لماذا لاتشكل الحرية هدفا عراقيا ؟؟
سلمان رشيد محمد الهلالي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 02:41
المحور:
قضايا ثقافية
مقاربات حول سبب عدم الاهتمام بمفهوم الحرية في العراق .
ارتبط مفهوم (الحرية) بالوطن في الفكر الغربي الحديث . فمع وجود (الحرية) يكون (الوطن) ، واذا لم تحصل الحرية فان الوطن يسمى (بلد) ، لذا قل ماركس (ليس للعمال وطن) . بمعنى ان الربط بين الاثنين ليس عاطفي او شاعري - كما في عبارة نوال السعداوي - (الوطن حيث يكون الحب وتكون الحرية) ، وانما ربط موضوعي وعقلاني وحقيقي . وجعلوا بدلا عن تسمية (الوطن) للدول الاستبدادية والديكتاتورية تسمية (البلد) . ومن هنا جاءت عبارة روسو (من لاوطن له ، فلديه بلاد على الاقل) ، او تأكيد موباسان (اذا ذهبت الحرية عن بلاد ، بقيت البلاد ، ولكن غاب الوطن) .
الا ان مفهوم (الحرية) يكتنفه الغموض في عالمنا الاسلامي والعربي والعراقي . بل قد يكون لايفهمه اصلا بحسب التصور الغربي الحديث ، ونعني به انعدام القسر وحرية التعبير والعمل والسفر والاعتقاد والنقد وغيرها . ويمكن ارجاع سبب ذلك مقاربات عدة اهمها :
1 - ان مصطلح (الحرية) مفهوم غريب عن المجتمعات الاسلامية والعربية (وطبعا العراقية) ، وليس له اصل او وجود في تراثنا العربي والاسلامي ، حيث ان القران لم يذكر كلمة (الحرية) . . ففي محاضرة للمفكر الامريكي برنارد لويس (1916 – 2018) (الفديو في اول التعليق) ذكر بان الشيخ المصري رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873)عندما سافر مع اول بعثة طلابية مصرية عام 1826 ارسلت للدراسة في فرنسا في القرن التاسع عشر ، واجهت الطهطاوي مشكلة فكرية وهى : ان الفرنسيين عندما يذكرون كلمة (الحرية) فانهم يذكرونها بغير التصور السائد في العالم العربي انذاك ، وهى ثنائية (الاحرار والعبيد) - اي هناك اسياد واحرار وهناك عبيد او اقنان يملكونهم او يعملون عندهم - فتعجب الطهطاوي عن سبب ذكر - او فخر - الفرنسيين بالحرية ومناداتهم بها ، فيما هم بالاصل احرار ، لانهم ليسوا عبيد ، وفق التصور الشرعي الاسلامي . اي انه فهم الحرية والعبودية بحسب الفهم الاسلامي عندنا ، وليس بحسب الفهم العصري او الاوربي او الغربي للحرية كاستعارات للحقوق المدنية ومعارضة الحكم الاستبدادي . ويبدو ان الطهطاوي استند الى القران بحسب هذا الفهم والتصور ، فالقران مثلا لم يذكر كلمة (الحرية) مطلقا – كما قلنا - وانما ذكر الاية (الحر بالحر والعبد بالعبد) (البقرة 178) , ويبدو من سياق هذه الاية فهم الطهطاوي الحرية بانها (ليس عبد) .
وهنا استنتج لويس بان (الحرية) مفهوم غريب عن البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية للمجتمعات العربية – ومنها العراق - وهذا يجعلنا نفهم سبب عدم مطالبة هذه المجتمعات بالحرية ، والسخرية منها وعدم تأصيلها فلسفيا وفكريا وثقافيا ، او حتى طرحها للدراسة والنقد والتقويم ، ومن ثم ازاحتها من الهم المعرفي والاكاديمي والفكري .
2 - ان مفهوم (الحرية) في العراق - مثل المفاهيم العصرية الاخرى - كالديمقراطية والدولة والتعددية تشكل بنية غريبة عن الجسم الثقافي للمجتمع العراقي القائمة على قيم الريف والعشائرية والمحلاتية التي تقدس التبعية والطاعة والقائد الاوحد والرمز والشيخ النهاب الوهاب .
3 - ان النخب الثقافية والاكاديمية الغارقة في اتون الايديولوجيات اليسارية والقومية والبعثية والماركسية والشيوعية والاسلامية الثورية تنظر بسخرية واستهزاء الى المفاهيم الليبرالية كالحرية والديمقراطية ، وتعدها من تجليات التغريب والراسمالية والامبريالية .
