تأنيث الفقر من منظور نسوي اشتراكي
بيان صالح
الحوار المتمدن
-
العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 10:35
المحور:
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
حين نتحدث عن الفقر في خطاب سياسي أو أكاديمي، نميل في أحيان كثيرة إلى معاملته كظاهرة محايدة، كأنه يقع على الجميع بالقدر ذاته وبالطريقة ذاتها. لكن النظرة النقدية الطبقية تكشف زيف هذه الحيادية، وتؤكد أن الفقر لا يوزَع بالتساوي، وأن النساء يتحملن عبئه بشكل أكثر حدة واستمرارية.
من هنا يأتي مفهوم تأنيث الفقر، ليس توصيفاً إحصائياً فحسب، وإنما أداة تحليلية نقدية تكشف العلاقة البنيوية بين النظام الاقتصادي الرأسمالي وعلاقات النوع الاجتماعي، وما ينتج عنهما من أشكال متعددة من الإقصاء والتهميش.
ظهر هذا المفهوم في سبعينيات القرن العشرين لوصف التزايد المستمر في نسب الفقر بين النساء، خاصة مع ارتفاع عدد اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة الأسر وحدهن. ومنذ ذلك الحين اتضح أن الفقر ليس محايداً لا من حيث الجنس ولا من حيث الطبقة، ويرتبط بهياكل قوة تحدد من يملك الموارد ومن يحرم منها.
تشير أحدث بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 9.2% من النساء والفتيات يعشن في فقر مدقع مقابل 8.6% من الرجال والفتيان، مع تفاقم الفجوة في الفئة العمرية 25-34 سنة حيث تكون النساء أكثر عرضة للفقر المدقع بنسبة 25%. كما توضح تقارير البنك الدولي أن فجوة الأجور بين الجنسين تبلغ 23% عالمياً، وتقفز إلى 47.9% في مناطق الجنوب مثل جنوب آسيا. هذه المعطيات تؤكد أن الفقر ليس محايداً من حيث الجنس، لكن الأرقام وحدها لا تكفي لفهم ما يجري، لأنها تصف الأعراض دون أن تحفر في الجذور.
حين يكون الاستغلال مزدوجاً
لا يمكن تفسير تأنيث الفقر بالاقتصار على الفجوة في الأجور، ويجب فهمه في إطار بنية اقتصادية أعمق تعيد إنتاج اللامساواة بين الجنسين بشكل ممنهج. فالرأسمالية لا تنتج التفاوت الطبقي فحسب، وتعيد أيضاً إنتاج التفاوت بين الجنسين من خلال تنظيم العمل وتقسيمه على نحو يخدم مصالح رأس المال قبل أي اعتبار آخر.
هذا ما رأته كلارا زيتكين بوضوح حين أكدت أن المرأة العاملة تتعرض لاستغلال مزدوج لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر: تستغل كعاملة بأجر أقل من الرجل في سوق العمل، وتستغل داخل الأسرة من خلال العمل المنزلي غير المدفوع الذي يضمن إعادة إنتاج قوة العمل دون أن يكلف رأس المال شيئاً. وقد أعادت أنورادها غاندي التأكيد على هذا التحليل، مشيرة إلى أن هذا الاستغلال المزدوج يتخذ أشكالاً أكثر حدة في سياقات الجنوب العالمي، حيث تتشابك الطبقة والطائفة والنوع الاجتماعي في منظومة واحدة من الهيمنة.
أحد أهم تجليات هذا النظام هو الفصل بين العمل المنتج المعترف به اقتصادياً والعمل غير المدفوع الضروري لاستمرار الحياة. فالعمل المنزلي والرعائي الذي تقوم به النساء يشكل أساساً لإعادة إنتاج المجتمع، ومع ذلك لا يعترف به اقتصادياً، مما يؤدي إلى تقليل قيمته وإقصاء النساء من الاستقلال الاقتصادي. وحين تطالب النسوية الاشتراكية بالاعتراف بهذا العمل وتحويله إلى مسؤولية مجتمعية عبر الحضانات العامة ودور الرعاية والخدمات الاجتماعية، فإنها لا تطالب بإصلاح جزئي، وإنما بإعادة تنظيم العلاقة بين الإنتاج والتكاثر الاجتماعي في صميم النظام الاقتصادي.
