|
|
غلق |
|
خيارات وادوات |
|
مواضيع أخرى للكاتب-ة
بحث :مواضيع ذات صلة: ذياب مهدي محسن |
ماطور اضعيف؛ وعلاهن فلاحة عاشقة...
تمخر الفلك والمواطير في شط ابو جفوف، شط الشامية فرع من الفرات، النهر الطافح بالماء الدهلة.. يجري جارفا، منسابا، مترقرقا، مزمجرا، عذب كعاشق يتسكع وئيدا في انتظار حبيبته.. يهمس للشجر وللقمر وللضفاف متماهيا مع النسيم الذي استحم ببرودة ظلال بساتين النخيل واشجار الغرب وصفصاف الشواطئ العاشقة، ونزق الماء الممتد الى حيث لا تخوم.. الشمس الساطعة والغافية على وسادة من سحب تتجمع وتفترق كأنها بجعات بيض ضخمة تمارس لعبة طفولية " غميضة الجيجيو" ولحد الآن لم اعرف ما معنى ( الجيجو!؟) و حسب قول: اهلنا هناك، سكان الريف القرويين، السفن، ويقصدون بها الفلك والمواطير والبلامة الكبيرة " لنجات، مفردها، لنج" وماطور اضعيف، متجه شمالأً صوب ناحية الصلاحية، ومرساته عند، قرية عكَر، عند فرع نهر اغضيب " ناظم اغضيب" وهنا، حيث ينحرف شط ابو جفوف ويشكل مجراه ما نسميه " الخورة" هذا الجرف " الشريعة" كانت تسكنه عوائل ننعتهم ( البو سلامات) وهم ممن يملكون المواطير الآلية الكبيرة للنقل النهري، وكذلك الفلك ومحركاتها تشتغل بالديزل، تصل للشامية في صباحاتها المفعمة بنشوة الفجر، والنسائم العبقة برائحة الصفصاف، وشلب العنبر، مطعمة بفوحان رائحة مياه دهلة الفرات وقت " خنيابه" حيث ماء الشط أحمر بغرينه، الطين الحري المذاب فيه من منبعه.. وبعد الظهر حيث يتجمع ممن أتى فيهم، والعودة إلى اهاليهم، حيث قضوا حاجاتهم، بيع وشراء، وتسوق ولقاء، وقضاء بعض امورهم في مراجاعتهم للدوائر الحكومية، او لمستشفى الشامية، وغير ذلك.. بعد الواحدة ظهراً تبدء المغادرة، " اتغرب " المواطير والفلك، باتجاه شمال الشامية، وبالتتابع حسب السره، فالذي يصل اولا، يعود متأخراً، والعكس هكذا، وعند العودة في اليوم الثاني يكون السره مختلف وحسب ممن يصل لمرسى المبيت اولاً، يعود للشامية متأخرا.. كنت في الأول متوسط، استأذنت والدتي بالذهاب الى مكائننا " مضخات مهدي غلآم " المنصوبه في منطقة صدر عكر، حيث تسقي المزروعات والناس والطيور، يعني تسقي الحرث والأرث.. والدي كان على سفر، اخوتي الكبار لم يمانعوا في ذهابي حيث الوالدة طلبت منهم الموافقة، أخي ( ريس ) وهو الأكبر مني وتسلسله الرابع في العائلة وانا أأتي خامساً، اخذني لحد شريعة الزوارق الألية ( المواطير، والفلك) ونحن نعرفهم، ونعرف اصحابها جميعهم، سلم أخي على " اضعيف" وهو ممن يملك ماطور كبير محركه آلي يشتغل بالديزل، رحب بنا، وطلب منه أخي ريس ان يصلني الى مضافتنا عند مكان المضخات، واوصاه: " اضعيف ديربالك تغفل عن ذيبان؟" ضحك اضعيف ورده: " يابن الشيخ تعرفني بذيبان من خلقه ما يحمله،! هههههه" ضحكنا، وركبت في اعلى الماطور على سطحه، و فيه اغراض العبريه" ركابه" من النساء والرجال، وما اشتروه، وما ارجعوه حيث لم يباع، وفي الماطور يركب ويحمل به، البشر والحيوانات، طيور داجنة، ماشية وحتى الأبقار وغيرها.. بعد نصف ساعة تحرك ماطور اضعيف، يمخر مياه دهلة شط الشامية، " مغرب " اي شمالا، متحدياً تياره الجارف حيث كان في زيادة، وعكسه " مشرج"، آي جنوبا، منحدر.. الماطور مليان بالركاب، وحتى فوق سقفه كان بعضهم جالس مع اغراضه وانا بقربهم كذلك، والشمس " تصكَع" تتقد علينا باشعتها، فالفصل صيف، وهذا شهر تموز، وانا في العطلة المدرسية اتمتع بهكذا سفرة، الهوى بارد مرطوب، حيث رذاذ الماء الناتج من سير الماطور عكس جريان النهر، فيولد نثيث من قطرات ناعمة من الماء تلفح وجوه الراكبين، طيور النورس " الغاك" تلاحقنا حيث بعض الركاب