حواتمة: فك وتركيب المؤسسات الوطنية خطر على القضية الفلسطينية وادعاء مواجهة « صفقة العصر» لا يستقيم مع التمسك ببقايا «أوسلو»


نايف حواتمة
الحوار المتمدن - العدد: 5983 - 2018 / 9 / 3 - 15:04
المحور: مقابلات و حوارات     

في حوار مع مجلة «الإذاعة والتلفزيون» المصرية

أجرى الحوار: ناصر حجازي
رئيس قسم الشؤون العربية بالمجلة - القاهرة
• ندعو لتهدئة تشكل مدخلاً لرفع الحصار الظالم عن قطاع غزة، وتوفير الظروف المناسبة لإعادة الحياة شبه الطبيعية لشعبنا في القطاع
• صراع المصالح بين فتح وحماس، وتدخلات المحاور الإقليمية والتدخلات الأميركية – الإسرائيلية عطلت تنفيذ قرارات الإجماع الوطني
• قانون التمثيل النسبي ينهي حالة الهيمنة والتسلط والاستبداد، والتفرد والاستفراد والاستئثار، وإقصاء الآخرين، وتهميش المؤسسة لصالح فرد أو طرف
• قامت سياسة دائرة شؤون المغتربين على استنهاض الجاليات في مؤسسات ديمقراطية تعبر بصدق عن واقع الجاليات واصطدمت هذه التجربة بنزعة الاستبداد لدى القيادة الرسمية
• سياسة الإحتكار السلطوية أدت إلى إنهاء دوائر منظمة التحرير الفلسطينية وتذويبها في وزارة السلطة (الدائرة السياسية، دائرة الثقافة، دائرة الإعلام، سحب تشكيل دائرة الشهداء والأسرى، إلحاق دائرة الصندوق القومي برئاسة السلطة، بمراسيم سلطوية انفرادية)
• ندعو لرسم إستراتيجية الخروج من أوسلو والتحرر من قيوده، لصالح برنامج الانتفاضة والمقاومة في الميدان، ونقل القضية والحقوق الوطنية إلى المحافل الدولية
• الخلل في الحالة الفلسطينية الراهنة يتمثل في غياب المؤسسة الوطنية الجماعية والجامعة، وغياب الديمقراطية التوافقية الائتلافية والانتخابية في مرحلة التحرر الوطني

أشار الرفيق نايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى أن القيادة الرسمية تعمل على «فك وإعادة تركيب مؤسسات منظمة التحرير على مقاسها السلطوي الانفرادي» مؤكداً أن «النضال لإصلاح المؤسسة الوطنية من داخلها، وفي الميدان، وإخراج م.ت.ف والقضية الوطنية من المأزق السياسي الذي حشرهما فيه اتفاق أوسلو، سيبقى بنداً في مقدمة جدول أعمال الجبهة الديمقراطية وبجانبنا القوى الوطنية الديمقراطية والليبرالية».
ولفت الرفيق حواتمة إلى «التسارع في تدهور أوضاع النظام السياسي الفلسطيني، في ضوء تحول السلطة الفلسطينية، من نظام رئاسي برلماني إلى نظام رئاسي سلطوي محض، يدار بالمراسيم المفصلة على مزاج المطبخ السياسي، ومصلحة من وما يمثل طبقياً واجتماعياً وسياسياً».
جاء ذلك في معرض حوار صحفي مطول وشامل أجراه مع الرفيق حواتمة الزميل ناصر حجازي ، رئيس قسم الشؤون العربية في مجلة «الإذاعة والتلفزيون» المصرية.
ودعا الرفيق حواتمة إلى «الربط بين فك الحصار عن القطاع، كأحد شروط التهدئة، وبين استعادة الوحدة الداخلية وإنهاء الانقسام». وحذر من «مشاريع دولة الاحتلال للانفراد بقطاع غزة واستغلال حالة الانقسام لفصله عن الضفة الفلسطينية وعن القدس».
وأوضح الرفيق حواتمة «لا يمكن التصدي لصفقة العصر والتمسك في الوقت نفسه باتفاق أوسلو» وتعطيل الخطوات العملية لقرارات المجلسين المركزيين لمنظمة التحرير آذار 2015 ويناير 2018 والمجلس الوطني نيسان/ إبريل 2018. مشيراً إلى أن الصفقة «لا تطال القضية الفلسطينية فقط، بل وكذلك إعادة رسم الوضع الجيوسياسي للمنطقة كلها، والعبث بأوضاع دولها ومصالح شعوبها وثرواتها ومستقبلها، ما يجعل مسؤولية التصدي للصفقة واجباً رئيسياً على عاتق الحركة الوطنية الفلسطينية وجماهير شعبنا، وكذلك بالمستوى نفسه واجباً عل عائق الأحزاب العربية الوطنية والتقدمية والديمقراطية واليسارية والليبرالية». فيما يلي نص الحوار:
هو أحد الكبار فى الساحة الفلسطينية، رمز لا يمثل فصيلاً، بل يمثل مرحلة وجيلاً من الكبار، لذا عندما يتكلم يستمع له الجميع، إنه نايف حواتمة الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.