في الوقت ذاته، تدمج النساء في سوق العمل بشكل غير متكافئ، إذ يتركزن في قطاعات منخفضة الأجر وهشة من حيث الاستقرار والحماية. وبدلاً من أن يكون العمل المأجور وسيلة للتحرر الاقتصادي، يصبح في كثير من الأحيان امتداداً لأشكال التبعية، خاصة مع استمرار التمييز في الأجور وفرص التقدم المهني. ويتفاقم هذا الوضع بسبب العبء المزدوج الذي تتحمله النساء نتيجة الجمع بين العمل المأجور والعمل غير المدفوع داخل الأسرة، دون إعادة توزيع عادلة للأدوار. وهذه الازدواجية ليست قدراً بيولوجياً ولا موروثاً ثقافياً محايداً، وإنما نتاج نظام اقتصادي طبقي يحتاج إلى إبقاء النساء في موقع العاملة المرنة التي يمكن دفعها إلى الهامش حين تقتضي مصلحة السوق ذلك، ثم استدعاؤها مجدداً حين يحتاج إلى يدها الرخيصة.
الأزمات والتقشف، حين تدفع النساء ثمن أزمات لم يصنعنها
ما يزيد المشهد تعقيداً أن الأزمات الاقتصادية والنزاعات والتغيرات المناخية تعمق تأنيث الفقر، حيث تتأثر النساء بشكل غير متناسب بهذه التحولات، خاصة في المجتمعات الأكثر هشاشة. وفي سياق عالمي تتقاطع فيه علاقات الاستغلال الاقتصادي مع أشكال الهيمنة التاريخية، تصبح النساء في مناطق واسعة من العالم أكثر عرضة لأقسى أشكال الفقر والتهميش.
غير أن الأمر لا يتوقف عند الأزمات الطارئة، فسياسات التقشف التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية على دول الجنوب العالمي على مدى عقود تمثل نموذجاً صارخاً لتأنيث الفقر بقرار سياسي مقصود. حين تقلَص الخدمات العامة من تعليم وصحة ورعاية، لا تختفي هذه الخدمات، وإنما تنتقل إلى كاهل النساء اللواتي يعوضن بأجسادهن وأوقاتهن ما أسقطته السياسة النيوليبرالية من موازنات الدولة. التقشف بهذا المعنى ليس سياسة محايدة، وإنما سياسة ذات نوع اجتماعي تدفع النساء ثمنها أولاً وأكثر.
ولايمكن الفصل بين النضال ضد سياسات التقشف والنضال من أجل حقوق المرأة. فالمرأة التي تفقد وصولها إلى التعليم العام حين تخصخص المدارس، والمرأة التي تضطر إلى ترك العمل حين تغلق الحضانات العامة، والمرأة التي تتحمل رعاية المرضى حين تقلَص ميزانيات الصحة، جميعهن يدفعن ثمن قرارات اقتصادية اتخذت في مؤسسات دولية لا تنتخب ولا تحاسَب. لذلك لا يمكن مواجهة تأنيث الفقر دون مواجهة المنظومة الاقتصادية الرأسمالية العالمية التي تنتجه وتعيد إنتاجه.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح أيضاً في مجالات العمل، حيث تقل مشاركة النساء في سوق العمل مقارنة بالرجال، كما تعمل نسبة كبيرة منهن في وظائف هشة منخفضة الأجر ومحدودة الحماية. وتعاني النساء بدرجة أكبر من انعدام الأمن الغذائي ومن غياب أنظمة الحماية الاجتماعية، وهو ما يعمق هشاشتهن الاقتصادية ويجعل أي صدمة خارجية أكثر قدرة على إسقاطهن إلى ما دون حد الكفاف.
