ما بعد الاحتلال، الوضع السياسي في العراق


مؤيد احمد
الحوار المتمدن - العدد: 3552 - 2011 / 11 / 20 - 20:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


خلال اقل من شهرين سينتهي احتلال امريكا العسكري للعراق بعد دمار كبير وماسي انسانية عظيمة احدثته هذه الحرب، في بلاد كان يعيش وسط آثار معاناة وماسي حرب الخليج الاولي، اي الحرب العراقية -الايرانية، وحرب الخليج الثانية والحصار الاقتصادي لمدة 13 سنة واكثر من ثلاث عقود من الاستبداد البعثي الجرائمي.
شكلت هذه الحرب حربا امبريالية، حرب من حروب امريكا بوصفها دولة امبريالية وفي عصر صراع القوى الامبريالية العالمية على اعادة تقسيم العالم ومناطق النفوذ. كان مسرح هذه الحرب مكان يبتعد الاف والاف الكيلومترات عن امريكا ولكنها اقدمت عليها من اجل تحقيق مصالحها السياسية والستراتيجية العالمية والاقليمية وللسيطرة على مصادر البترول في العراق والمنطقة.
لم تكن نتيجة هذه الحرب والسياسات الامبريالية للنيو الليبرالية البرجوازية الامريكية التي كانت تقف ورائها غير تدمير بنيان المجتمع وتشديد التقسيم الطائفي للعراق ونشوب الحرب الطائفية وانتشار الارهاب والعمليات الارهابية مع ما انتجته من قتل مئات الالاف من السكان الابرياء في العراق. ان اسقاط النظام البعثي الفاشي عن طريق هذه الحرب لم يؤد لا الى بناء نظام سياسي متقدم ولا الى فتح المجال امام الجماهير لتحقيق اراداتها السياسية بل على العكس من ذلك ارتبط اسقاط النظام و تبديله بنظام سياسي رجعي اخر ومنذ البداية بستراتيجة الحرب نفسها والاهداف التي شنت الحر ب من اجلها.
فما ان انتهت الحرب واسقط النظام حتى بدات عملية تسليم امر حكم العراق والتلاعب بمقدرات سكانه بشكل فعلي الى تيارات الاسلام السياسي الشيعي والسني والتيار القومي العربي والكردي واحزبها وقواها من خلال ما يطلقون عليه اسم "العملية السياسية". قامت امريكا بحل الجيش في العراق وقامت ببناء الحكومة والجيش والشرطة وجميع اجهزة الدولة من جديد وبالاستناد على تلك القوى القومية والاسلامية المشاركة في الحرب على العراق بشكل اساس. وبالتالي تم انشاء الحكومة القومية والاسلامية، على حساب خنق ارادة الجماهير وابعادها عن التدخل السياسي في ترسيم النظام السياسي في العراق. مع سقوط النظام البعثي وانتهاء الحرب بدات ايران وباشكال مختلفة تتدخل في ترسيم الحياة السياسية في العرا ق من القيام بالارهاب والحملات الارهابية بشكل مباشر الى تحقيق ستراتيجيتها واجندتها السياسية عن طريق قوى واحزاب الاسلام السياسي الشيعي الفاعلة في العراق.
سينتهي الاحتلال الامريكي للعراق قريبا ولكن الحرب والاحتلال مع ما احدثتاه من الدمار والماسي ستبقى الجريمة المروعة ضد البشرية المعاصرة التي تدفع بالقوى التحررية والاشتراكية والشيوعية العمالية في العالم قاطبة ان تصر بحزم اكبر على نضالها وحربها على راس المال والراسمالية والامبريالية وحروبها. لقد فشلت ستراتيجية امريكا في العراق ولكن على حساب قتل عدة مئات الاف من العراقيين وقتل اكثر من اربعة الاف جندي امريكي والدمار والماسي الانسانية الكبيرة التي خلقها الاحتلال، انها جريمة مروعة ضد البشرية اقدمت عليها امريكا وبريطانيا وحلفائها في التاريخ المعاصر.
الاسلام السياسي صعد الى الحكم في العراق
متاخرا
يمر العراق اليوم ونحن مقبلون على انتهاء الاحتلال باوضاع سياسية حساسة للغاية ليس فقط اثر انتهاء الاحتلال وتاثيره على تغيير توازن القوى البرجوازية الاسلامية والقومية المتسلطة والمتحكمة بالحياة السياسية في العراق وكذلك تغيير توازن القوى الاقليمية المتدخلة في الحياة السياسية في العراق بل بسبب التغييرات السياسية الحاصلة ايضا في المنطقة من وقوع الثورات وانتشار الاوضاع الثورية فيها الى التعقيدات الحاصلة في مسار تلك الثورات وتدخل الناتو في ليبيا واوضاع سوريا المقبلة على التغيير. اخذين كل ذلك بنظر الاعتبار فان العراق لايمكنه كذلك ان يكون بمعزل عن آثار ازمة راس المال العالمية وأثار التصاعد في الحركة العمالية والاحتجاجات التقدمية للجماهير بوجه راس المال والراسمالية وتصدي الجماهير لها كي لايلقي بثقل ازمتها على كاهلها في بقاع العالم المختلفة وخاصة في اوروبا وامريكا.
