قميص عثمان ومعبر رفح
سامح عسكر
الحوار المتمدن
-
العدد: 8418 - 2025 / 7 / 29 - 04:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في الإسلام يوجد ما يسمى "قميص عثمان" ويعني استخدام دليل مزيف للتحريض، وقد فعل ذلك معاوية بن أبي سفيان حين رفع قميص الخليفة عثمان الذي قتل به سنة 35هـ وآثار الدماء عليه لتبرير حروبه ضد بني هاشم، واتهام الإمام علي بن أبي طالب صراحة بقتله هو وعائلة بني هاشم لأسباب قبلية، لأن عثمان أموي
وبرغم أن الإمام علي رفض هذا الاتهام ولم يوثق ضده أي دليل، لكن إصرار معاوية على رفع القميص وتبرير كل حروبه بالثأر لعثمان كان أسرع، مما أدى لأحداث الفتنة الكبرى التي لا يزال المسلمون يعيشون آثارها إلى اليوم
في التاريخ نجد أحداث مشابهة لقميص عثمان هذه، ومن الأمثلة:
أولا: خلال الحروب الصليبية، اختلقت الكنيسة الكاثوليكية اتهامات كاذبة للمسلمين والعرب أنهم يأكلون الأطفال المسيحيين أو يمارسون طقوساً شيطانية لتبرير الحرب، هذه الكذبات كانت مفتعلة لإثارة الشعوب الأوروبية لتجنيدهم، مما أدى إلى سقوط عشرات الآلاف من الشهداء العرب والمسلمين في القدس خلال الحرب سنة 1099م، قميص عثمان هنا (أكل الأطفال وعبادة الشيطان)
ثانيا: اختلقت الملكة "إيزابيلا الأولى" ملكة قشتالة سنة 1492 بالتعاون مع الكنيسة اتهامات كاذبة ضد مسلمي غرناطة بأنهم يتآمرون مع العثمانيين، أدى ذلك إلى طرد وقتل (حوالي 200,000 شخص) مسلم وعربي فيما عرف بمحاكم التفتيش، وقميص عثمان هنا (اتهام المسلمين بالجاسوسية)
ثالثا: ادعى الرئيس الأمريكي جورج بوش والبريطاني توني بلير أن صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، بناءعلى تقارير كاذبة لاستخدامها ذريعة للغزو، مما أدى إلى استشهاد مئات الآلاف من العراقيين في عمليات الغزو الأمريكي لبلادهم سنة 2003 (قميص عثمان هنا أسلحة الدمار الشامل)
رابعا: خلال حرب تحرير الكويت سنة 1990، ادعت فتاة كويتية اسمها "نيرة" أمام الكونغرس الأمريكي أن الجنود العراقيين قتلوا 312 طفلا كويتيا في حضانات، مما أثار الرأي العام الأمريكي لدعم الغزو، تبين لاحقا أنها كذبة مفتعلة من قبل شركة دعاية أمريكية للتأثير في الرأي العام، (قميص عثمان هو دم الأطفال الرضع الكويتيين)
خامسا: في عام 2023 ادعى الرئيس الأمريكي بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، أن الفلسطينيين حرقوا أطفال إسرائيليين أحياء، وأكلوهم في عمليات 7 أكتوبر، تبين لاحقا أنها أكاذيب دعائية لتبرير الإبادة وتشجيع الحرب على #غزة الممتدة إلى الآن (قميص عثمان هنا هو حرق أطفال إسرائيل)
أما اليوم يستخدم قميص عثمان من جديد ولكن هذه المرة (ضد مصر) من الثلاثي (الولايات المتحدة وإسرائيل والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين) عبر اتهام مصر بغلق معبر رفح وحصار غزة وأنها المتسببة الأولى في المجاعة..
الغرض هو تهجير فلسطينيين غزة إلى سيناء، وتفريغ القطاع من سكانه لبدء مرحلة استيطان يهودي في القطاع، وتنفيذ خطط تشبه نكبتي 1948 و 1967 بتوسيع مساحة إسرائيل، وتوفير دائرة أمنية خالية من التهديد الفلسطيني، إضافة لنقل مشاكل الفلسطينيين إلى مصر واستخدامهم لاحقا كمبرر لإشعال الحرب الدولية على مصر بدعوى تصديرها للإرهاب..
أي أن عبارة "افتحوا المعبر يامصريين" لا يقصد بها دخول المساعدات، لأن مصر في الواقع لا تعيق دخولها باعتراف الفلسطينيين في القطاع أنفسهم وشهاداتهم الحية أن إسرائيل هي التي تمنع الدخول، وأن المعبر المصري مفتوح بشهادة كل المؤسسات الدولية والشهادات العينية من حقوقيين ومسؤولين، لكن المقصود منها (فتح المعبر لمرور الفلسطينيين من غزة إلى سيناء) وعدم اعتراض السيول البشرية التي سوف تنتقل من سيناء إلى مصر لتنفيذ مخطط التهجير.
بالنسبة للإخوان فمن مصلحتهم هذا التنسيق مع إسرائيل والولايات المتحدة بتصوير الجيش المصري (كخائف وجبان) والطعن في تاريخه، فهم ينشطون في دعاياتهم بأن مصر يجب أن تفتح المعبر الفلسطيني بالقوة العسكرية بدعوى إنقاذ الفلسطينيين، برغم أن التكلفة العملية لذلك ستكون أكثر بشاعة مما هي عليه الآن بانتقام إسرائيلي كبير من الغزاويين وحصار أكبر وأشد ومنع تام لكل سبل الإعاشة بدعوى التهديد الوجودي، وتاريخيا كانت مجاعات الهند والصومال وأثيوبيا تحدث في نفس الظروف، القوي يفرض حصارا على الأضعف ويقتلهم جوعا بدعوى الأمن القومي والحرب..
شخصيا أرى من المبكر الحكم على فشل خطة "قميص عثمان ومعبر رفح" فهي ما زالت نشطة، لكن الفشل الإخواني كان كبيرا وتم كشف هذا التآمر سريعا، إنما إسرائيل من ناحيتها والولايات المتحدة يضغطون على مصر بأكثر من وسيلة للقبول بملف التهجير، ويحركون أدواتهم من نشطاء وشركات دعايا وصحف للهجوم على مصر وتسويق نفس الدعايا وفقا لمبدأ "قميص عثمان" بالحرف، وتحويل نظر العالم من جرائم إسرائيل في غزة إلى حصار مصر للقطاع، مما يبرر لها أعمالها الانتقامية واستخدام سلاح الجوع في الحرب