من التشخيص إلى التغيير: نحو سياسات جذرية لا سطحية
ما يجعل هذه الظاهرة أشد خطورة أنها لا تقتصر على كونها معاناة فردية، وتمتد آثارها إلى مستوى الرفاه داخل الأسر، وتسهم في إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال، وتحد من إمكانات التنمية من خلال تهميش دور النساء وإقصاء مساهماتهن الاقتصادية والاجتماعية. وبذلك يصبح تأنيث الفقر تعبيراً عن خلل بنيوي يتطلب معالجة جذرية، لا مجرد حلول جزئية تهدئ الأعراض دون أن تلامس الجذور.
وهنا تبرز الهوة بين الرؤية الطبقية للنسوية الاشتراكية والنسوية الإصلاحية التي تكتفي بالمطالبة بتمكين المرأة ضمن النظام القائم دون المساس ببنيته. فبينما تركز التيارات الليبرالية على تمكين النساء فردياً عبر التعليم والتدريب والوصول إلى التمويل الصغير، يرى هذا المنظور أن هذه الأدوات لا تكفي ما لم تترافق مع تغيير جذري في علاقات الإنتاج والملكية والسلطة. فالمرأة التي تحصل على قرض صغير في مجتمع يقصيها من التعليم ويكبلها بالعمل المنزلي غير المدفوع وتحكمه قوانين عمل هشة، تظل أسيرة البنية ذاتها، حتى لو تحسنت أوضاعها نسبياً.
إن مواجهة هذه الظاهرة تستدعي سياسات قائمة على المساواة بين الجنسين وإلغاء الاستغلال الطبقي معاً. يشمل ذلك تحقيق المساواة في الأجور، وضمان الحقوق القانونية للنساء في العمل، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات الأكثر هشاشة، والاستثمار في التعليم والتدريب لتمكين النساء اقتصادياً. كما يتطلب الاعتراف بالقيمة الاقتصادية للعمل الرعائي، وتوفير خدمات عامة تقلل من عبئه، وإعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة والمجتمع بما يسمح بمشاركة أكثر عدالة في العمل المدفوع وغير المدفوع.
غير أن هذه الإجراءات، رغم ضرورتها، تبقى قاصرة ما لم تحدث تغييراً في طبيعة علاقات الملكية التي تجعل عمل النساء أرخص وأهش وأقل حماية بشكل بنيوي. فالاعتراف الكامل بالعمل الرعائي لا يعني فقط احتسابه في الناتج القومي، وإنما يعني تحويله إلى مسؤولية جماعية تتكفل بها الدولة والمجتمع لا المرأة وحدها. وتحقيق المساواة في الأجور لا يعني فقط رفع الحد الأدنى، وإنما يعني تفكيك التراتبية الطبقية في سوق العمل التي تجعل النساء، خصوصاً من الطبقات الدنيا، الأكثر هشاشة في كل أزمة.
في النهاية، لا يمكن فصل القضاء على تأنيث الفقر عن نقد البنية الرأسمالية الاقتصادية التي تنتجه. المسألة ليست مجرد تحسين شروط العيش، وإنما إعادة النظر الجذرية في كيفية تنظيم العمل وتوزيع الموارد والسلطة داخل المجتمع. ما دامت النساء يتحملن عبء إعادة إنتاج الحياة دون اعتراف ودون أجر ودون حماية، فإن الحديث عن المساواة يبقى خطاباً معلقاً في الهواء لا يلمس الأرض التي تقف عليها ملايين النساء يومياً.
****************************************
المصادر الإحصائية:
• UN Women, Gender Snapshot 2025: https://www.unwomen.org/en/node/476303
• UN Women, Women aged 25-34 face higher poverty rates (2023): https://sundiatapost.com/2bn-women-girls-lack-access-to-social-protection-un-women/
• UN Women, Equal Pay (CSW61): https://www.unwomen.org/en/news/in-focus/csw61/equal-pay