ان الحروب الامبريالة لازالت تشكل احدى ادوات الراسمالية المعاصرة لجلب الدمار على البشرية واستخدامها كي تخرج من ازمتها الحالية مع ما ترافق ذلك من تهديد لحياة البشرية و افاق تحررها الثوري، كما ان صعود التيارات الفاشية في اوروبا هي ايضا احدى الاحتمالات و لكن احد اهم التغييرات الحاصلة في المسرح السياسي العالمي هي ان الطبقة العاملة والجماهير المحرومة باتت تدخل معركتها بوجه راس المال والراسمالية بشكل لم يسبق لها مثيل في عدة عقود الاخيرة. ان الثورات في العالم العربي والاعتراضات العمالية والجماهيرية في اوروبا وامريكا تشكل سلسلة واحدة من الاحداث تجري في خضم ازمة راس المال و الراسمالية العالمية وفي عهد العولمة .
فالاسلام السياسي الشيعي والسني في العراق اخذ يدخل الحياة السياسة في العراق متاخرا بالاساس اذ انه بدا يسيطرعلى حياة ومقدرات الجماهير في العراق في الوقت الذي باتت المنطقة تدخل عهد التحولات الثورية والثورة، فالتغيير والخلاص من الاستبداد والجمود السياسي الفوقي ومن التخلف والفقر والبطالة واللامساواة صارت راية النضال الثوري الصاعد للطبقة العاملة والبشرية التحررية في المنطقة واوروبا بشكل قل مثيله.
التغييرات الثورية الحاصلة في المنطقة وكذلك انعكاس التراجعات والتدخلات الاجنبية او التعقيدات في مسار الثورات في العالم العربي صارت تلقي بظلالها على صراعات قوى الاسلام السياسي الشيعي والسني في العراق باشكال مختلفة. ان انسداد الافاق السياسية امام التيارات البرجوازية الاسلامية والقومية في قلب الاوضاع المتحولة الحالية لبناء نظام سياسي برجوازي راسخ ومتين وموحد امر واقع. ان هذا الانسداد في الافاق وتاخر الاسلام السياسي الشيعي والسني في دخول مسرح حكم الحياة السياسية في العراق يعكس نفسهما في تصاعد حركة فدرلة العراق وتشتته وتصاعد النبرات والاحتكاكات الطائفية والقومية من جهة ومن جهة اخرى في تصاعد وتيرة الاستبداد السياسي والتحرك باتجاه ترسيخ اسس النظام القمعي واقصاء الاخرين في العملية السياسية على ايدي تيار الاسلام السياسي الشيعي الحاكم وتهميش من ابتعد، في معسكر البرجوازية، عن مصادر القوة والسلطة والنفوذ في العراق.
ان الحديث عن الاحتمالات والتنبؤ بما يحدث في المستقبل غير دقيق سياسيا ولكن بالرغم من ذلك لا يمكننا ان نبعد في تقييمنا للاوضاع احتمالات انزلاق العراق الى المزيد من الصراع القومي والطائفي والفدرلة. ان السياسة الثورية هو ان نواجه في ان واحد السلطة و الدولة الحالية وقوى الفدرلة الاثنية والقومية. بالرغم من تصاعد حركة الفدرلة اخيرا في العراق لكن وقائع الحياة السايسية في العراق يحددها ولحد هذه اللحظة بشكل اساسي الدولة ودورها القمعي. من يستولى من التيارات والاحزاب على الدولة واجهزتها القمعية ومواردها المالية هو الذي يتحكم بالاساس بتحديد المسارات السياسية الاساسية في العراق وهذا هو ما يتمتع به تيار الاسلام السياسي الشيعي واحزابها الان وبمساندة ايران وهذا هو الامر الذي يحصل الان في العرا ق بشكل ملموس.
ان المهمة بالنسبة لنا الشيوعيين والثوريين واليسار والقادة العماليين والاشتراكيين تكمن في تقوية نضال وتفعيل دور الطبقة العاملة والجماهير المحرومة والتحررية في العراق والارتقاء باقتدراها النضالي بمثابة قوة ثورية اساسية في مسرح الحياة السياسية في العراق وبمثابة جزء من قوى الثورة في المنطقة والعالم. فبالرغم من تراجع مؤقت ونسبي في الحركات الاحتجاجية بشكل المظاهرات في العراق في الاونة الاخيرة غير ان دوافعها واسبابها لا تزال موجودة واحتمالات ظهورها المجدد وبشكل اوسع واشد تقف على ارضية صلبة وخاصة مع كل تطور ثوري مقبل يشهده المنطقة.