فى حوارنا معه يضع يده على الجرح الفلسطينى، ويصف الدواء لحالة من التشرذم والتشظى تجاوزت مدتها عشر سنوات. ويطالب بالعودة إلى المربع الأول، مربع المقاومة بكل أشكالها، وإحياء مشروع التحرر الوطنى الفلسطينى، والتحرر من قيود أوسلو وما تبعها من اتفاقات.
ويشدد حواتمة على أن الواقع الفلسطينى رغم ما به من انقسام إلا أنه يرفض صفقة القرن، وسيقاومها ويسقطها، مطالباً المحيط العربى بمقاومة هذه الصفقة التى لا تستهدف القضية الفلسطينية فحسب، بل تحاول تقسيم المنطقة وإعادة رسم حدودها بما يخدم المشروع الصهيونى، وكذلك المشروع الأمبريالى الغربى، وكل ذلك على حساب شعب فلسطين والشعوب العربية كلها.
تهدئة لرفع الحصار والعدوان
■ ما تقييمكم لما يجري في غزة حالياً من اشتباكات مع الاحتلال وما يتزامن معها من مفاوضات غير مباشرة لإقرار تهدئة/هدنة طويلة المدى؟
■■ لم تتوقف الأعمال والحروب العدوانية الإسرائيلية على شعبنا في قطاع غزة، مستمرة منذ سنوات، في إطار الصراع الدائر بين شعبنا وحركته الوطنية وبين الاحتلال الاستعماري الاستيطاني، الذي يستهدف حقوقنا الوطنية والقومية، وتمرير المشروع الصهيوني بابتلاع كامل أرض فلسطين المحتلة، بأساليب مختلفة، القتل، الاعتقال، مصادرة الأراضي، وتهميش السكان وعزلهم، وعرقلة حياتهم اليومية، وتدمير اقتصادهم وفرض الحصار الظالم على قطاع غزة ،وبالتالي فإن معركة قطاع غزة هي جزء لا يتجزأ من المعركة الوطنية من أجل تقرير المصير والاستقلال والعودة، التي يخوضها شعبنا في مناطق تواجده كافة، ووفقاً لخصوصية كل منطقة.
الحديث عن التهدئة ليس جديداً، فلقد تم التوصل إلى تهدئة مع سلطات الاحتلال، في أعقاب الحرب العدوانية الوحشية على القطاع صيف العام 2014، عبر مفاوضات غير مباشرة، رعتها مصر الشقيقة وأدارها وفد فلسطيني موحد ضم ممثلين عن القوى الخمس الكبرى، إلى جانب الجبهة الديمقراطية، حركة فتح، الجبهة الشعبية، حماس، والجهاد.
وما ندعو له الآن أن تكون هذه التهدئة في سياق استعادة تهدئة العام 2014 التي انتهكتها إسرائيل عشرات المرات، وأن تشكل مدخلاً ضرورياً لرفع الحصار الظالم عن قطاع غزة، وتوفير الظروف المناسبة لإعادة الحياة شبه الطبيعية لأهلنا وشعبنا في القطاع، بعد معاناة مـأساوية لأكثر من عشر سنوات، دمر الحصار فيها كل عناصر الحياة البشرية.
وفدنا إلى القاهرة، الذي يضم نائب الأمين العام فهد سليمان، وعضوي المكتب السياسي صالح ناصر(من قطاع غزة) وخالد عطا، بحث هذا الأمر مع الأخوة في القيادة المصرية، ومع باقي الفصائل الفلسطينية ونقل رأينا بوضوح. وقد لقي هذا الموقف ترحيب القوى الفلسطينية دون استثناء أي لا تهدئة مجاناً، بل تهدئة تشكل مكسباً وطنياً لشعبنا، وترفع عنه الحصار وفتح المعابر، ضمان الماء، الكهرباء، الصرف الصحي، الإعمار، الدواء والغذاء، الحماية الدولية من الجوع وبحر الدماء. تقارير الأمم تعلن غزة كما هي الآن غير قابلة للحياة البشرية عام 2020.
