تجربة الأنصار الشيوعيين في العراق... نضال مشرف في تاريخ اليسار


رزكار عقراوي
الحوار المتمدن - العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 21:35
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     


تبقى تجربة الأنصار الشيوعيين [1] في العراق واحدة من أروع وأهم تجارب النضال الشيوعي في تاريخ العراق الحديث. ولكل تجربة نضالية جوانب إيجابية وأخرى سلبية، ولا تخلو أي تجربة إنسانية أو سياسية من ذلك، مهما بلغت نزاهتها وسمو أهدافها. غير أن هذه التجربة، بكل ما رافقها من نقاش وتباين في وجهات النظر بشأن بعض جوانبها، تبقى شاهداً حياً على أن الفكر اليساري قادر على إنتاج أروع النماذج النضالية وأكثرها صدقاً في أقسى الظروف وأحلكها. فقد جسدت نموذجاً رائعاً للتضحية والفداء والإصرار على المضي في طريق الحرية والعدالة الاجتماعية، رغم ما واجهته من حصار وملاحقة وقمع على يد النظام البعثي الفاشي[2].

وتميزت حركة الأنصار الشيوعيين بانصهار مقاتليها من خلفيات قومية ودينية مختلفة، عرباً وكرداً وكلداناً وآشوريين وسرياناً وتركماناً وكرداً فيليين وأرمناً، مسلمين سنة وشيعة ومسيحيين وصابئة مندائيين وإيزديين وشبكاً، رجالاً ونساءً، في بوتقة واحدة يحكمها حس أممي عميق، إذ لم يكن للقومية أو الدين وزن كبير في وعي أولئك الشيوعيين، بقدر ما كانت الهوية الطبقية والانتماء الأممي هما الرابط الحقيقي بينهم. فجسدت الحركة بذلك نموذجاً حياً لتآخي مكونات الشعب العراقي. وقد أعطى هذا الطابع الأممي للحركة انطباعاً راسخاً لدى سكان القرى الكردية بأن عدوهم الحقيقي هو النظام البعثي وسياساته القمعية، لا العرب كقومية، خلافاً لما حاولت بعض الأطراف القومية المتشددة، من الجانبين، الترويج له من خطاب يختزل الصراع في بعد قومي ضيق. وشهدت الحركة أيضاً سابقة تاريخية بارزة، إذ حملت النصيرات الشيوعيات السلاح لأول مرة في تاريخ الكفاح المسلح في كردستان، وخضن جنباً إلى جنب مع رفاقهن معارك النضال ومهامه كافة. وقد ترك حضور المرأة المقاتلة أثراً عميقاً في وعي القرى الكردية التي احتضنت الأنصار، إذ أسهم في ترسيخ نظرة أكثر مساواة تجاه دور المرأة في المجتمع، وفتح أمام نساء تلك القرى أفقاً جديداً لتصور ذواتهن فاعلات في الشأن العام.

ومن أشد الجوانب إيلاماً في هذا المسار مجزرة بشتآشان[3]، التي نفذتها قوات الاتحاد الوطني الكردستاني بحق أنصار الحزب الشيوعي العراقي في الأول من أيار/مايو 1983، وأودت بحياة أكثر من مئة من الرفيقات والرفاق. وتبقى هذه الجريمة جرحاً غائراً في ذاكرة الحركة الأنصارية، ويستحق ملفها مزيداً من التوثيق والمساءلة، إنصافاً لذكرى الضحايا.

وفي عام 1988، عاش الأنصار الشيوعيون عن قرب إحدى أبشع جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث، وهي حملة الأنفال [4]، التي شنها النظام البعثي بحق سكان اقليم كردستان، وأودت بحياة أكثر من مئة وثمانين ألف إنسان، ودمرت آلاف القرى، واستخدم فيها السلاح الكيميائي المحرم دوليا. وفي تلك الظروف القاسية، تراجعت حركة الأنصار الشيوعيين بشكل كبير، بعد أن فقدت قاعدتها الشعبية في القرى التي دمرتها الحملة وهجر سكانها، واضطر كثير من مقاتليها إلى الانسحاب نحو مناطق أكثر أمنا أو اللجوء إلى الأراضي الإيرانية والتركية المجاورة.