4 - ارجع الكاتب العراقي (خضير ميري) عدم اهتمام النخب الثقافية في العراق بهذه المفاهيم العصرية والليبرالية ليس الى سبب ايديولوجي فحسب ، وانما الى سبب طبقي وعائلي . فقد بين ان اغلبية الانتلجنسيا العراقية (النخب المثقفة والاكاديمية) لاترجع في اصولها الاجتماعية الى الطبقة الوسطى ، وانما الى بيئات فقيرة اقتصاديا ومهمشة طائفيا ومستهدفة طبقيا ، اي في اسفل السلم الاجتماعي ، وبالتالي فان مطالبتها بالسرديات الكبرى – حسب تعبير ليوتار - كالحرية والتعددية والديمقراطية هو نوعا من الترف والبطر ، فهي بحاجة ماسة الى مايسد فقرها الاسطوري وتعويض نقصها التاريخي ، انها تفضل العدالة الاجتماعية والاشتراكية الاستبدادية التي تكفل معيشتها على الحرية والتعددية والديمقراطية .
5 – الجهل بالمفاهيم الغربية الحديثة عند اغلبية العراقيين – وحتى المتعلمين منهم - بالمفاهيم والتصورات العصرية كالحرية والديمقراطية . ففي السنوات الاولى لسقوط نظام صدام وتصاعد حمى السفر للخارج من قبل العراقيين ، ذهب احد الزملاء من مدينتنا الى سوريا ، وعندما رجع من السفر حدثني قائلا (ايبااخ اشكد سوريا دولة ديمقراطية ؟؟ !!!!) فتعجبت من كلامه ، لاني اعرف ان نظام بشار الاسد احد الانظمة الاستبدادية في العالم العربي ، فسالته متعجبا : (كيف سوريا دولة ديمقراطية ؟؟ كول غيرها يامعود !!!) فاجابني قائلا : (ديمقراطية لان النسوان هناك كلها لابسه بنطرونات حصر !!!!!!) . فعرفت ان هذا الزميل هو عينة من نماذج لاتحصى لاتعرف هذه المفاهيم الغربية التي وفدت للمجتمع العراقي بعد السقوط 2003 ، والناس اعداء ماجهلوا – كما يقال .
6 - يرجع البعض هذا الاستهزاء بمصطلح (الحرية) الى الفساد والنتائج السلبية للحكم التعددي في العراق . فبعد اكثر من عشرين عاما من التجربة العراقية ، وصعود الاغلبية من الاوباش والمخصيين والدونية والعربان الى المراتب العليا للحكم في العراق من خلال الانتخابات - احدى الركائز الاساسية للديمقراطية - اخذ الكثير من العراقيين ينظر الى مفهوم الديمقراطية كمعطى سلبي ، واضحى رمزا للفساد والفوضى والتسيب ، واخذ الاغلبية لايشعرون بالحرج من التفريط بالحرية والقول انه لايمانع العيش ضمن نطاق العبودية وتحت نظام غير ديمقراطي - او ديكتاتوري - مادام يعطيني الراتب والخدمات ويقضي على الفاسدين . بل واخذ البعض يقول صراحة : ماذا حصلنا من الحرية والديمقراطية ؟ وهذا تعبير غريب قد لاتسمع به الا في العراق ، لانه يريد من الحرية نتائج معينة ومقابل مادي ، ولايعتبرها انجازا بحد ذاتها ، او نتيجة ايجابية بماهيتها .
7 - الطبيعة الجغرافية والمناخ الحار والسهل الرسوبي في العراق دورا جوهريا في عدم الاهتمام بالحرية ، او المطالبة بها والدفاع عنها في حالة تواجدها كمصادفة تاريخية تخالف النظام الاستبدادي السائد منذ الاف السنين . فقد ذكر الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو في كتابه (روح القوانين) : ان سكان المناطق السهلية اقل احساسا وتمسكا بالحرية مقارنة بسكان الجبال او الجزر - واسماها (الحتمية الجغرافية) - وعلل ذلك بان طبيعة السهول الخصبة والمستوية يسهل غزوها واخضاعها من قبل الحكام المستبدين ، والسيطرة عليها من قبل السلطات المركزية . فضلا عن صعوبة الدفاع عنها وحمايتها ، مما يجعل اهلها اسرع خضوعا للاستبداد واقل ميلا لمقاومته . واذا عرفنا ان العراق هو اقدم المجتمعات التي سكنت في السهل الرسوبي ، لعرفنا مقدار الورطة التي نعيشها ، كما افترض مونتسكيو ايضا ان المناخ الحار في مناطق الشرق يجعل افرادها كسالى وانفعاليين وعاجزين عن ضبط النفس ، او الدفاع عن حرياتهم ، مما يجعلهم مستعدين تاريخيا لقبول الحكم الاستبدادي ، لذا نجد الحكم في الشرق يقوم اساسا على الاستبداد والحكم المطلق والخوف .
