المثقفون والعالم متنوع الأقطاب..أزمة قبول


سامح عسكر
الحوار المتمدن - العدد: 8122 - 2024 / 10 / 6 - 16:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

أعترف إن فيه مشكلة بتواجهني في الحوار مع (بعض) مثقفين مصر والخليج (سياسيا)

فالثقافة العامة جُبلت في بلدي مصر ومنطقة الخليج على قبول الانصياع لسياسة القطب الواحد منذ السبعينيات، والتشكيك في أهلية وقدرة وأخلاقية أي قطب آخر أو منافس، حتى لو رفعوا أسلحة يرفضوها ويعيبوها على الغير مثل سلاح الدين..

إن هذا الخضوع والانصياع من هؤلاء يظهر على ألسنتهم، ومن معالمه ما يلي:

(أمريكا تعلم كل شئ- مفاتيح المشكلة والحل في يد أمريكا - كل أوراق اللعبة في يد الأمريكان - لا خلاص للأمة بعيدا عن مصلحة الأمريكان - السلاح الأمريكي أقوي - الاقتصاد الأمريكي أقوى - العقل الأمريكي أقوى...إلخ)

هناك شبه تأليه للولايات المتحدة عند هؤلاء المثقفين، وهو يمثل مقدمة محذوفة في جوابهم، يعني لا يُصرحون بها، لكنها هي المدخل الرئيسي لقناعاتهم وتصوراتهم عن العالم سياسيا، ومن أبرز هذه التطبيقات العملية لذلك موقفهم من القضية الفلسطينية، فهم يرون المقاومة عبث، في ظل قناعاتهم المسبقة بألوهية الولايات المتحدة وبالطبع ألوهية إسرائيل وضرورة الانصياع لشروطها..

عندما يخرج مثقف خليجي يقول أن الحكمة ليست في المقاومة، بل في السلام، هو يقصد الخنوع والانصياع وإعلان الهزيمة، فالحد الفارق بين الهزيمة والسلام عنده معدوم، حتى في ظل خروج قادة إسرائيل وإعلان رفضهم للسلام، لن يصدقهم ويتعصب لرأيه أن الصهاينة دعاة سلام بالفعل، ويريدون إعادة الحقوق لأصحابها..!

المهم: أن هذه الرؤية التي أعاني منها في الحوار مع هؤلاء، كثيرا ما ينسفها الواقع، الذي يشهد على تنامي عالم متعدد الأقطاب، بالتالي لا داعي للتشدد والتعصب للقطب القديم، ومن علامات تنامي هذا العالم المتعدد:

1- زوال حاجز الخوف وعدم الاستسلام للدعاية الغربية، حيث نشط الرأي العام العالمي بفضح والثورة على جهات ومؤسسات ومسؤولين الغرب، واتهامهم بالمسؤولية عن كل أزمات وحروب العالم (مظاهرات فلسطين نموذج)

2- صعود قوي وسريع لتجمعات سياسية واقتصادية كبيرة موازية كالبريكس وشنغهاي، الذي سيفضي قريبا لتشكل حلف عسكري على غرار حلف الناتو، من المؤكد أنه سيتلافى أخطاء وعوامل ضعف حلف وارسو..

3- صعود قوي وسريع للتصنيع العسكري الصيني والروسي، وظهور التصنيع العسكري الإيراني وبدء الدخول في سوق السلاح رسميا، ويمثل هذا مقدمة لضبط الولاءات السياسية والاقتصادية، التي يميل فيها البشر للأقوى، فالسبب الرئيسي للهيمنة الأمريكية لم يكن فقط بالاقتصاد ولكن بالسلاح وقوة الجيش الذي أرغم العالم على الانصياع والقبول بالقيادة..

4- الضربة العسكرية الإيرانية الأخيرة لإسرائيل، فضحت هشاشة الدفاع الجوي الغربي، وأكدت على تفوق القوى العسكرية الصاعدة بالعالم، والتي شهدت تنامي حضور العالم متعدد الأقطاب، فإيران لم تضرب مطارات إسرائيل فقط، بل ضربت الهيمنة الغربية والسلاح الغربي والتصنيع العسكري الأمريكي.

5- ثبوت إنسانية هذه الضربات للقوى الصاعدة، فإيران لم تستهدف مدنيين، بل قواعد عسكرية، خلافا لإسرائيل الذي يكمن أكثر من 90% من نشاطها العسكري ضد مدنيين والحياة المدنية بشكل عام، هذا يطرح أسئلة وأجوبة عن تصرفات القطب المهيمن وأهليته لقيادة العالم، ومن خلال تلك الأسئلة يجري تشكيل القناعات وصعود قوى منافسة لضبط ميزان الكوكب..

6- الصعود الاقتصادي والتكنولوجي الكبير للصين، حتى صارت هذا البلد أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، ومن حيث براءات الاختراع، ومن حيث التصنيع الألكتروني، ومن حيث أقل نسبة فقر بالعالم..هذا له تأثيره في قناعات وميول البشر بالعموم، حيث ينقل ولاءات وخضوع ومصالح الناس من الغرب إلى الشرق..

7- عدم تقديم الغرب أجوبة مقنعة أو منطقية أو أخلاقية عن سر دعمهم لجرائم إسرائيل، في وقت يستنكرون فيه جرائم روسيا، إضافة لعدم تقديم أجوبة منطقية عن عديد من ملفات العالم التي صار فيها القطب الأواحد القديم مزدوج المعايير وعنصري النزعة، ويتعامل مع قضايا البشر بمنطق (العصابات) التي تحرص على مصالحها الداخلية بين عناصرها، وعلى العدالة الداخلية بين أفرادها، لكنها تنكر أي عدالة وأي مصالح للغير ..

حركة التاريخ تقول أن مجرمي إسرائيل والغرب إذا أفلتوا من العقاب فهذا لا يعني أنهم في مأمن من التغيير، فمجرد طرج فكرة عقاب القطب الأعظم أساسا هي تعني وجود قطب آخر لا يقل عظمة هو الذي طرح هذه الأسئلة، وهو الذي يقدم نفسه كبديل إنساني يوقف هذه الكوارث