وقبل أن تتبلور تجربة الأنصار الشيوعيين بالشكل الذي عرفناه، سبقتها في تاريخ اليسار العراقي محاولة أخرى للكفاح المسلح، قادها الشهيد خالد أحمد زكي[5] في أهوار الجنوب عام 1968، متأثراً بالنموذج الغيفاري وأفكار الثورة المسلحة التي التقطها من محيطه الأممي. سقط خالد أحمد زكي ورفاقه في معركة هور الغموكة، لكن تجربته بقيت محفورة في الذاكرة اليسارية العراقية، وألهمت لاحقاً أعمالاً أدبية وفنية وثقت تلك اللحظة النادرة من تاريخ اليسار العراقي.

لابد من الاستناد إلى السياق التاريخي عند تقييم تجربة الأنصار والكفاح المسلح وكافة التجارب وأشكال النضال اليسارية المختلفة. ورغم تحفظي اليوم على الكفاح المسلح بوصفه أسلوباً للنضال، فإن ظروف تلك المرحلة، في ظل الهجمة الوحشية للنظام البعثي الفاشي على اليسار وسائر القوى التقدمية، لم تترك في تقديري خياراً آخر سوى حمل السلاح، ولو من أجل الدفاع عن النفس في مواجهة القمع والتصفية، والمساهمة في إسقاط النظام الدكتاتوري آنذاك.

وأتطرق هنا إلى تجربتي الشخصية معها. ويشرفني أنني كنت أحد المشاركين في هذه التجربة من خلال نشاطي في التنظيمات السرية للحزب الشيوعي العراقي[6] داخل العراق بين عامي 1983 و1990، ضمن منظمة 31 آذار[7]، التي كانت إحدى أكبر التنظيمات السرية للحزب، وكان لي شرف المساهمة في قيادتها، وضمت العشرات من الرفيقات والرفاق من مختلف مناطق العراق. وكانت المنظمة مرتبطة في البداية بالحركة الأنصارية عبر السرية الخامسة المستقلة، وأحياناً عبر الفوج الثالث أو مباشرة بقاطع بادينان[8]. وكنا، إلى حد بعيد، "أنصار الداخل"، إذ دعمنا الحركة الأنصارية بشكل متواصل بالأخبار والمعلومات عن تحركات السلطة العسكرية والأمنية، وتأمين الأسلحة والتجهيزات والأدوية والمستمسكات، وتسهيل الحركة داخل المدن، وإخراج الرفاق المهددين إلى المناطق المحررة، إلى جانب التحريض والعمل السياسي والتنظيمي داخل المدن. كما كانت لنا زيارات سرية متواصلة إلى مقرات الأنصار العسكرية للقاء الرفاق المشرفين على التنظيمات الحزبية.

وأياً كان موقفنا اليوم من هذه المحطة أو تلك من مسيرة الأنصار الشيوعيين، وأياً كان اتفاقنا أو اختلافنا حول جدوى الكفاح المسلح بوصفه أسلوباً نضالياً، فإن هذه التجربة ستبقى واحدة من التجارب المهمة في تاريخ النضال الاشتراكي العالمي، إلى جانب تجارب أخرى خاضت الطريق ذاته في سياقات مختلفة، من ثوار سييرا مايسترا في كوبا الذين أطاحوا بديكتاتورية باتيستا عام 1959، إلى الجبهة الساندينية في نيكاراغوا التي أسقطت حكم عائلة سوموزا عام 1979، مروراً بجيش التحرير الشعبي اليوناني الذي قاوم الاحتلال النازي قبل أن يخوض حرباً أهلية مريرة ضد اليمين المدعوم غربياً، وثوار ظفار في عمان الذين خاضوا بين عامي 1965 و1976 واحدة من أطول الثورات اليسارية المسلحة في الجزيرة العربية دفاعاً عن العدالة الاجتماعية وضد الوجود الاستعماري البريطاني، وصولاً إلى حركات المقاومة اليسارية في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية، من المقاومة الفرنسية والإيطالية والدنماركية إلى أنصار تيتو في يوغسلافيا، حيث شكل الشيوعيون واليساريون عماد النضال المسلح ضد الاحتلال النازي والفاشية.