■ ألا تشعر بالقلق من انفراد دولة الاحتلال بقطاع غزة ومحاولة تكريس عملية انفصاله عن الجسد الفلسطيني باتفاق منفرد مع «حماس»؟
■■ القلق مشروع، خاصة وأن مشاريع دولة الاحتلال للانفراد بقطاع غزة واستغلال حالة الانقسام لفصله عن الضفة الفلسطينية وعن القدس، ليست سرية أو خافية على أحد، وهي تعلن بشكل دائم في وسائل الإعلام الإسرائيلية وتعلن عنها مراكز البحث الإسرائيلية ونحن نتابع هذا كله متابعة دقيقة ويقظة، دون أن ندخل في التوجسات. لكننا في الوقت نفسه نمارس الدور المطلوب منا بكل أشكال المقاومة، على صعيد العلاقة مع باقي القوى، وفي إطار الحركة الشعبية لسد الطريق أمام هذه المشاريع، عبر التأكيد على التمسك بالبرنامج والمشروع الوطني الفلسطيني، في رفض كل الحلول البديلة لهذه البرنامج، عبر المقاومة في الميدان، وفي المؤسسات، وإلى أن تتحقق الشروط المناسبة لتحقيق هدفنا الاستراتيجي في هذه المرحلة، حق تقرير المصير، والاستقلال والسيادة وضمان وصون حق العودة.
الربط بين فك الحصار واستعادة الوحدة
■ كيف يمكن إعادة توحيد الصف الفلسطيني في ظل انقسام الضفة/غزة، وانقسام فتح عباس/ دحلان؟
■■ لابد من التأكيد أننا نناضل وندعو دوماً إلى الربط بين فك الحصار عن القطاع، كأحد شروط التهدئة، وبين استعادة الوحدة الداخلية وإنهاء الانقسام، بين فتح وحماس. ونرى من جانبنا أن ما تم الاتفاق عليه في الحوار الوطني الشامل، في القاهرة، في العام 2011، وفي العام 2013، وما صادقت عليه اللجنة التنفيذية في م.ت.ف، ثم تفاهمات فتح وحماس في 12/10/2017 وصادقت عليه الفصائل في 22/11/2017، وعلى الدوام برعاية مصرية، يشكل الأساس المطلوب لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الداخلية.
وفدنا إلى القاهرة الآن، في اللقاء الأخير مع القيادة المصرية (18+19/8/2018) حمل وجهة نظر الجبهة الديمقراطية وبجانبنا القوى الوطنية الديمقراطية والليبرالية عملاً بقرارات المجلسين المركزيين لمنظمة التحرير (مارس 2015، يناير 2018)، المجلس الوطني (30 ابريل 2018)، وقرارات الإجماع الوطني، وشدد على ضرورة الضغط على الطرفين معاً، فتح وحماس، للالتزام بما تم التوافق عليه، وعدم طرح شروط واشتراطات فئوية خاصة جديدة، وتغليب المصالح الوطنية العليا على المصالح الفئوية الضيقة، والأخذ بالاعتبار الوضع المعقد الذي تعيشه قضيتنا الوطنية.
إن صراع المصالح الفئوية السلطوية بين فتح وحماس، وتدخلات المحاور الإقليمية في الشرق الأوسط، والتدخلات الأميركية – الإسرائيلية هي العوامل الثلاثة التي عطلت قرارات واتفاقات الإجماع الوطني.
إن تشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة لإنهاء الانقسامات، وبالتوازي الذهاب إلى انتخاب مجلس وطني موحد في الوطن والشتات بالتمثيل النسبي الكامل عملاً بقانون الإجماع العام 2013 هما أقصر الطرق لإنهاء الانقسامات والعودة إلى رحاب الوحدة الوطنية والبرنامج الوطني الموحد للخلاص من الاحتلال واستعمار الاستيطان التوسعي المتواصل في اليومي منذ اتفاقات أوسلو وتداعياتها المرّة على مدى 25 عاماً بين 1993 – 2018.
من هنا دعونا، وندعو لعقد اجتماع للإطار القيادي الأول في الحالة الوطنية الفلسطينية ويضم اللجنة التنفيذية والأمناء العامين لأربعة عشر فصيلاً، ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني وشخصيات مستقلة للتوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية وانتخاب مجلس وطني جديد، بقوام 350 عضواً(150 في الداخل + 200 في الخارج) بنظام التمثيل النسبي الكامل، يعقد اجتماعه في مكان يتم التوافق عليه، بما يؤسس لبناء نظام سياسي جديد ديمقراطي يطلق الطاقات الكامنة في صفوف شعبنا لمواجهة تحديات المرحلة واستحقاقاتها.
