لماذا لا يمكنك الدفاع عن نفسك ب -الدستور- أمام القضاء المغربي؟


حميد بعلوان
الحوار المتمدن - العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 16:22
المحور: حقوق الانسان     

تخيل معي أنك تقف أمام القاضي في قضية تهم حياتك أو مالك، وتكتشف أن المادة القانونية التي سيطبقها القاضي عليك "ظالمة" وتخالف صراحة ما جاء في دستور المملكة لسنة 2011. بطبيعة الحال، ستصرخ عالياً: "هذا القانون غير دستوري!". لكن الصدمة هي أن القاضي، رغم اقتناعه بكلامك، سيجيبك ببرود قانوني: "كلامك صحيح، لكن يدي مكتوفة.. لا يوجد قانون يسمح لي بإعطائك هذا الحق".
هذا الوضع الغريب هو ما يعيشه المغاربة منذ 13 سنة، وهو ما يسمى قانونياً بتعطيل "الدفع بعدم الدستورية".

⚖️ القصة وما فيها: حق "بلا ساروت" 🔑

دستور 2011 كان بمثابة ثورة حقوقية، حيث نص في فصله 133 على أن أي مواطن من حقه أن يطعن في أي قانون يطبق عليه إذا رأى أنه يمس بحقوقه وحرياته. كان من المفترض أن تكون هذه هي "الضمانة الكبرى" للمواطن البسيط ضد أي شطط تشريعي.

لكن، هناك "فخ" صغير في الدستور يقول: "يحدد قانون تنظيمي شروط ممارسة هذا الحق". وهنا بدأت "المعكازة" السياسية والتشريعية التي جعلت هذا الحق مجرد حبر على ورق.

🤔 سنوات من "البلوكاج": من المسؤول؟

قد يتساءل المواطن: "من الذي يمنع خروج هذا القانون؟". الحقيقة أن المسؤولية تائهة بين الحكومة والبرلمان والمحكمة الدستورية:
❶ الحكومات المتتالية: تأخرت سنوات في إعداد المسودة، وعندما أعدتها، سقطت في أخطاء "تلميذ مبتدئ" في الإجراءات.
❷ البرلمان: ناقش وصوت، لكنه مرر نصوصاً اعتبرتها المحكمة الدستورية "غير صالحة".
❸ المحكمة الدستورية: قامت بدورها كـ "حارس للمعبد"، ورفضت القانون مرتين؛ المرة الأخيرة (فبراير 2023) كانت بسبب خطأ إجرائي غريب، وهو عدم عرض القانون على المجلس الوزاري قبل التصويت عليه.

__ما الذي يضيع على المغربي اليوم؟
بسبب هذا التأخر، يجد المتقاضي المغربي نفسه مجبراً على الخضوع لنصوص قانونية قديمة أو متجاوزة، دون أن يملك حق "الاعتراض الدستوري". هذا الفراغ يحرمنا من تجديد قوانيننا وتنقيتها من الشوائب التي لا تتماشى مع روح العصر ومع مغرب الحقوق والحريات.

✨هل من بارقة أمل؟🌱
اليوم، هناك حديث قوي عن مشروع قانون جديد (رقم 35.24) يحاول إصلاح أخطاء الماضي. الجميع ينتظر أن يخرج هذا المولود إلى الوجود في أقرب وقت، لكي لا يظل الدستور مجرد كتاب للزينة، بل سلاحاً حقيقياً في يد كل مواطن يطالب بالعدالة.

إلى ذلك الحين، سيبقى القاضي المغربي يطبق القانون "وهو مكره"، وسيبقى المواطن يردد: "عندي الحق في الدستور.. ولكن ماعنديش الساروت باش نوصل ليه".

📝 _ أمثلة لقوانين متناقضة مع الدستور المغربي:
🔹 المادة 156 وما يليها من مدونة الأسرة تثير جدلاً دستورياً فيما يخص إثبات نسب الأطفال المولودين خارج إطار الزواج:
__ الإشكال هناك تضارب يراه البعض بين هذه المواد والفصل 32 من الدستور الذي ينص على أن "الدولة تسعى لتوفير الحماية القانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال بكيفية متساوية، بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية". الطعن هنا سيهدف إلى فرض اعتماد "الخبرة الجينية" كوسيلة قطعية لإثبات النسب حمايةً لمصلحة الطفل الفضلى.

🔹 المادة 11 وما بعدها من قانون الحريات العامة، حيث يعطي ظهير التجمعات العمومية للسلطة المحلية صلاحية "منع" الوقفات لأسباب فضفاضة مثل "تهديد النظام العام" :
__ الإشكال: الفصل 29 من الدستور يضمن "حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي". المحامون يرون أن تحويل "التصريح بالوقفة" إلى "ترخيص مسبق" (عبر المنع التعسفي) هو تقييد غير دستوري لجوهر الحق، وسيكون هذا القانون من أوائل الملفات التي ستصل لطاولة المحكمة الدستورية.

🔹 بعض المواد المتعلقة بالإعتقال الإحتياطي في قانون المسطرة الجنائية:
__ هذا هو الملف الأكثر سخونة. يرى الكثير من المحامين أن بعض مواد الاعتقال الاحتياطي تتناقض مع الفصل 23 من الدستور الذي ينص على أن "البراءة هي الأصل" و"قرينة البراءة".
الإشكال: حالياً، يمكن تمديد الاعتقال الاحتياطي لمدد طويلة في بعض الجرائم، مما يحول "الاستثناء" (الاعتقال) إلى "قاعدة"، وهو ما يعتبره الحقوقيون عقوبة قبل صدور الحكم، ويخططون للطعن في هذه المواد فور تفعيل الحق.

نحن إذا لا ننتظر مجرد نص قانوني جديد، بل نحن على أعتاب " ثورة ناعمة " ستغير وجه المحاكم المغربية. فبمجرد خروج هذا القانون للوجود، لن يظل المحامي مجرد مدافع يبحث عن ثغرة في فصول القانون، بل سيتحول إلى " قاضٍ دستوري " داخل الجلسة، يملك سلاحاً فتاكاً لإسقاط أي مادة قانونية تظلم موكله وتخالف روح الدستور. إنها مرحلة " المحامي اليقظ " الذي سينقل المعركة من تفاصيل الملف الصغيرة إلى أفق الحقوق والحريات الكبرى. هي دعوة إذن لتجديد دماء العدالة، لكي لا يبقى الدستور كتاباً للزينة، بل سيفاً يقطع مع القوانين البائدة، ويضمن لكل مغربي أن صوته أمام القاضي محميٌّ بأسمى وثيقة في البلاد.