يأكل ويرمي بعض فتات خبز او بقايا طعامه في النهر مما يجعل النوارس تتسابق وتزدحم في الحصول على بعض ما تأكله.. وانا متونس بهكذا مشهد، الماطور يتوقف على شاطئي النهر شريعته، تارة على جرفه اليمين لينزل بعض الركاب، وتارة اخرى على يسار جرف النهر شاطئه، وهكذا حتى يصل إلى شريعة البو سلامات، مرسى الماطور الآخير.. وكنت اساعد بعض النسوة والزلم " الرجال" حينما يريدون النزول، وارتاح لمفرداتهم في لهجتهم الريفيه " حبوبه هييجني ويالك" او " عمي أبن الحجي ناوشني هذا المرواح" ، " خاله زم وياي المعيطريه" ، " يالولد: اطني هذي التبليه" وهكذا وهم يدعون لي، ولوالديه وعفيه، واللهم يطول بعمرك، وبالبطن النكَلتك"، ومن يعرفني يتمازح " ها يالحضري وين امولي بهل ظهرية!؟" المهم انا ساعة على سقف الماطور، ومرة مع ركابه، في وسطهم، واتحرك ما بينهم اطفر مابين اغراضهم، اذهب الى مؤخرة الماطور حيث الدفة وفيها " سكان يدوي" للماطور عندما يتعطل المحرك، واضعيف: " بويه أبن الحجي أركد شويه، لا توكَع وتبلينه وي ابوك!"، لمحتها مع بيبيتها، انها ( علاهن ) التي رأيتها مرة مع أخي في طبر ناشف، تغطية الحلفاء وشجيرات الطرفه والطرطيع، يمارسان الحب، عند بستان متروك لم يزرع حيث ارضه صبخة، فيسمى بستان البور، كانت تغزوه نباتات الحلفاء الكثيفة، وشجيرات الطرفة وبعض الحشائش الطبيعية، وعلاهن؛ تسرح ببقارتهم عند هذا البستان وهو يبعد عن بيوت القريه حوالي (3كم)، وبعد هذا كانت تتودد لي وتتقرب وتعطيني بعض اشتغالات يدها، حينما تصنع من خوص سعف النخيل اشياء جميلة،( فرارات، مهفات صغيرة، مكنسه، واحيانا تسف لي ما يشبه القبعة)، وهي تسف ايضاً اشرطة عريضة لصنع منها الحصران الكبيرة، وكذلك لصناعة ( خصاف التمر) حيث يوضع فيه التمر ويكبس، حينها يسمى ( الحلان).. علاهن قمحية الوجه، مضيئة، عيناها دعجاء بسواد دامس بؤبؤها يسبح في بياض عينيها الرقراق بفيض مائه، دمعه، وحاجبين سميكين معقودين كهلال اسود يغطي عينيها المكحولتين من طبيعتهن، واما رموشها فكانا كسعف نخلة نشوة وحينما ترمش فأنهن يتلامسن مع حاجبيها كعاشقين يتلاثمان القبل.. وحينما عبرت على دوسة الماطور امسكت بي علاهن وسلمت، وانا في استحاء شديدة واخاف من كلمة تصل إلى أبي فهنا مشكلة؟، قالت:" بيبي هذا ذيبان أبن مزكاية، ابن حجي مهدي غلآم"، مدت يدها الجده وامسكتني من شعري، ثم سحبتني وقبلتني من خدي، وخصة والدتي مزكاية بالسلام.. علاهن مبتسمه، ركاب الماطور كلهم ينظرون، لهذا المشهد فقسم منهم لا يعرفني بأنني أبن الملاك مهدي غلآم، المهم قالت لي علاهن:" اكعد اهنا، موش اخيك وصى اضعيف ان تكعد وتركد"! واشعرتني بقرصه من يدها عند فخذي، جلست وانا محمر الوجه، خجلا ومن الحر، وتحركاتي في الماطور.. وهمست:" ذيبان راح اتبات عند خوالك"؟ هززت رأسي بموافقة كلامها، ثم نهضت اساعد بعض النساء حيث ( جدم، توقف) الماطور عند جرف النهر، ورجعت حينما تحرك الماطور، جلست قرب المقدمة، كانت علاهن شابحة بعينيها نحوي، واحس ببريق عينياها ولهفتها وبنشوة القاء، لكن لا افهم مقصدها، حيث تغمز لي بطرف عينها، وتلاعب شفتيها العنابية بلسانها، وصلنا ناحية الصلاحية، بعض الركاب نزلوا، وانزلوا اغراضهم، وانا اساعد بعضهم، تقريبا لم يبقى من العبريه إلا القليل من الرجال والنساء بضمنهم علاهن وجدتها، ويمخر ماطور اضعيف تقارب لمنطقة نهر الحدادي ومن هنا تبدء حدود اراضينا، وبعد نهر الحدادي وعلى ضفتي النهر بقج، مفردتها بقجه، حديقة بيتوتيه، وبالشعبي " بكشه" تسيجها اشجار الصفصاف غالباً مع اشجار التين، وكل بكشه امامها شريعة تستعمل لأهلها، حيث لا اسالة ولا مياه