جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية 2) - ج3 (مقال مُترجَم)


حسين محمود التلاوي
2026 / 5 / 23 - 02:28     

هذه النص الجزء الثالث من الترجمة الكاملة للنسخة الإنجليزية من مقال "الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر" للمفكر الشيوعي جورجي بليخانوف، ومصدره موقع الأرشيف الماركسي على الإنترنت.
......
أ. الاشتراكية الطوباوية البريطانية
II
في مطلع عام 1800، كان أوين مديرًا لمصنع كبير لغزل القطن في نيو لانارك، باسكتلندا. وكان "الفقراء" العاملون في المصنع يعملون كثيرًا ويتقاضون أجورًا زهيدة، ومدمنين على الكحوليات، وكثيرًا ما يُضبطون في جرائم سرقة، وكان مستواهم الفكري والأخلاقي متدنيًّا بوجه عام. وعندما أصبح أوين مديرًا للمصنع، سارع إلى تحسين الظروف المادية لعماله. فخفض يوم العمل إلى عشر ساعات ونصف، [16] وعندما توقف المصنع عن العمل عدة أشهر بسبب نقص المواد الخام، لم يُلقِ "الفقراء" إلى الشوارع كما كان يحدث عادة — وما يزال يحدث — أثناء فترات "الكساد" والأزمات، بل استمر في دفع أجورهم كاملة. وإلى جانب ذلك، أبدى اهتمامًا بالغًا بتنشئة الأطفال وتعليمهم، وكان أول من أدخل رياض الأطفال إلى بريطانيا.
وقد أثبتت نتائج هذه الجهود نجاحًا باهرًا من جميع الوجوه؛ فقد تحسن المستوى الأخلاقي للعمال بصورة ملحوظة، واستيقظ فيهم الشعور بكرامتهم الإنسانية. وفي الوقت نفسه، ازدادت أرباح المشروع بدرجة كبيرة. كل ذلك جعل من نيو لانارك مكانًا جذابًا للغاية لكل أولئك الذين، بدافع من طيبة قلوبهم، لم يمانعوا في الإبقاء على الخراف ما دامت الذئاب لا تجوع. واكتسب أوين شهرة واسعة بوصفه محسنًا، بل إن كثيرًا من كبار الشخصيات كانوا يزورون نيو لانارك بسرور، ويتأثرون بمشهد الرفاه النسبي الذي ينعم به "الفقراء" هناك. ومع ذلك، فإن أوين نفسه لم يكن راضيًا قط عمّا حققه في نيو لانارك؛ فقد قال بحق إن عماله، على الرغم مما يتمتعون به من رفاه نسبي، ظلوا عبيدًا له. وهكذا، فإن المحسن الذي أثار بإحسانه إلى العمال إعجاب أشد الرجعيين قسوة، أخذ يتحول تدريجيًا إلى مصلح اجتماعي يثير الرعب في نفوس جميع المحترمين" في المملكة المتحدة بسبب "تطرفه".
وكما كانت حال هول، اندهش أوين من ذلك الوضع المتناقض الذي أدى فيه نمو القوى المنتجة في بريطانيا إلى إفقار الناس أنفسهم الذين كانوا يستخدمون تلك القوى؛ فقال: "إن العالم اليوم مغمور بالثروة — وبوسائل لا تنفد لزيادتها أكثر فأكثر — ومع ذلك فالبؤس منتشر! ذلك هو الواقع الفعلي للمجتمع الإنساني في هذه اللحظة". وكانت الوسائل متوافرة لمنح الناس الثروة والاستنارة والرضا، ومع ذلك — كما مضى يقول — كانت الكتلة الكبرى من البشر تعيش في أعماق الفقر، وتفتقد الغذاء الكافي. ولم يكن ممكنًا أن تستمر الأمور على هذا النحو؛ بل كان لا بد من تغيير نحو الأفضل. وهذا التغيير سيكون في غاية السهولة. [17] "إن العالم يعرف الشر القائم ويشعر به: وسوف ينظر إلى النظام الجديد المقترح — ويوافق عليه — ويريد التغيير — وعندئذٍ يحدث كل شيء". [18]