وتتباين هذه التجارب في ظروفها ونتائجها، وتحمل كل منها دروساً مهمة يمكن الاستفادة منها وكذلك أخطاء تستحق النقد الرفاقي الصريح، غير أنها تشترك جميعاً في إثبات أن اليسار، حين يواجه الابادة و القمع الوحشي وانسداد الأفق السياسي العلني، كان قادراً على إنتاج أشكال استثنائية من المقاومة، تبقى جزءاً من الذاكرة الإنسانية في نضالها من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية والبديل الاشتراكي.

وفي الختام، فإن روح التضحية والتفاني التي جسدتها تجربة الأنصار الشيوعيين، وغيرها من تجارب النضال اليساري في العراق[9]، ينبغي أن تتحول إلى طاقة فاعلة موحدة تصب في خدمة قضايا شغيلات وشغيلة اليد والفكر. وأجدد التأكيد على ضرورة تجديد وتوحيد القوى اليسارية والتقدمية، بمختلف فصائلها وتياراتها، وتعزيز العمل المشترك فيما بينها.

المجد والخلود لشهداء الحركة اليسارية العراقية والكردستانية بمختلف فصائلها، وفي مقدمتهم شهداء وشهيدات الأنصار الشيوعيين. وسيبقى اليسار، بمختلف فصائله، الأمل الإنساني المشرق في مواجهة الفساد والاستبداد السائدين في العراق، اللذين يكرسهما كل من نظام المحاصصة القومية والدينية السيئ الصيت في بغداد، والحكم العائلي العشائري في إقليم كردستان.

كتب هذا النص بصيغة أولية مختصرة، ونشر في جريدة النصير الشيوعي [10] بمناسبة الذكرى الخامسة لصدورها، التي أتمنى لها الاستمرار في توثيق هذا الإرث النضالي ونقله إلى الأجيال الجديدة، مع تقديري الكبير لدورها بوصفها من المنابر اليسارية المهمة في العراق.
نشر هذا النص كاملاً بالإنكليزية، وهو متوفر بعشرات اللغات الأخرى، على موقع اليسار العالمي ZNetwork:
https://znetwork.org/znetarticle/the-experience-of-the-iraqi-communist-partisans-ansar-an-honorable-struggle-in-the-history-of-the-left/


************************
هوامش توضيحية
[1] حركة الأنصار الشيوعيين: تشكيل نضالي وعسكري أسسه الحزب الشيوعي العراقي في جبال كردستان العراق. كانت له نشاطات عسكرية محدودة في مراحل سابقة، غير أن شكله الكبير والمنظم بدأ ابتداء من أواخر السبعينيات، لمواجهة القمع البعثي عبر الكفاح المسلح بعد أن أصبح العمل السياسي العلني مستحيلا داخل المدن. وضم آلاف المناضلين والمناضلات الذين اضطروا إلى مغادرة مدنهم نحو المناطق الجبلية المحررة.

[2] النظام البعثي: النظام الذي حكم العراق بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي بين عامي 1968 و2003، وبلغ القمع في عهده ذروته بحق اليساريين والشيوعيين والقوى المعارضة، خصوصاً في عهد صدام حسين. وعلى الرغم من طابعه القمعي تجاه الشيوعيين والمعارضة محلياً، حظي النظام بدعم متزامن من المعسكرين المتصارعين خلال الحرب الباردة؛ إذ زوده الاتحاد السوفيتي بمعظم عتاده العسكري في السبعينيات بموجب معاهدة الصداقة والتعاون لعام 1972، واستمر في تزويده بالسلاح خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، في حين قدمت دول غربية رأسمالية، أبرزها فرنسا وألمانيا الغربية، أسلحة وتقنيات متطورة، بعضها استخدم لاحقاً في صنع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، إلى جانب دعم أمريكي اقتصادي واستخباراتي غير مباشر خلال الحرب ذاتها.