صالحة للشرب فتستعمل مياه الشط بعد التصفيه البدائية للشرب وكذلك للاستحمام وتنضيف الملابس والسباحة في الشط صيفا، وهنا يقع بيت،" جرير"، ( العاشق الذي فقد عقله بعشقه)، وكان من الاذكياء والنوابغ في دراسته فهو تخرج من الثانوية، الفرع العلمي بمعدل عالي جدا، وقبل في الكلية الطبية، جامعة بغداد، ولكونه من الطلبة الشيوعيين، وحدث انقلاب 8 شباط الاسود 1963 وهو في الصف الثاني طب، وعاشق، تم سجنه وتعذيبه في مقر الحرس القومي في الاعظمية، وبعد انقلاب 18 تشرين الأول اطلق سراحه ولكنه فقد السيطرة على عقله، فترك الأول والتالي، ورجع الى قرية عكَر، يقرأ، ويغني بصوت شجي، حينما يجلس على جرف النهر عند شريعتهم، وفي الظهاري كان الجو يهزه، وللنهر امواج لا تنتهي.. وللغناء سلطة وسطوة وعرش عليه.. دون ان يعي يرفع صوته الجميل الصادح بالغناء.. فتقف ضفتا النهر على أقدامها انبهارا.. فصوته الجميل يتغلل في متاهات الروح ويستفز ما نام او قر او رسخ من الهموم.. واطلق هذا الجو الساحر والحلمي العنان لعواطف ( جرير العاشج) الذي يجد صعوبة بالغة في السيطرة عليها كل ظهيرة حينما تمر المواطير او الفلك من امام شريعتهم. علاهن تنظر لي وتهز رأسها غفلة عن جدتها، وانا إبتسم بوله، اشبيب لا يعرف طريق العشق وما ورائه! " جرير عاشق مسودن" سمعت اضعيف يتكلم مع احد الركاب الأفندية وعلى مايبدو هو ليس من اهل الريف، من اهل قرية عكَر.. وجرير العاشق، بركان أشواقه المستيقظ دائما لا يلويه او يحجزه شيء.. فيسعى تملصا من هديره الداخلي فيصدح بصوته وصداه، من ضفة النهر الثانية وبساتين النخيل، شاردا في النهر الذي ينتهي حيث تنتهي الأمواج الجميلة.. وتشتعل الاجساد الجامحة بالرغبة والاماني والاحلام.. وينتظر العشاق، والعاشقات من صبايا الفلاحات خاصة، في حقولهم كانوا او في بيوتهم، يسمعوا صوت جرير.. جرير العاشق الكبير والمخضرم.. الذي شاعت قصة غرامه منذ نيف من السنين.. ويطوفوا مع صوته وأغانيه المكلومة دائما. جرير، ذلك الرجل الاسمر القوي الواثق من نفسه، الذي لم يتنازل عن حبه رغم سواتر اليأس والعذابات التي تعترض طريقه، وجميع اهل القرية بل اهل الناحية، يعرفون قصته تماما ويعتبرون ظفره بمن يهوى من المستحيلات.. قرب ماطور اضعيف، حيث يمر امام شريعتهم، وانا اصغي السمع لهذا الصوت الجميل والذي يذكرني بصوت رادود حسيني في النجف ( كاظم القابجي) فصوته يشبهه بالتمام وايضا طور غنائه يتقارب مع طوره " اقصد طور القابجي الحسيني النجفي" وجرير يغني دون ان يشعر بالتعب او تتقطع انفاسه او يتحشرج صوته الهادر الذي راح يوقظ ظهرية النهار، مترنما بطوره وكما قلت بالحسيني العاشورائي، صوته الشجي يمطر حزنا واسى، وما صعد من جرعة الحزن والاسى موال الحاج زاير الدويج الشاعر، الثريا، في سماء الشعر الشعبي العراقي، والذي كان تلك الظهرية على مايبدو، موافقا لمزاجه ومتماهيا مع روحه العاشقه والمظلومة.. إذ راح يردد بشوق وشغف وبصوت يصدح كلمات دويج المعبرة.. ويفرط في تطريزها بما يملك من عرب قوية.. وهو يقول :
|
|
||||
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
نسخ
- Copy
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
اضافة موضوع جديد
|
اضافة خبر
|
|
|||
|
نسخة قابلة للطباعة
|
الحوار المتمدن
|
قواعد النشر
|
ابرز كتاب / كاتبات الحوار المتمدن
|
قواعد نظام التعليقات والتصويت في الحوار المتمدن |
|
|
||
| المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الحوار المتمدن ، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الحوار المتمدن اي تبعة قانونية من جراء نشرها | |||