ولكن لكي يوافق العالم على الإصلاح المقترح، كان لا بد أولًا من توضيح ماهية الإنسان بطبيعته، وما الذي صنعته منه الظروف المحيطة به، وما الذي يمكن أن يصبح عليه في ظل ظروف جديدة تتفق مع مقتضيات العقل. ووفقًا لأوين، كان ينبغي أن يولد عقل الإنسان من جديد قبل أن يصبح حكيمًا وسعيدًا. [19] ومن أجل تعزيز هذا الميلاد الجديد للعقل البشري، كتب أوين مقالاته الشهيرة حول تكوين الطابع الإنساني. [20]
وكما كان جودوين، كان أوين مقتنعًا اقتناعًا راسخًا بأن طابع الإنسان تحدده ظروف محيطه الاجتماعي، بصرف النظر عن إرادته؛ فالإنسان يكتسب آراءه وعاداته من بيئته، وهذه بدورها تحدد سلوكه. ولذلك يمكن أن يُغرس في سكان أي بلد — بل وفي سكان العالم بأسره — عبر التدابير المناسبة، أي نوع من الطباع، من الأسوأ إلى الأفضل. وتتوافر الوسائل اللازمة لذلك تحت تصرف الحكومة؛ فبوسع الحكومة أن تتصرف بطريقة تجعل الناس يعيشون من دون فقر أو جريمة أو عقاب؛ لأن هذه الأمور ليست سوى نتائج للتربية الخاطئة والحكم السيئ. وبما أن هدف الحكومة هو إسعاد المحكومين والحكام معًا، فعلى الذين يمتلكون السلطة السياسية أن يشرعوا فورًا في إصلاح النظام الاجتماعي. [21]
وكانت الخطوة الأولى نحو هذا الإصلاح تتمثل في إعلانٍ عام بأن أحدًا من أبناء الجيل الحالي لن يُحرم من ملكيته، ثم ينبغي أن يتبع ذلك إعلان حرية الضمير؛ وإلغاء المؤسسات ذات الأثر الضار في أخلاق الناس؛ وإعادة النظر في قانون الفقراء؛ وأخيرًا — وهو الأهم — اتخاذ تدابير لتعليم الشعب وتنويره.
"إن كل دولة، لكي تُحكم حكمًا صالحًا، ينبغي أن توجه اهتمامها الرئيسي إلى تكوين الطابع الإنساني؛ وأفضل الدول حكمًا هي التي تمتلك أفضل نظام وطني للتعليم". [22] ويقول أوين إن نظام التعليم يجب أن يكون موحدًا في جميع أنحاء الدولة.
وقد انصبت تقريبًا مجمل نشاطات أوين الأدبية والدعائية اللاحقة على تطوير الآراء المذكورة أعلاه والدفاع عنها بحماسة أمام الرأي العام. وهكذا، وتمسكًا بمبدأ أن طابع الإنسان يتحدد بتأثير الظروف المحيطة به، طرح أوين سؤالًا عن مدى ملاءمة الظروف التي يعيش فيها العمال البريطانيون منذ طفولتهم. وبحكم معرفته الجيدة بأوضاع العمال المعيشية، ولو من خلال ملاحظاته في نيو لانارك وحدها، لم يكن بوسعه إلا أن يجيب بأن هذه الظروف شديدة السوء. ووفقًا له، فإن انتشار المصانع في أرجاء البلاد أفسد أخلاق السكان، وهذا الفساد الأخلاقي جعلهم تعساء. وكان هذا الشر الأخلاقي بالغ الأسى، ولا يمكن وقفه إلا عبر تدخل تشريعي وتوجيه حكومي. [23] ولم يكن بالإمكان تأجيل ذلك إلى أجل غير مسمى. فإذا كان وضع العمال قد أصبح أسوأ مما كان عليه من قبل، فإنه مع مرور الزمن سيزداد سوءًا. وكان تصدير السلع المصنعة قد بلغ — على الأرجح — أقصى مداه، ثم سيبدأ في التراجع بسبب منافسة الدول الأخرى، وهو ما سيؤثر بدوره تأثيرًا خطيرًا ومقلقًا في أوضاع الطبقة العاملة. [24]
وطالب أوين البرلمان بإصدار قانون للمصانع يخفّض يوم العمل إلى عشر ساعات ونصف في المؤسسات التي تستخدم الآلات. وكان ينبغي أن ينص القانون على حظر تشغيل الأطفال دون العاشرة، وكذلك الأطفال الأكبر سنًا الذين لا يجيدون القراءة والكتابة. وكان هذا مطلبًا محددًا تمامًا في مجال التشريع الصناعي. وقد طرح أوين هذا المطلب «باسم ملايين الفقراء المهملين». [25] وأُقِرَّ هذا المطلب أخيرًا، ولكن في صورة مبتورة إلى حد بعيد، بموجب قانون برلماني صدر سنة 1819. [26] ولسوء الحظ، فإن هذا القانون نفسه، الذي بُترت فيه مطالب أوين، بقي حبرًا على ورق؛ إذ لم يتخذ البرلمان أي خطوات لتنفيذه. وقد أفاد المفتش العام للمصانع لاحقًا بأن "الأحداث والأطفال كانوا، قبل قانون سنة 1833، يعملون طوال الليل وطوال النهار، أو كليهما، بحسب المشيئة". [27]
