حكاية الشيخ الحكيم والكلاب الجائعة


أحمد الحاج علي
الحوار المتمدن - العدد: 830 - 2004 / 5 / 10 - 05:22
المحور: الادب والفن     

يحكى أن شيخا ًعجوزاً . أشتهر بين أهله وفي منطقته بالحكمة . وكان ينتقل بين القرى والأرياف على ظهر حمار ابيض . ليتوسط في الخلافات التي تنشب بين الفلاحين المتخاصمين . ويحكم بينهم بالعدل .

كان الشيخ العجوز يحمل بيده عصا زعرور كبيرة قطعها من وادي النوم* ويغطي رأسه طربوش مغربي لف عليه شال مطرز بحرير من مصياف* له لون القصب ، ويحكى أن العجوز الحكيم , كان يعرف لغة و إشارات الحيوانات والطيور . وغالباً ما كان يقضي معظم أوقاته في البراري أو في كروم التين والزيتون يستمع إلى شكاواهم ويحل خلافاتهم , وقد أكد عدد كبير من أصحاب الكروم انهم رأوا الشيخ الحكيم عشرات المرات وهو يكلم عصافير التين وأبي الحناء , وحلفواأيمانا غليظة انهم شاهدوا الأرانب و السلاحف والقنافذ تقترب من الشيخ ويتسامر معها كما يتسامر رجل مع رجل .

وفي المساء يركب حماره الأبيض ليعود إلى بيته , وفي الطريق يحدث نفسه: على المرء أن يكون محبا للآخرين , الإنسان الذي لا يحب لا إيمان له , الإنسان الذي يخدم الناس لا يعرف الكره , السعادة نجدها في خدمة الناس .

وفي أحد الأيام كان عائداً إلي بيته , يتكلم مع نفسه كادت المفاجأة تربكه وكاد يقع من على ظهر حماره الأبيض فقد نبح عليه كلب كبير بحجم ضبع , كان ينهش من لحم جيفة ملقاة على جانب الطريق , وحوله مجموعة كبيرة من الكلاب و الجراء الصغيرة . صاح بحماره : هش هش , توقف الحمار واقتربت الكلاب و الجراء الصغيرة من الشيخ الحكيم وهي تبصبص بذ يولها .

قال الشيخ الحكيم للكلاب : هيه . ما الأمر . أرى أنكم لا تأكلون من الجيفة يا أصحابي .

قال أحد الكلاب بعد أن اقترب من الشيخ الراكب على حماره الأبيض : لا أحد يجرؤ على الاقتراب من الجيفة وقال كلب آخر : منذ ساعة اقترب أحد الجراء من الجيفة ليأكل , كان المسكين جائعاً فما كان من الكلب الكبير إلا أن هجم عليه وكاد يمزقه , فيما راح الجرو يصوي وابتعد بعيداً بعيداً .

وقال كلب آخر : لن نأكل حتى يشبع الكلب الكبير .

أبتسم الشيخ الحكيم وقال : يا أصحابي إذا كنتم تنتظرونه حتى يشبع ، أُطمئنكم وأقول لكم : إنه لن يشبع أبداً .

قال كلب آخر : وما العمل يا صديقنا الشيخ ماذا تنصحنا أن نفعل ؟

هز الشيخ الحكيم رأسه وقال : لا تنتظرا الحل من عابر سبيل مثلي ، لماذا لا تفكروا أنتم في مشكلتكم ، بل أحسن لكم أن لا يفكر أحداً عنكم ، والآن وداعاً يا أصحابي .

ساق الشيخ العجوز حماره الأبيض متابعاً طريقه إلى بلدته , وعاد يتكلم مع نفسه . نعم . نعم . هؤلاء الكلاب خائفون ، نعم الخوف يشل التفكير ، الخوف يشل التفكير ، نعم . الخوف يعطل العقل ، إنهم اعتادوا الخضوع , ماذا أستطيع أن أقدم لهم ، ماذا أستطيع أن اقدم لهم .

وفي تلك اللحظات بدأت تصل إلى أذنيه نباح كلاب , سرعان ما عبرت بجانب الشيخ ، وأمامهم كلب كبير يعوي باستجداء مهزوم .


· وادي النوم . وادٍ يقع إلى الشمال الغربي من مدينة إدلب على بعد عشرة كيلو متر .

· مصياف . مدينة تابعة لمحافظة طرطوس .