الكرة في ملعب «التنفيذية» ورئيسها
■ ألا تحتاج الحالة الفلسطينية قراراً جريئاً بتجاوز المجلس الوطني الأخير واعتباره كأن لم يكن والدعوة إلى انعقاده مرة أخرى لتوحيد الصف الفلسطيني؟
■■ المجلس الوطني الأخير، والذي شاركنا فيه بوفد قيادي من المكتب السياسي للجبهة، اتخذ مجموعة مهمة من القرارات، التي تشكل أساساً لاستعادة وحدة الصف الداخلي، بما في ذلك فك الارتباط باتفاق أوسلو وبروتوكول باريس وسحب الاعتراف بإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، والانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي، وسحب اليد العاملة الفلسطينية من المستوطنات، ووقف التعامل بالشيكل الإسرائيلي، واسترداد سجل السكان والأراضي من الإدارة المدنية للاحتلال، واستنهاض الانتفاضة والمقاومة الشعبية، وطي صفحة المفاوضات الثنائية لصالح مؤتمر دولي تحت سقف الأمم المتحدة وبموجب قراراتها الملزمة، وبرعاية الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، بما يوفر الشروط لرحيل الاحتلال والاستيطان وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 حزيران 67 وضمان حق العودة للاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها، وبالتالي لا تكمن المشكلة في مخرجات المجلس الوطني السياسية.
أما بما يتعلق بتوحيد الصف الفلسطيني فإن كتلتنا البرلمانية في المجلس الوطني هي الوحيدة التي طرحت مشروع قرار وافق عليه المجلس الوطني في الدورة (30/4/2018)، باعتبار هذه الدورة هي الأخيرة وأن يكون المجلس القادم مجلساً جديداً، وفق المواصفات والشروط التي شرحتها أعلاه، وهي المواصفات والشروط التي أكد عليها الأخ سليم الزعنون (أبو الأديب) في مستهل أعمال المجلس المركزي الفلسطيني الأخيرة في رام الله يوم 15/8/2018. إذن القرار موجود، وكذلك أكد عليه البيان الختامي للمجلس الوطني، المطلوب الآن أن نبذل الجهود الضرورية لتحويل هذا القرار إلى فعل في الميدان وفي الإطار الوطني المؤقت لمنظمة التحرير. والكرة في ملعب اللجنة التنفيذية في م.ت.ف. وفي ملعب رئيسها.
■ لماذا تفر حماس وفتح من استحقاق الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ولماذا ترفضان نظام التمثيل النسبي الذي يضمن تكوين جبهة وطنية واسعة تمثل الجميع؟
■■ اعتقد أن الجواب أتى في سياق سؤالكم المهم... نحن كنا أول من طرح نظام التمثيل النسبي في تشكيل المؤسسات الوطنية، لأنه أرقى نظام انتخابي تمثيلي، يضمن العدالة والديمقراطية ويفتح الباب على مصراعيه للشراكة الوطنية في هذه المرحلة، مرحلة التحرر الوطني، الآن وحتى تقرير المصير والاستقلال والعودة، ويتيح للجميع الانخراط في العملية الديمقراطية والاشتراك في المؤسسة كأحزاب وقوى سياسية وشخصيات مستقلة ومؤسسات المجتمع المدني.
هذا النظام الانتخابي هو الذي ينهى حالة الهيمنة والتسلط والاستبداد، والتفرد والاستفراد والاستئثار، وإقصاء الآخرين، وتهميش المؤسسة لصالح الفرد أو لصالح طرف دون غيره.
والدليل على ذلك أننا مازلنا حتى الآن نعاني النتائج الكارثية للنظام الانتخابي عام 2006، ما أدى إلى وقوع الانقسام والشرذمة والتشتت والصراع السلطوي على الامتيازات والمصالح بين فريقي الانقسام، وإضعاف الحالة الوطنية.
الانتخابات بنظام التمثيل النسبي، شرط عدم تدخل الأجهزة السلطوية والمال، تعطي كل طرف حجمه النسبي الحقيقي في صفوف الحالة الجماهيرية، وتعيد رسم الخارطة السياسية في الحال الفلسطينية، وتصلح الخلل القائم والاختلال في العلاقات الوطنية، وتضع حداً للاستفراد. ولعل هذا ما يدفع الحركتين(فتح وحماس) للتهرب من استحقاقات الانتخابات الشاملة والمحلية، وللتهرب من استحقاقات تشكيل جهة وطنية تقوم على التوافقية الديمقراطية وعلى مبادئ الائتلاف الوطني المعمول بها في كل حركات التحرر الوطني والتقدم إلى أمام، وتؤسس تشاركية نضالية، وفق شعار:«شركاء في الدم.. شركاء في القرار».