ولم يقتصر أوين على المطالبة بالتشريع الصناعي، بل حاول أيضًا إجراء مراجعة لقانون الفقراء، وكان يرغب في إنشاء قرى خاصة للعاطلين عن العمل، يستطيعون فيها الاشتغال بالأعمال الزراعية والصناعية. وقد أطلق أوين على هذه القرى، التي علّق عليها آمالًا كبيرة، اسم "قرى الوحدة والتعاون المتبادَل". [28] وكان يعتقد أنها ستصبح وسيلة لاتخاذ تدابير جادة من أجل التربية الصحيحة للعمال، وغرس نظرة عقلانية إلى الحياة في نفوسهم. وإذ كان يؤمن بأن هذه "القرى" يمكن أن تصبح مزدهرة بسهولة، فقد رآها خطوة أولى على طريق نظام اجتماعي لا يوجد فيه "فقراء" ولا "أثرياء" ولا "عبيد" ولا "سادة". ولم يكن من قبيل المصادفة أنه اقترح "تأميم الفقراء". [29] وكان ذلك ضروريًّا بالنسبة إليه؛ لأنه، في خطته الأصلية، اقترح — كما ذكرتُ سابقًا عند عرض مضمون مقالاته — أن يكون نظام التعليم موحدًا في جميع أنحاء الدولة.
وفي وقت مبكر يعود إلى سنة 1817، وضع أوين تقديرًا تفصيليًّا للنفقات المتوقعة لبناء "قرى الوحدة والتعاون المتبادَل". ولا حاجة إلى القول إن الحكومة لم تكن تنوي منح الأموال اللازمة لهذا المشروع. وبعد ذلك، في سنة 1834، عدّلت بالفعل قانون الفقراء، ولكن ليس بالطريقة التي اقترحها المصلح؛ فبدلًا من "قرى الوحدة والتعاون المتبادَل"، حُشر الفقراء المعدمون في ملاجئ عمل لا تختلف عن السجون الجنائية.
وبعد الإخفاق في محاولات حمل "الحُكَّام" على تنفيذ الإصلاح الاجتماعي، شعر أوين — على الرغم من أنه لم يفقد ثقته في حسن نياتهم — بأنه مضطر إلى محاولة تحقيق أفكاره العزيزة بموارده الخاصة، وبمساعدة من يشاركونه الرأي. لذا بدأ في إنشاء مستعمرات شيوعية في المملكة المتحدة وأمريكا الشمالية. غير أن هذه المحاولات لتطبيق المثال الشيوعي ضمن الحدود الضيقة لمستوطنة واحدة انتهت إلى الفشل، وكادت أن تؤدي إلى إفلاس أوين. وكانت أسباب هذا الفشل كثيرة؛ ومن أهمها ما كشف عنه أوين نفسه حين قال إن نجاح مثل هذه المشاريع يفترض امتلاك المشاركين فيها لميول أخلاقية معينة، وهي ميول لم تكن شائعة بينهم في زمن كانت البيئة الاجتماعية تشوه فيه الطابع الإنساني تشويهًا شديدًا. وهكذا تبيّن أن المجتمعات الشيوعية كانت ضرورية من أجل منح الناس تربية صحيحة، وفي الوقت نفسه كانت هذه التربية شرطًا أوليًّا ضروريًّا نجاح المجتمعات الشيوعية. وهذا هو التناقض الذي تحطمت عليه نيات طيبة كثيرة خلال القرن الماضي، ولا يمكن حله إلا عبر العملية التاريخية لتطور المجتمع ككل — أي عملية التكيف التدريجي لطابع الإنسان مع الظروف الجديدة المتشكلة تدريجيًا لوجوده. غير أن الاشتراكية الطوباوية لم تأخذ في الحسبان إلا قليلًا جدًّا من تطور التاريخ. وكان أوين يحب أن يقول إن النظام الاجتماعي الجديد قد يأتي فجأة "مثل لص في الليل".

رابط الجزء الأول:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=917949&nm=1

رابط الجزء الثاني:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=918514