جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية 4) - ج5 (مقال مُترجَم)
حسين محمود التلاوي
2026 / 6 / 24 - 08:09
أ. الاشتراكية الطوباوية البريطانية
IV
يؤكد البروفيسور فوكسويل، من جامعة كامبريدج، وهو من أشد خصوم الاشتراكية، أن ريكاردو لا أوين هو الذي زوّد الاشتراكية البريطانية بأصدق أسلحتها الفكرية. غير أن هذا الرأي غير صحيح. صحيح أن إنجلز أشار منذ وقت مبكر إلى أن نظريات الاشتراكية المعاصرة، بقدر ما استمدت عناصرها من الاقتصاد السياسي البرجوازي، كانت تعتمد في معظمها على نظرية القيمة عند ريكاردو. وكان لذلك ما يبرره. ومع ذلك، فمن المؤكد أن عددًا كبيرًا من الاشتراكيين البريطانيين الذين استندت تعاليمهم إلى نظرية القيمة عند ريكاردو كانوا من تلامذة أوين، وأنهم اتجهوا إلى الاقتصاد السياسي البرجوازي تحديدًا لأنهم أرادوا، من خلال الإفادة من نتائجه، المضي أبعد في الطريق الذي رسمه لهم معلمهم.
بالنسبة إلى الذين لا يصح وصفهم بالأوينيين، فإننا نجدهم على صلة فكرية وثيقة بالفوضوي الشيوعي جودوين. وقد لجؤوا إلى ريكاردو لكي يكشفوا، من خلال نظريته ذاتها، التناقض القائم بين الاقتصاد السياسي ومبادئه النظرية الأساسية.
ومن بين تلامذة أوين أذكر أولًا وليم طومسون. ففي مقدمة العمل الذي أشرت إليه آنفًا، يتساءل طومسون كيف لأمة تفوق غيرها في وفرة المواد الخام والآلات والمساكن والغذاء، وتضم منتجين أذكياء ومجتهدين، أن تظل ترزح تحت وطأة الحرمان. وهذا هو السؤال ذاته الذي شغل أوين منذ مطلع القرن التاسع عشر، والذي صاغه بوضوح في عدد من مؤلفاته.
ويتساءل طومسون كذلك عن السبب الذي يجعل ثمار عمل العمال تُنتزع منهم على نحو غامض ومن دون ذنب اقترفوه. ونجد هذا السؤال متكررًا في معظم كتابات أوين. غير أن طومسون يدرك أن مثل هذه الأسئلة هي التي تدفعنا إلى الاهتمام بمسألة توزيع الثروة. ومن ثم، فإذا كان قد اتجه إلى ريكاردو — وقد فعل ذلك بالفعل واستفاد منه كثيرًا — فإنما كان ذلك نتيجة للتأثير السابق الذي مارسه أوين عليه.
ولا ريب أن ريكاردو كان أقوى من أوين بكثير في ميدان الاقتصاد السياسي. غير أن طومسون تناول مشكلات الاقتصاد السياسي من زاوية تختلف تمامًا عن الزاوية التي تناولها منها ريكاردو. فقد أكد ريكاردو وبرهن أن العمل هو المصدر الوحيد لقيمة المنتجات، لكنه تقبل في الوقت نفسه واقع المجتمع البرجوازي الذي يحكم على العمال بالخضوع والبؤس. لكن طومسون فلم يستطع قبول هذا الوضع؛ فقد أراد لنظام توزيع الثروة أن يتوافق مع القانون الأساسي للإنتاج، أي أن تعود القيمة التي يخلقها العمل إلى العمال أنفسهم. وفي عرضه لهذا المطلب كان يسير على خطى أوين.
وقد رفع جميع الاشتراكيين البريطانيين الآخرين الذين استندوا إلى نظرية ريكاردو الاقتصادية المطلب نفسه في نقدهم للمجتمع البرجوازي. وكان العمل الرئيسي لريكاردو قد نُشر سنة 1817. وفي عام 1821 ظهرت بالفعل رسالة قصيرة مجهولة المؤلف، على هيئة رسالة مفتوحة إلى اللورد جون راسل، تكشف أن المجتمع البرجوازي قائم على استغلال العمال. ثم تلتها سلسلة من المؤلفات الأخرى الجديرة بالاهتمام.
ولم يكن جميع أصحاب هذه المؤلفات من أتباع روبرت أوين؛ فبعضهم كانوا من الكُتّاب الذين مالوا بدرجات متفاوتة إلى الفكر الفوضوي. ومن بين تلامذة أوين، إلى جانب طومسون، أذكر جون جراي وجون براي. أما من الكُتّاب الأقرب إلى الفوضوية فأذكر بيرسي رافنستون وتوماس هودجسكين.
وقد طُويت أعمال هؤلاء جميعًا في غياهب النسيان زمناً طويلًا. وحين أُعيد اكتشافهم لاحقًا — ويرجع الفضل في ذلك جزئيًا إلى ماركس الذي أشار إليهم في سجاله مع برودون — قيل إن مؤلفاتهم كانت المصدر الذي استقى منه ماركس نظريته في فائض المنتج وفائض القيمة. بل إن آل ويب وصفوا ماركس بأنه "التلميذ اللامع لهودجسكين".
غير أن هذا الزعم لا يمت إلى الحقيقة بصلة. صحيح أننا نجد في كتابات الاشتراكيين البريطانيين نظريات حول استغلال رأس المال للعمل، بل ونجد فيها تعبيرات مثل "فائض المنتج" و"فائض القيمة" و"القيمة الإضافية". لكن القضية لا تتعلق بالألفاظ، بل بالمفاهيم العلمية. ومن هذه الناحية، فإن كل باحث مطلع ومحايد لا بد أن يقر بأن هودجسكين، على سبيل المثال، كان بعيدًا عن ماركس بقدر لا يقل عن بُعد رودبرتوس عنه.
ولم يعد أحد اليوم يصف ماركس بأنه تلميذ لرودبرتوس، ومن المأمول أن يتوقف الناس قريبًا عن وصفه بأنه تلميذ للاشتراكيين البريطانيين في عشرينيات القرن التاسع عشر.
ومع ذلك، فليس هذا هو المهم؛ فحتى لو لم يكن ماركس تلميذًا لهودجسكين أو طومسون أو جراي، فإن الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن هؤلاء الاشتراكيين البريطانيين بلغوا من الوضوح في التصورات السياسية والاقتصادية ما كان نادرًا في عصرهم. وقد استطاعوا، كما قال ماركس نفسه، أن يخطوا خطوة ذات شأن في التقدم على ريكاردو.
ولهذا السبب تحتل أعمالهم مكانة بالغة الأهمية في تاريخ النظرية الاشتراكية. فمن هذه الناحية كانوا متقدمين كثيرًا على الاشتراكيين الطوباويين في فرنسا وألمانيا. ولو أن نيكولاي جافريلوفيتش تشيرنيشيفسكي كان قد اطلع على مؤلفاتهم، لربما آثر ترجمة أحد أعمالهم بدلًا من ترجمة كتابات جون ستيوارت ميل.
رابط الجزء الأول:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=917949&nm=1
رابط الجزء الثاني:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=918514
رابط الجزء الثالث:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=918863&nm=1
رابط الجزء الرابع:
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=921650&r=0