استبداد وتفرد وتهميش
■ في تقديركم لماذا هذا الموقف (غير المفهوم وغير المبرر) من رئيس السلطة الفلسطينية تجاه الجبهة الديمقراطية وإصراره على تغيير ما يعتبره الفلسطينيون «ُسنة فلسطينية»، بقرار عزل الرفيق تيسير خالد من دائرة شؤون المغتربين؟
■■ نحن نرى في موقف رئيس السلطة موقفاً ينسجم إلى حد كبير مع سياسات وأسلوب عمل المطبخ السياسي (مطبخ التفرد والإقصاء). المسألة ليست مسألة دائرة شؤون المغتربين، وإن بدت وكأنها رأس جبل الجليد، كما يقولون. القضية أننا الطرف الفلسطيني المعارض الأول داخل م.ت.ف، في المؤسسة وفي الميدان. وأن معارضتنا واقعية وطنية وديمقراطية ثورية، تستد إلى قرارات التوافق الوطني وتطالب بتطبيقها، منذ حوار القاهرة في 2005، وصولاً إلى قرارات المجلس الوطني في 30/4/2018، مروراً بتوافقات وبرامج 2006، و2009، و2011، و2013، و2015، و2017. هذه كلها توافقات وبرامج وقرارات اتخذتها دورات الحوار في القاهرة وفي غزة وفي رام الله، وعمان، وبيروت، ولأكثر من مرة. هذه القرارات هي التي تخرجنا من أوسلو نحو الإستراتيجية الوطنية البديلة والجديدة. هذا هو محور الخلاف بيننا وبين رئيس السلطة: برنامج أوسلو، والرهان على حل ما تحمله «صفقة العصر» من جهة السلطة، أما من جانبنا فالعمل على تطبيق قرارات الحوارات الوطنية، والمجلسين المركزي والوطني (2015 + 2018) ورسم إستراتيجية الخروج من أوسلو والتحرر من قيوده، لصالح برنامج الانتفاضة والمقاومة في الميدان، ونقل القضية والحقوق الوطنية إلى المحافل الدولية.
قضية دائرة المغتربين واحدة من القضايا، وهي تختصر رؤية القيادة الرسمية من جهة، ورؤيتنا من جهة أخرى لكيفية استنهاض جالياتنا الفلسطينية. سياسة القيادة الرسمية تقوم على التسلط والاستبداد، وفرض هيمنة التعيين والسفارات وموظفيها على رأس مؤسسات الجاليات. أما سياسة دائرة شؤون المغتربين برئاسة تيسر خالد فتقوم على استنهاض الجاليات في مؤسسات ديمقراطية تتشكل بالانتخابات الحرة، وتكون لها مواقفها المستقلة عن السلطة وعن المؤسسة، وتشكل تعبيراً صادقاً عن واقع الجاليات. لذلك اصطدمت تجربة دائرة شؤون المغتربين بنزعة الاستبداد لدى القيادة الرسمية، وحصل ما حصل.
لكن هذا لا يعني أن الجاليات الفلسطينية سوف تخضع لهيمنة السفارات، في ظل الوضع الجديد للدائرة، فقد خطت جالياتنا خطوات متقدمة على طريق تكريس الديمقراطية أساساً للعلاقات المجتمعية والمؤسساتية والسياسية، ولن تتراجع إلى الوراء.
سياسة الهيمنة والإقصاء تمت وتتم بالأمس والآن بإلغاء الدائرة السياسية في منظمة التحرير وتذويبها في وزارة خارجية السلطة، والآن بإلغاء دوائر الثقافة والإعلام، وشؤون الأسرى والشهداء، والدائرة العربية، وتغيير قيادة شؤون الأسرى والشهداء. وكل هذه العمليات الإلحاقية بوزارة السلطة (سلطة الحكم الذاتي والإداري)، وبمراسيم من رئاسة السلطة خارج اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الائتلافية التي قامت منذ احتلال 1967 على الائتلاف الديمقراطية التوافقية.
معضلات الحالة الفلسطينية
■ سؤال لا يوجه إلا للرفيق القائد: بوصفك مفكراً قبل أن تكون زعيماً سياسياً، أين الخلل في الحالة الفلسطينية؟ هل هو غياب المؤسسة أم غياب الديمقراطية أم غياب الزعيم الرمز أم كل ذلك؟
■■ الخلل الأساسي هو في الانقلاب السياسي الذي قامت به القيادة الرسمية في 13/9/1993 على البرنامج الوطني، برنامج الائتلاف الوطني، و ذهبت منفردة إلى برنامج أوسلو. ومنذ ذلك الوقت والأوضاع تتفاقم في الحالة الفلسطينية، والكوارث تلحق بشعبنا وقضيته وحقوقه الوطنية. والحل يكون في العودة عن أوسلو وكل مترتباته والتزاماته وآلياته، ومؤسساته، لصالح البرنامج الوطني والتزاماته البديلة.