نبذ الذيلية لاطروحات البرجوازية القومية والاسلامية
وموقف البروليتاريا الثورية
الطبقة العاملة لا يمكنها ان تنجر وراء التقسيمات الطائفية و الفيدرالية التي تطرحها تيارات الاسلام السياسي السني والقوميين العرب والكرد وكذلك لايمكنها ان تكون مساندة لدولة مركزية استبدادية وسياسات القوى المتسلطة على الحكم من تيار الاسلام السياسي الشيعي. الذيلية والانجرار وراء الحركات البرجوازية في العراق من قبل اي تيار سياسي كان من معسكر اليسار والطبقة العاملة ليس الا عمل انتهازي وليس الا نقل نفوذ التيارات البرجوازية القومية والاسلامية والطائفية الى اوساط اليسار والحركة العمالية. الاسلام السياسي الشيعي والتيار القومي العروبي مشتركان في كونهما غير قادران على حكم العراق بطريق مبني على اسس مدنية والمواطنة المتساوية فكلاهما يسعيان لطبع ايديولوجيا الدولة بطابع قومي وديني بما يخلق ذلك من خرق ابسط اسس الحرية والموطنة المتساوية.
ان التصدي لـ والوقوف بوجه الافعال والاعمال التي تقوم بها هذه القوى، البرجوزاية القومية والاسلامية، من موقع الطبقة العاملة غير ممكن بدون اتخاذ موقف ثوري واممي. لا يمكن مواجهة القوى البرجوازية الاسلامية والقومية في العراق وسترايتجيتها و سياساتها القومية والطائفية وكذلك المركزية الاستبدادية بشكل ثوري الا من موقع الاممية البروليتارية الثورية التي تناضل ضد جميع العلاقات القسرية والاجبار في علاقة ووحدة العيش المشترك والحر للجماهير في مختلف مناطق واقاليم العراق من جهة، ومن جهة اخرى، تناضل من اجل انشاء حكومة عمالية ونظام سياسي مجالسي مبني على الارادة الحرة والثورية للطبقة العاملة والجماهير الثورية.
من البديهي، ان دفع المسار السياسي في العراق باتجاه الفدرلة الاثنية والطائفية مع ما يتمخض عنها من مخاطر انزلاق البلاد الى اتون حرب طائفية اخرى وتشديد التقسيمات الطائفية والقومية ليست لمصلحة الطبقة العاملة والجماهير الكادحة والتحررية في العراق. كما وان الابقاء على الوضع الحالي واستمرار التيارات الاسلامية والقومية باحتكار السلطة وفرض الاستبداد ليس من مصلحتها كذلك. ان جميع تلك التيارات البرجوازية الاسلامية والقومية في الحكم كانت او في المعارضة، يحكم على صعيد البلاد او على صعيد اقليم فيدرالي هي العدو الطبقي للعمال وبصدد خنق الحريات السياسية بدرجات مختلفة وايجاد احسن الظروف السياسية لها لاخذ اكبر حصة ممكنة من فائض قيمة عمل العمال واكبر ما يمكن من الموارد والثروات.
الطبقة العاملة والعمال العاطلين عن العمل والفئات الكادحة والجماهيرالمحرومة هي التي تشكل اكثرية سكان العراق وهي التي تعاني من وقع الاوضاع والتقسميات الحالية او الحرب الطائفية المحتملة. فالطبقة العاملة وقوى الجماهير الثورية والحركة الشيوعية العمالية هي التي بامكانها تقديم حل سياسي فعلي للخروج من مازق الاوضاع الحالية. ففي الساحة السياسية وميدان الصراعات السياسية الاساسية في العرا ق، لم تكن الطابع السائد ولحد الان الاغياب دور الطبقة العاملة السياسي في حين ان الحل يكمن في دخول الطبقة العاملة بشكل ثوري الساحة السياسية رافعة رايتها بوجه البرجوازية الفيدرالية والمتحكمين بالسلطة الحالية في العراق. الحل يكمن في اعلان الطبقة العاملة للمجتمع عن افلاس حكم تلك القوى البرجوازية كقوى حاكمة ومتسلطة في العراق.
واضح ان التيارات البرجوازية القومية والاسلامية في العراق تريد ان تتحكم بالصراع الدائر فيما بينها بشكل لا يفلت زمام الامور من ايديها. ولكن وبالمقابل ان قانون حركة الصراع السياسي فيما بين تلك التيارات البرجواية على السلطة وتقاسم السلطة من المحتمل ان يتخطى ذلك التحكم اذ لا يتحرك الصراع وفق منطق التقسيم والمحاصصة فقط بل يتحرك وفق منطق الصراع السياسي ايضا مع ما يترتب عن ذلك من ادخال كل ادوات الحرب في الصراع بين تلك القوى. ان الانزلاق نحو التقسيم الطائفي والفيدراليات من جهة او تشديد تمكز السلطات في ايدي المالكيين وترسيخ الاستبداد وتهميش منافسييه السياسيين من جهة اخرى يشكلان وجهين مختلفين لنتائج ذلك الصراع. وبالتالي، ليست من مصلحة الطبقة العاملة والجماهير الثورية، وبطبيعة الحال، تبني سياساتها على منطق حركة صراع تلك القوى البرجوازية. المطلوب هو رفع رايتها الطبقية المستقلة بوجه مجمل التيارات البرجوازية كي تكون بامكانها ان تسد الطريق على فرض اي مسار كان من مسارات الصراع بين القوى البرجوازية على المجتمع.



تعليقات الفيسبوك