-بالروح بالدم- – مرة أخرى عن ثقافة القطيع! في سوريا


ميشيل الشركسي
الحوار المتمدن - العدد: 3329 - 2011 / 4 / 7 - 19:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

حين يصير الناس في مدينة
ضفادعاً مفقوءة العينين،
فلا يثورون ولا يشكون،
ولا يغنون ولا يبكون،
ولا يموتون ولا يحبون،
تحترق الثمار،
ويصبح الإنسان في موطنه،
"أذل من صرصار"!!!..
نزار قباني – قصيدة (الممثلون)

يشنّ التلفزيون ووسائل الإعلام الرسمية السورية اثرالمظاهرات والاحتجاجات الشعبية الدامية في البلاد التي طالبت بالحرية والديمقراطية، حملة تجييش هائلة ليس لها نظير ضد المتظاهرين والمؤيدين لمطالبهم العادلة، وضد المعارضة غير المدجّنة متهمة الجميع بالعمالة والاندساس والتآمر.
في "سوريا- الأسد" لا خروج عن سكة القطيع، فالجميع يجب أن يكون لهم صوت واحد وقائد ملهم واحد وحزب واحد! وفي سوريا حتى الأطفال في رياضهم يرددون شعار: (بالروح بالدم.. نفديك يا بشار) حسب ما تبجحت به احدى الفنانات من على شاشة التلفزيون السوري الرسمي (في تفنن بالنفاق!). أي أنهم يُلقنون ثقافة الصوت الواحد، "ثقافة القطيع" من المهد إلى أن يكبروا ويشاركوا في مسيرات التأييد المليونية، ويصرخوا لـ "الأخ الأكبر"، القائد الملهم: (- مطرح ما الأسد بيدوس. نحن بنركع وبنبوس! – يا بشار لا تهتم. بدنا نعبي الساحة دم!).
على ما يزيد عن أربعين عاماً يعيش الشعب السوري تحت حكم نظام ديكتاتوري دموي يتحكم عبر أجهزته الأمنية العديدة بكل مناحي الحياة في البلاد تماماً.
هذا القمع للناس والفكر المعارض بكافة أطيافه يمتد بجذوره جزئياً إلى مبدأ كان أقرّه منذ عهد سحيق مؤسس الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان: "نحن لا نحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين السلطان". ومع أن الدستور السوري مثله مثل الكثير من دساتير العالم يضمن نظرياً حق المواطنين السوريين في المعارضة: (لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية، بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى). مع ذلك فإن حالة الطوارىء والأحكام الاستثنائية قادرة على إبقاء أي مواطن رهن الاعتقال من المهد إلى اللحد، بدون توجيه أية تهمة محددة!..
جبل الجليد المتجمد منذ عقود بدأ بالتحلحل، وأغلبية الشعب السوري (الأغلبية الصامتة) وهي التي أُخرجت من السياسة قسرياً، ولم يكن لها أي صوت، بدأ صوتها الآن يظهر. ربما ضعيفاً ولكنه يكبر ويعلو. لقد علا صوتها مع انتفاضة أهل درعا الشجعان الأحرار الذين كانوا يصرخون في الساحات وصدورهم عارية تواجه البنادق والرصاص الحي:
(- سلمية سلمية. لا لا للطائفية – يا بثينة يا شعبان شعب درعا مش جوعان – لا سنية ولا علوية، وحدة وحدة وطنية – خاين يللي بيقتل شعبه – الشعب السوري ما بينذل – وينك يا حرية وينك، أمن وعسكر بيني وبينك..).
هل تظن السلطة الحاكمة في سوريا أن هذا الوضع يمكن أن يظل على ما عليه، وأن يصبر الشعب السوري على الذل والهوان ومصادرة حرياته الأساسية إلى الأبد!.. بعد أن أحس برياح الديمقراطية والحرية التي تهبّ على المنطقة من تونس مروراً بمصر وتعصف بأنظمتها الشمولية المستبدة والجائرة.
يجب على النظام السوري أن يفهم أن تغيير الشكل السياسي الشمولي للحكم يجب أن يتم دون تأجيل. يجب تفكيك الديكتاتورية وإطلاق الحريات السياسية للشعب مع إخلاء سبيل كل معتقلي الرأي وإغلاق ملفات المفقودين في سنوات الثمانينات والمجردين من حقوقهم المدنية والممنوعين من السفر، ردّ المظالم إلى أهلها. مع التأسيس لنظام قضائي مستقل ونزيه وإنهاء الفساد والمحسوبية وحكم العائلة وفلتان الأجهزة الأمنية. أقول ذلك مع قناعتي شبه التامة (وأرجو أن أكون مخطئاً) أنّ النظام الذي أنشأه حافظ الأسد في سوريا وأورثه لإبنه من بعده هو نظام غير قابل للإصلاح!..
إنّ العار يتلبس الذين ينظمون للنظام مسيراته (القطيعية) للتأييد والتهليل، فغالبية الشعب (الأغلبية الصامتة) يتحينون لحظة الفرح ليعبروا عن الابتهاج بزوال الليل البهيم الذي يقبع على صدورهم ويكتم أنفاسهم ويدفن أحلامهم..
لن ينفع الإرجاء والانتظار..
لن ينفع التجميل والترقيع..
إنّ أرض سوريا لم تعد تتسع للجثث..
إنّ رائحة الياسمين وصلت.. وتنتشــر