر بالموقف و انفعل به فسيكون له رد فعل ،و هذا الرد الفعل و استيعابه و صياغته و توجيه هو إحدى مهام مشاريع الخيال العلمي.
3- و بذلك نتوصل إلى استنتاج بان مفهوم مشاريع الخيال العلمي سوف لن تختصر على تلك المشاريع التي تعتبر من باب العلم بل يشمل كافة حقول و مجالات الحياة طالما هي وجدت كمجال لإبداء الرد الفعل الإنساني تجاه المواقف التي تواجهه الفرد و الجماعة الإنسانية،فهي تتيح المجال لمختلف المستويات البشرية للتعبير عن أرائهم و ردود فعلهم ،و بصورة خاصة لأولئك الذين لا يستطيعون أن يصيغوا عمل منظم قابل للتطبيق فأما هم خارج أطار المسؤولية أو خارج أطار الحرية .
موقع مشاريع الخيال العلمي:
هذا الموقع و عنوانه http://lana22.wordpress.comوأسم الموقع (مشاريع الخيال العلمي) يعود لكاتب هذه السطور و خصص لإشاعة مفهوم مشاريع الخيال العلمي و تقديمها بصورة عملية للوصول إلى ما هو مرجو من هذه الفكرة،و قد خص الموقع في تطبيقه لفكرة مشاريع الخيال العلمي بثلاث طرق لعرض هذه المشاريع ،الأول عرض المشاريع العلمية الحقيقية قد التطبيق أو الانجاز،و الثاني تقديم مشاريع الخيال العلمي الخيالية أو الافتراضية التي يقترحها كتابها ،و الثالث تقديم مشاريع الخيال العلمي الإبداعية أي تلك المشاريع التي هي ليست من الصنف الأول أي المشاريع العلمية الحقيقية و لا من الصنف الثاني أي مشاريع العلمية الخيالية،بل هي تلك المشاريع التي موجودة من خلال الأعمال الإبداعية مثل الأفلام و قصص و روايات الخيال العلمي أو في أيا من وسائل التعبير الأدبي و الفني بما فيها المقالات و الدراسات.



محمود حسن عباس
كاتب عراقي
العراق-بغداد
7-7-2007






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,519,197,279
- تدمير بابل في القرن الواحد و العشرين
- تنفيذ تقرير بيكر بخطة بوش معالجة الفشل بخطة فاشلة
- اقتراح علم العراق الجديد


المزيد.....




- الصين.. فرض حجر صحي على مدينة بسبب الطاعون الدبلي
- إصابة سبعة في اشتباكات بين قريتين لنقص مياه الشرب بالبحيرة
- «قافلة غزة الطبية» تتخطى معبر رفح رغم التعطيلات الأمنية
- برنامج لمراقبة نشاط الإنترنت في ويندوز
- برنامج لنقل الملفات بين حواسب ويندوز
- إضافة لوحة الرد على المكالمات داخل أي برنامج في أندرويد
- الصحافة العالمية: صورة تعيسة لغزة من الفضاء والشتاء الأبدي ق ...
- تطبيق لتفعيل الوضع الصامت لبعض الأسماء في أندرويد
- 1.32 مليار مستخدم نشط في الفيسبوك شهريا
- الكلاب -تشعر بالغيرة-


المزيد.....

- مهارات الانترنت / حسن هادي الزيادي
- أدوات وممارسات للأمان الرقمي / الاشتراكيون الثوريون
- ما هي مشاريع الخيال العلمي ؟ و كيف تكتب / محمود حسن عباس
- ذاكرة الكمبيوتر / معتز عمر
- الانترنت منظومة عصبية لكوكب الارض / هشام محمد الحرك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - تقنية المعلمومات و الكومبيوتر - محمود حسن عباس - ما هي مشاريع الخيال العلمي ؟ و كيف تكتب