تحت وطأة أوسلو وفي ظل تداعياته نشهد تسارعاً في تدهور أوضاع النظام السياسي الفلسطيني، في ضوء تحول السلطة الفلسطينية، بعد 14/6/2007، من نظام رئاسي برلماني إلى نظام رئاسي سلطوي محض، يحكم تحت سقف الاحتلال. قطع النظام السياسي شوطاً ملحوظاً على طريق استكمال تحويل م.ت.ف (كهيئات ومؤسسات) من نظام برلماني، إلى نظام رئاسي، أكثر تسلطاً من تسلط رئاسة السلطة الفلسطينية، يدار هو أيضاً بالمراسيم المفصلة على مزاج «المطبخ السياسي»، ومصلحة من وما يمثل طبقياً واجتماعياً وسياسياً.
إن خطورة هذا التحول في أوضاع منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف ائتلاف فصائل وقوى وشخصيات مستقلة وليست فصيلاً أو حزباً واحداً)، أن السياسة الرسمية المتبعة حيالها، تقود، بعد الشوط الذي قطعته عملياً والوقائع الملموسة الواردة، إلى إنهاء م.ت.ف باعتبارها المعقل الأخير الذي بات من الواجب التحصن فيه وتطويره، بعد أن استنفدت سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود أغراضها وتحولت، كما وصفتها «اللجنة العليا لتقديم الاقتراحات لتطبيق قرارات المجلس الوطني»، إلى مجرد «سلطة خدمية»، كما تحول العاملون في السلطة إلى «موظفين لدى الاحتلال» على حد قول الأخ أبو مازن أمام مجلس الأمن الدولي في 20/2/2018.
إن م.ت.ف الائتلافية، والديمقراطية التوافقية لحركات الثورة والتحرر الوطني، هي الملاذ الأخير لحركتنا الوطنية الفلسطينية، التي يجب أن تكون حاضنة الائتلاف الوطني الديمقراطي الشامل، ما يستوجب، كأولوية وطنية، فتح ورشة إعادة بناءها وتطويرها وتوسيع طابعها التمثيلي، إذ أن ما أقدم عليه مركز القرار الرسمي لم يعد يقتصر على تذويب المنظمة في السلطة، كما كان فيما مضى، بل بات يرمي بالواقع الملموس إلى فك وإعادة تركيب ما تبقى من المنظمة على مقاس سلطوي انفرادي، ومن هنا خطورة الموضوع الذي ينبغي التصدي له بالحزم الوطني اللازم في هذه المرحلة، مرحلة التحرر الوطني لتقرير المصير والاستقلال والعودة.
وعلى الصعيد الوطني، وفي معركة التصدي لصفقة العصر، وسياسات حكومة نتنياهو، استمر المطبخ السياسي في تعطيل قرارات الهيئات والمؤسسات الوطنية، بما فيها قرارات المجلس المركزي في دورتيه (2015+2018) والمجلس الوطني (30/4/2018) والرهان على إمكانية الوصول إلى «حل ما» مهما سيكون عنوانه بالمفاوضات الثنائية (وخارج مرجعية قرارات الشرعية الدولية، والمؤتمر الدولي، برعاية الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وإشراف الأمم المتحدة)، وبموجب ما بات يسمى «رؤية الرئيس في مجلس الأمن 20/2/2018»، وعلى إمكانية الوصول إلى «حل اقليمي» يتقرر على طاولة المفاوضات الثنائية برعاية عدد من الدول، دون مؤتمر دولي بقرار من الأمم المتحدة ومرجعية قرارات الشرعية الدولية السياسية والقانونية برعاية الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن الدولي وإشراف الأمم المتحدة.
لقد دعونا في بيان للمكتب السياسي في 11/8/2018 إلى حوار وطني شامل بحضور رئيس اللجنة التنفيذية للتوافق على مخرجات دورة المجلس المركزي 15/8/2018، تضمن وضع عربة الإنقاذ على السكة الصحيحة، ووضع حد لسياسة الدوران في الدائرة المفرغة، وسياسة الأبواب الدوارة، وسياسة تعطيل قرارات الإجماع الوطني عبر الإحالات المتكررة إلى لجان للدراسة وغيرها. بما في ذلك، وبشكل خاص القرار، الذي تقدمت به الجبهة الديمقراطية إلى المجلس الوطني وصوت عليه بالإجماع، برفع الإجراءات الظالمة بحق قطاع غزة خلال 24 ساعة كحد أقصى. غير أن هذه الدعوة لم تجد تجاوباً من قبل القيادة الرسمية، والقرار معطل حتى الآن، وإبقاء الوضع على ما هو عليه، والإمعان في سياسة تعطيل قرارات الإجماع الوطني، بل وفتح الأبواب لمزيد من التدهور، خاصة في ظل أوضاع سياسية هي من الأكثر خطورة في تاريخ قضيتنا وحركتنا الوطنية المعاصرة.