8 - ان خضوع المجتمع العراقي الى قرون لاتعد من الاستبداد والطغيان والحكم الديكتاتوري البعثي والقومي والطائفي جعلته لايهتم بسمات الحرية او المطالبة بها فحسب ، وانما جعلته يخاف من الحرية - حسب وصف اريك فروم - مما يجعله يتطابق اليا مع المجتمع ، ويندمج معه ومن ثم فقدان ذاته . فالحرية وعي ومسؤولية وتصدي للحكم واتخاذ القرارات الصعبة والمعقدة وتحمل نتائجها ، فيما العبودية خمول وكسل وراحة وعدم تحمل المسؤولية ، لانها ستكون بيد الحكام المستبدين واعوانهم وعصبتهم .
9 - ان اغلبية المطالبات التي كان ينادي بها العراقيون هي العدالة وليس بالحرية . وهذا فرق كبير . فقد سبق وان قال عباس محمود العقاد (ان الشرق يبحث عن العدالة ، فيما ان الغرب يبحث عن الحرية) (العبارة نسبت لديوارنت ايضا) . والمطالبة بالعدالة طبعا هى ادنى من المطالبة بالحرية ، لان المطالبة بالحرية قد تشكل عند العامة نوعا من الترف والبطر . ومازلت اتذكر ايام الرفض للحكم البعثي الاستبدادي كانت مطالبنا (العدالة) وليس (الحرية) ، العدالة بالحكم والمناصب والثروة والخدمات والوظائف وانهاء التمييز الطائفي والمناطقي والعنصري ، وليس الحرية بحسب المعطى والتصور الغربي الحديث .
10 – التزييف والتدليس الذي قام به النظام البعثي الحاكم في العراق حول مفهوم الحرية ، جعلت المجتمع ينظر اليه نظرة الشك والارتياب والشعارات الكاذبة . فحزب البعث الحاكم في العراق (1968 – 2003) جعل اهدافه الثلاث (الوحدة والحرية والاشتراكية) . الا انه هنا لايقصد الحرية بالمعنى الغربي الحديث ، الذي يعني حرية الفرد الاربعة وهي : الحرية الشخصية والحرية الفكرية والحرية الاقتصادية والحرية الاعتقادية ، وانما يقصد بها التحرر من الاستعمار ، او التبعية للغرب فقط . وبالتالي اعتمدوا التدليس من خلال التكرار (والتكرار سلطة) – كما قال رولان بارت - سواء اكان في الاعلام او التربية والتعليم والجامعات والجيش وغيرها ، ان المقصود بالحرية هى التحرر من الاستعمار والغرب ، وليس الحريات الاخرى ، لذا اسسوا انظمة استبدادية وشمولية ترفع شعار (الحرية) ، الامر الذي خلق ارتباطا شرطيا سلبيا بين الحرية والنظام البعثي الديكتاتوري . علما ان البعثيين ورثوا هذا النمط من الاحزاب الشيوعية الاستبدادية التي اختزلت الحرية بمواجهة الغرب .
وختاما نطرح هذه الاشكالية : هل المجتمع العراقي بعد السقوط عام 2003 يعيش الحرية ام الاستبداد بالحكم ؟ ام يعيش الحرية السياسية من جانب والاستبداد في المسارات الاجتماعية الاخرى من جانب اخر ؟
طبعا لايكون عندنا جواب محايد وموضوعي ، لان الاغلبية ستنطلق في جوابها بحسب التصور السياسي والحزبي والايديولوجي والطائفي ، وليس بحسب العقلاني والواقعي - وكما قيل - (مادخلت السياسة بشىء الا افسدته) . فاذا فرضنا ان المجتمع العراقي لايعيش الحرية والتعددية ، فلماذا لاتحصل مطالبات بها ؟؟
واذا كان العكس ، المجتمع العراقي يعيش بعد السقوط الحرية والتعددية والديمقراطية ، فلماذا لايحصل ترسيخ او تاصيل او دفاع عنها في مواجهة القوى الاستبدادية والطائفية والعنصرية من جانب ، والعامة والرعاع والحكام الفاسدين من جانب اخر ؟؟