[3] مجزرة بشتآشان: هجوم مسلح نفذته قوات الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني ونوشيروان مصطفى في الأول من أيار/مايو 1983، بدعم من النظام البعثي، على مقرات الحزب الشيوعي العراقي في قرية بشتآشان الجبلية قرب سلسلة جبال قنديل، وأسفر عن مقتل أكثر من مئة من أعضاء الحزب وأنصاره، في واحدة من أكثر الحوادث دموية وإجراماً في تاريخ الحركة القومية الكردية في العراق.

[4] حملة الأنفال: سلسلة عمليات عسكرية شنها النظام البعثي بقيادة صدام حسين بين شباط/فبراير وأيلول/سبتمبر 1988 بحق الشعب الكردي في إقليم كردستان العراق، شملت ثماني مراحل استخدم فيها السلاح الكيميائي، وأدت إلى مقتل أو اختفاء ما يقارب مئة وثمانين ألف شخص، وتدمير آلاف القرى، وتشريد مئات الآلاف من السكان، واعتبرت لاحقاً من قبل عدد من الجهات القضائية جريمة إبادة جماعية بحق الشعب الكردي.

[5] خالد أحمد زكي: مناضل شيوعي عراقي، ولد في بغداد عام 1935، ترك عمله سكرتيراً لمؤسسة برتراند رسل للسلام في لندن ليقود تجربة كفاح مسلح متأثرة بالنموذج الغيفاري في أهوار جنوب العراق عام 1968، واستشهد مع عدد من رفاقه في معركة هور الغموكة في حزيران من العام نفسه، وعرف لاحقاً بلقب جيفارا العراق، وألهمت تجربته رواية "وليمة لأعشاب البحر" للروائي حيدر حيدر.

[6] الحزب الشيوعي العراقي: تأسس عام 1934، وهو أحد أقدم الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط، ولعب دوراً مركزياً في الحياة السياسية والنقابية العراقية طوال القرن العشرين، وتعرض لموجات متكررة من القمع في ظل الأنظمة المتعاقبة.

[7] منظمة 31 آذار: إحدى أكبر التنظيمات السرية التابعة للحزب الشيوعي العراقي داخل المدن العراقية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وكانت تعمل في ظروف سرية بالغة الصعوبة تحت الملاحقة الأمنية للنظام البعثي.

[8] قاطع بادينان: منطقة جغرافية في إقليم كردستان العراق، شكلت أحد أهم ميادين نشاط حركة الأنصار الشيوعيين المسلحة، وكانت تنشط فيها السرية الخامسة المستقلة والفوج الأول والثاني للأنصار الشيوعيين.

[9] أحزاب اليسار العراقي: إلى جانب الحزب الشيوعي العراقي، يضم المشهد اليساري العراقي تنظيمات أخرى، منها الحزب الشيوعي الكردستاني، والحزب الشيوعي العراقي (القيادة المركزية)، والحزب الشيوعي العمالي العراقي والكردستاني، ومنظمة البديل الشيوعي، وحزب اليسار الشيوعي وغيرها. وتتفاوت هذه التنظيمات في تاريخها وتوجهاتها الفكرية، لكنها تشترك جميعاً في انتمائها إلى الحقل اليساري والشيوعي العراقي.

[10] جريدة النصير الشيوعي: دورية تصدرها رابطة الأنصار الشيوعيين العراقيين. صدر عددها التأسيسي (العدد صفر) في تموز/يوليو 2021، بهدف توثيق مسيرة حركة الأنصار الشيوعيين ونقل إرثها النضالي إلى الأجيال الجديدة، ولا سيما شباب انتفاضة تشرين 2019، وتضم شهادات ومقالات ومواد أرشيفية كتبها الأنصار والنصيرات أنفسهم عن تجربتهم في الجبل والمدن على حد سواء.