سنبقى حريصين على العمل على تعزيز الموقع التمثيلي لـ م.ت.ف بموجب قرارات الإجماع الوطني منذ مؤتمر الحوار الوطني في القاهرة (2005) وصولاً إلى تفاهمات القاهرة (22/11/2018) مروراً بجولات الحوار الوطني في العاصمة المصرية (2009+2011+2013)، ومخرجات اجتماع اللجنة التحضيرية في بيروت (كانون الثاني/يناير/2017).
لذلك وأمام موقف القيادة الرسمية الفلسطينية وإصرارها على تعطيل قرارات الإجماع الوطني والهيئات والمؤسسات الوطنية، وتهميشها، والتوغل أكثر في إضعافها، وحرصاً منا على صون النظام السياسي الفلسطيني، اتخذنا قراراً بمقاطعة دورة المجلس المركزي في رام الله في 15/8/2018 وعدم المشاركة في أعمالها.
إن النضال لإصلاح المؤسسة الوطنية من داخلها، وفي الميدان، وإخراج م.ت.ف والقضية الوطنية من المأزق السياسي الذي حشرهما فيه اتفاق أوسلو، سيبقى بنداً في مقدمة جدول أعمال الجبهة وبجانبنا القوى الوطنية الديمقراطية والليبرالية، إلى أن تنطوي صفحة الرهانات الفاشلة لصالح إستراتيجية الخروج من مسار أوسلو وتداعياته، إستراتيجية المقاومة والانتفاضة في الميدان، وفي المحافل والمنظمات الدولية وعزل إسرائيل والولايات المتحدة والخلاص من الاحتلال والاستيطان الاستعماري.
وبكلمة واحدة: الخلل في الحالة الفلسطينية الراهنة يتمثل في غياب المؤسسة الوطنية الجماعية والجامعة، غياب الديمقراطية التوافقية الائتلافية والانتخابية في مرحلة التحرر الوطني. بنينا زعامات كبيرة تحت سقف برامج القواسم المشتركة والائتلاف، جاء أوسلو وتداعياته وأنتج انقساماً سياسياً. جاء الانقلاب المسلح والسياسي لحماس (2007)، أنتج انقساماً مدمراً يعترف الآن أصحابه والجميع أنه مدمر.
في مواجهة «صفقة العصر»
■ ما مستقبل عملية التسوية في ظل الوضع الراهن فلسطينياً وعربياً ودولياً؟
■■ نحن نقف أمام عملية تسوية تتم على الأرض خطوة خطوة في إطار تطبيق «صفقة العصر». من القدس إلى الاستيطان إلى حق العودة إل شطب وكالة الغوث، وفرض الحصار المالي عليها وعلى السلطة الفلسطينية (دون أن توقف دعم الأجهزة الأمنية فقط أعلنت واشنطن أنها تواصل دفع 100 مليون دولار سنوياً للأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية). هذه كلها خطوات تندرج في إطار تطبيق التسوية الإسرائيلية الأميركية لتصفية القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية.
بالمقابل مازالت قيادة السلطة تعطل قرارات المؤسسات الوطنية وتكتفي بالمعارضة السياسية، ولا تتقدم خطوة واحدة على الأرض للرد على الإجراءات الميدانية بإجراءات وخطوات مضادة كما رسمتها قرارات المؤسسة الوطنية (المجلسين المركزيين، المجلس الوطني، قرارات الإجماع الوطني) بما فيها فك الارتباط بأوسلو وبروتوكول باريس.
لا يمكن التصدي لصفقة العصر والتمسك في الوقت نفسه باتفاق أوسلو. فضلاً عن أن «صفقة العصر» لا تطال القضية الفلسطينية فقط، بل وكذلك إعادة رسم الوضع الجيوسياسي للمنطقة كلها، والعبث بأوضاع دولها ومصالح شعوبها وثرواتها ومستقبلها، ما يجعل مسؤولية التصدي للصفقة واجباً رئيسياً على عاتق الحركة الوطنية الفلسطينية وجماهير شعبنا، وكذلك بالمستوى نفسه واجباً عل عائق الأحزاب العربية الوطنية والتقدمية والديمقراطية واليسارية والليبرالية وكل مكونات الحركة الشعبية العربية. وبهذا نقطع الطريق على «صفقة العصر»، ونعزل دولة الكيان، وننزع الشرعية عن الاحتلال، ونصون ثروات شعوبنا، واستقلالها وكرامتها الوطنية.
