وضع سوريا والصمت الغربي: كوباني تحترق
بيان صالح
الحوار المتمدن
-
العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 21:52
المحور:
حقوق الانسان
في نقاش مع احدى صديقاتي الدنماركيات يساريات التوجه حول الاوضاع في سوريا، قلت لها:
ما يجري الان في سوريا هو اعادة صياغة للترتيب الرأسمالي للمنطقة، يتم فيها رسم خارطة جغرافية جديدة لسوريا وفرض قيام دولة مبنية على اسس ارهابية وقومية، بعيدة كل البعد عن دولة المواطنة.
تقف الولايات المتحدة مع شركائها المتحالفين من اسرائيل وتركيا والسعودية وقطر في بناء هذا المشروع الاجرامي. الهجوم العسكري والارهابي بحق السكان المدنيين في شمال وشرق سوريا، وقتلهم وتهجيرهم وحرمانهم من الماء والكهرباء من قبل القوات الاسلامية الارهابية المتمثلة بحكومة "الشرع" التي فرضت على الشعب السوري، هو هجوم بربري يحمي المصالح السياسية والاقتصادية لامريكا واسرائيل وحلفائهما من دول الخليج، بالإضافة الى تحقيق اهداف البرجوازية الشوفينية الاسلامية في تركيا.
هذه الحروب الرجعية على جماهير كردستان سوريا هي حرب لتقوية الاسلام السياسي الارهابي في المنطقة. ومن المؤسف ارتباط حل القضية الكردية وحماية حقوق الشعب الكردي بخطط واستراتيجية القوى الرأسمالية والامبريالية وحلفائها، كما فعلت التيارات والقوات الكردية مثل "قسد" التي تم الاستغناء عن التحالف معها في الصفقة الجديدة.
كوباني، الواقع المأساوي على الارض: شهادات من قلب الجحيم
من خلال عملي المهني مع بعض الاسر الكردية السورية، ومن خلال اتصالاتهم المستمرة مع اقاربهم في منطقة كوباني خلال هذه الايام، تتكشف صورة انسانية بالغة القسوة. ما يقارب نصف مليون من ابناء الشعب الكردي محاصرون بالكامل، وقد انقطعت عنهم المياه والكهرباء والغذاء والمواد الصحية الاساسية.
الصورة التي تصل من هناك مرعبة: اطفال يموتون، مرضى يموتون لانعدام الادوية، عائلات تحاول البقاء على قيد الحياة بأقل القليل. الاتصالات الهاتفية المتقطعة مع الاهالي المحاصرين تحمل نبرة يأس متزايدة، اصوات ترتجف وهي تروي تفاصيل الحياة اليومية تحت الحصار: "لا ماء للشرب، لا كهرباء منذ ايام، الاطفال جوعى والمستشفيات عاجزة عن استقبال المزيد من الجرحى".
مع هذا الحصار الخانق، تفاقمت معاناة المدنيين الاكراد بسبب الغلاء الفاحش، حيث استغل بعض التجار الوضع الامني الصعب ورفعوا اسعار المواد الغذائية بشكل لا انساني. كيلو الخبز الذي كان بسعر زهيد أصبح بثمن باهظ لا تستطيع معظم العائلات تحمله. المضاربون يستفيدون من المأساة، يحولون الجوع الى تجارة، والحاجة الى فرصة للربح السريع. حتى في اسوأ الظروف، تجد الرأسمالية طريقها لامتصاص دماء الفقراء.
المأساة لا تقتصر على الجوع والحصار، وتمتد الى الخوف الدائم من التهجير القسري، والرعب من ممارسات تنظيم داعش الوحشية وما عرف عنه من معاملة لا انسانية وانتهاكات مروعة بحق المدنيين العزل. الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة لا تزال تحمل ندوب ما فعله داعش في السابق: الاعدامات الجماعية، استعباد النساء، تدمير الهوية الثقافية، ومحو كل أثر للحياة المدنية.
اليوم، يعيش اهالي كوباني في رعب مزدوج: رعب الموت جوعا وعطشا وبردا، ورعب ما هو اسوأ إذا سقطت المدينة في ايدي القوات السورية. الشعب الكردي يخشى على مصير النساء وعلى بناتهن، والجماهير تعرف ان التهجير القسري يعني فقدان كل شيء: الارض، البيت، والهوية. هذا ليس مجرد حصار عسكري، انه محاولة منهجية لمحو شعب بأكمله من خريطة المنطقة.
الصمت الغربي: عندما تصبح المأساة الانسانية مجرد حاشية
تقول صديقتي بحزن عميق: "ما يجري اليوم في تلك المناطق امر مؤسف للغاية، اذ يحدث امام انظار الدول الغربية والاوروبية دون تغطية اعلامية حقيقية لمعاناة المدنيين".
نقاشنا استمر حول هنا في الدنمارك، لم يساند القضية سوى حزبين يساريين ودعم محدود من بعض الاحزاب الاخرى، بينما يلتزم الاعلام الدنماركي الصمت تقريبا، ولا يتطرق الى ما يحدث في برامجه الاخبارية. وهو بشكل او اخر تواطؤ صريح مع المشروع الامبريالي الجاري في المنطقة. الديمقراطية الرأسمالية الغربية تكشف عن وجهها الحقيقي، حقوق الانسان انتقائية، والقيم الانسانية مجرد ورقة تفاوض في لعبة المصالح الكبرى.
صحف دنماركية محدودة اشارت الى الكارثة الانسانية في كوباني الان، التي اشارت الى ان المدينة تعاني من انقطاع تام للكهرباء والمياه والانترنت، مع نقص حاد في الطحين والادوية، مما جعل الحياة اليومية شبه مستحيلة. ونشرت اخبار عن وفاة اطفال نتيجة البرد القارس ونقص وقود التدفئة والمأوى المناسب في ظل الثلوج الكثيفة التي غطت المنطقة مؤخرا.
الدول الغربية التي تتغنى بالديمقراطية وحقوق الانسان تغض الطرف عن مأساة نصف مليون انسان في كوباني المحاصرة يواجهون الموت البطيء. الاعلام الغربي الذي يسلط الاضواء على كل حدث يخدم اجندته السياسية، يختار الصمت ا حين يتعلق الامر بجرائم حلفائه.
ايقاف هذه الحملة الارهابية فورا ومناهضة التعصب
انا قلت لها: ارى فيما يجري في سوريا نموذجا صارخا لتقاطع اشكال القمع المختلفة، الامبريالية، الرأسمالية، الفاشية القومية، والاسلام السياسي، كلها تتحالف لسحق الشعوب والجماهير الكادحة واعادة انتاج الظلم بأشكال متجددة.
انا مع ايقاف هذه الحملة الارهابية فورا، وانا ضد كل النعرات القومية من قبل القوميين الاتراك والعرب، وكذلك القوميين الكرد. الشعب الكردي وكل الشعوب الاخرى لها حق في حماية نفسها من كل ارهاب شوفيني، ولها الحق في ان تتكلم بلغتها الام، وحقها في تقرير مصيرها.
في الختام، نحن الاثنتين كنا متفقتين على ان النضال الطبقي ضد الرأسمالية لا ينفصل عن النضال ضد الاضطهاد القومي والنظام الابوي. كلها اوجه لنفس النظام القائم على الهيمنة والاستغلال، ولن يتحقق التحرر الحقيقي الا بمواجهتها جميعا معا.