■ هل يمكن للإدارة الأميركية الحالية أن تمرر ما يسمى بـ«صفقة القرن» أم تنجح المقاومة الشعبية العربية في إجهاضها؟
■ ليست هي المرة الأولى التي تجابهنا مشاريع أميركية - إسرائيلية. على القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية والليبرالية وغيرها، في الحالتين الفلسطينية والعربية، أن تنظم صفوفها، وأن تدرك حقيقة المشروع الأميركي ومخاطره، وأن توفر الظروف الضرورية لاستنهاض عناصر القوة في المقاومة الشعبية الفلسطينية والعربية، بما في ذلك الضغط على الأنظمة العربية لتتخذ موقفاً يصون الحقوق العربية، عملاً بقرارات القمم العربية التي اعتبرت قمة الظهران 2018 في السعودية أنها «قمة القدس»، والآن صيانة الحقوق العربية والفلسطينية تستدعي وضع «الآليات العملية» لتطبيق قرارات القمة العربية.
المقاومة الشعبية العربية تستطيع أن تفعل الكثير، ندعو لتحشيد قوى الشعب إلى بناء جبهات وطنية وعربية عريضة في بلدانها، وجبهة وطنية/ قومية واسعة بين كل القوى الشعبية العربية.
■سؤال أخير.. لكنه مهم. ما هو رأيكم بقرار ترامب وقف تمويل وكالة الأونروا؟
■■ قرار ترامب وقف تمويل وكالة الأونروا يندرج في إطار تطبيق «صفقة العصر»، خطوة خطوة، حتى قبل الاعلان عنها. اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده إليها. واعترف بشرعية الاستيطان، خلافاً لمواقف الإدارات الأميركية السابقة، وها هو الآن يشطب وكالة الغوث من حساباته ويشطب حق العودة للاجئين. وبالتالي لا يتبقى، وفق الخطة الأميركية، ما يستحق التفاوض حوله، سوى قضايا الأمن والاقتصاد. فالمستوطنات والا عتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل رسمت الحدود، ورسمت مصير مستقبل المياه الجوفية، من وجهة نظر إسرائيل وأميركا، وكذلك مستقبل القدس، والآن مستقبل قضية اللاجئين. هنا نوصي في مواجهة هذه الصورة السوداء، دعونا ننظر إلى ردود الفعل الفلسطينية والعربية والدولية والأممية، وكلها اجتمعت على إدانة أو تخطئة، أو رفض قرار ترامب مؤكدة على أهمية وكالة الغوث ودورها في خدمة قضية اللاجئين، وكونها في الوقت نفسه عنواناً لاعتراف المجتمع الدولي بمسؤوليته الأخلاقية والسياسية عن قضية اللاجئين وحق العودة وضرورة تطبيق القرار 194.
نثمن موقف الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش، والأمين العام لجامعة الدول العربية الوزير أحمد أبو الغيط، كذلك نثمن مبادرة الحكومة الأردنية بدعوة وزراء خارجية الدول العربية لاجتماع استثنائي لبحث موضوع الوكالة بأن تكون إحدى مخرجات الاجتماع الدعوة لمؤتمر دولي تتبناه جامعة الدول العربية والأمم المتحدة لبحث توفير المال اللازم لوكالة الغوث وصون حق اللاجئين في خدماتها، وفي العودة إلى الديار والممتلكات.
يهمني أيضاً أن أشيد بمواقف أهلنا في المخيمات كافة، وفي القلب قطاع غزة، الذين فوتوا الفرصة على قرار ترامب، وأجروا المشاورات بحكمة وطنية، وأغلقوا الطريق أمام التفريق بين فلسطيني «مواطن» وآخر «لاجئ» في الاستفادة من خدمات الوكالة في غزة، وأكدوا أن خدماتها يجب أن تتوفر لهم جميعاً.
ردود الفعل على قرار ترامب أكد صحة ما نقوله على الدوام، إن المعارضة الكلامية للصفقة لا تكفي بل ضرورة الذهاب في الاشتباك الميداني معها لتطويقها وإحباطها. لذلك نؤكد على ضرورة الانتقال من المعارضة الكلامية إلى المعارضة الميدانية بتطبيق قرارات المجلس المركزي والمجلس الوطني بشأن تحديد العلاقة مع إسرائيل كما أوضحناه في سؤال سابق■
الاعلام المركزي
3/9/2018