من 98 الى 2: الحزب بين اللص وابن ابيه 129
طلال الربيعي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 00:20
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
هذه هي الحلقة 129 في سلسلة "التحليل النفسي وتطبيقاته المعرفية.
----------
من الكاوتف إلى المنطقة الخضراء - اسم الأب هو القانون الفعلي
من الواجب المقدس عند فهد إلى طقوس الولاء عند بريمر
*مقدمة: وثيقة بعظمة لسان فهد*
قبل أي تحليل نظري، نضع وثيقة فهد الأصلية، حتى لا يقول أحد إننا نفتري.
يقول فهد في كراسه "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية" بعظمة لسانه:
> "وأصبح ما يقوله قائدنا الأكبر ستالين، وما يأمر به، واجبا مقدسا وأمرا مطاعا ليس فقط من قبل أعضاء الحزب والطبقة البروليتاريا السوفيتية والشعوب السوفيتية بل من البروليتاريا العالمية والشعوب"
(يهذا ذكرنا بأوامر بريمر بعد عشرات السنين التي أطاعها الحزب الشيوعي العراقي عند انضمامه إلى مجلس الحكم)
هذه الفقرة تثبت كل شيء.
أولا، عبارة "واجبا مقدسا". هذه ليست لغة ماركسية ولا لينينية. هذه لغة معبد. ماركس لم يقل يوما أن طاعة شخص واجب مقدس. هذه لغة كهنوتية. لماذا طاعة أوامر ستالين واجب مقدس؟ هل الولاء يجب أن يكون للشعب العراقي وكادحيه في المقام الأول، أم للأب أو الرب ستالين؟
ثانيا، بأية صفة يخول فهد لنفسه أن يعطي محاضرات للبروليتاريا والشعوب السوفيتية والعالمية؟ فهد عضو في حزب سري صغير ملاحق، فكيف يتكلم باسم الشعوب السوفيتية وكل شعوب العالم؟ هذا ليس نهجا دكتاتوريا فقط، بل هو بالضد من المبدأ اللينيني نفسه بحق الشعوب في تقرير مصيرها. لينين قال لكل شعب الحق أن يقرر مصيره، فهد يقول كل الشعوب يجب أن تطيع ستالين. هذا يثبت أن فهد لم يفهم الماركسية ولم يكن لينينيا، كان فقط داعية ستالينيا أو رجل كهنوتي تلبس لباس الشيوعية، كما تبين كلماته بكل جلاء: "واجبا مقدسا".
ثالثا، هذه الوثيقة هي نفس ما فعله تلاميذه بعد 60 سنة مع بريمر. أصبح ما يقوله قائدنا الأكبر بريمر، وما يأمر به في أوامره الـ100، واجبا مقدسا وأمرا مطاعا. فهد أطاع أوامر ستالين كواجب مقدس، الحزب أطاع أوامر بريمر كواجب مقدس. تغير اسم الأب فقط، بقيت البنية.
لهذا وضعنا هذه الوثيقة في المقدمة تماما، لأنها تمنع أي أحد أن يقول إننا نفتري على فهد. نحن لا نفتري، نحن ننقل واجبه المقدس.
ومن هذه الوثيقة يبدأ مقالنا: من هو ستالين الذي أصبحت طاعته واجبا مقدسا، وكيف تحول واجبه المقدس إلى واجب بريمر المقدس؟
ولكن مفتاح القراءة للقارئ هنا هو: ما هو "اسم الأب" عند المحلل النفسي لاكان؟
قبل أن تبدأ القراءة، يجب أن يفهم هذا المفهوم لأنه مفتاح كل المقال. عند المحلل النفسي جاك لاكان، الأب ليس الرجل البيولوجي الذي أنجبك.
لاكان يقسم حياة الإنسان إلى ثلاث مراحل:
مرحلة الأم: الطفل يعتقد أن العالم هو أمه، لا يوجد قانون، لا يوجد ممنوع، كل شيء مسموح.
دخول الأب: فجأة يأتي صوت يقول: لا. ممنوع. يجب أن تذهب للمدرسة، يجب أن تحترم القانون. هذا الصوت، هذا المنع، هذا القانون، هو ما يسميه لاكان اسم الأب Nom-du-Père.
لماذا يسميه اسما؟ لأن القانون لا يأتي بالضرب، يأتي بالكلام. عندما تقول الأم للطفل "أبوك سيغضب"، هي لا تتحدث عن رجل، بل عن قانون. كلمة "أبوك" هنا هي اسم للقانون.
وظيفة اسم الأب أن يفصل الطفل عن الأم ويدخله المجتمع. بدون اسم الأب يبقى الطفل يتيما، متعلقا بأمه. مع اسم الأب يصبح له هوية: أنت عراقي، أنت شيوعي، أنت ابن عشيرة.
اسم الأب قد يكون أباك الحقيقي، قد يكون شيخ العشيرة، قد يكون الدولة، قد يكون ستالين، قد يكون بريمر، قد يكون الله. كل من يقول لك "هذا هو القانون، أطعني"، هو يشغل وظيفة اسم الأب.
الفصل 1: أم ستالين والكاهن - الواجب المقدس الأول
جوزيف ستالين ولد لأم متدينة جدا، كيكي غيلادزه، أرادت أن يكون كاهنا. أرسلته إلى المدرسة اللاهوتية في غوري، ثم إلى معهد تيفليس اللاهوتي الأرثوذكسي. هناك درس اللاهوت، الترانيم، الطاعة.
طُرد في 1899 لأنه قرأ ماركس، لكن بنية الكاهن لم تتركه أبدا. حين أصبح حاكما، لم يلغ الدين، بل استبدله. حول الماركسية إلى لاهوت جديد: عقيدة كاملة، كلية القدرة لأنها صحيحة، لا تناقش. كلامه أصبح "واجبا مقدسا وأمرا مطاعا"، نفس العبارة التي كان يسمعها في المعهد الديني.
هذا مهم جدا: ستالين لم يكن ماركسيا بالمعنى العلمي، كان كاهنا ماركسيا. الكاهن لا يناقش العقيدة، يطيعها. لهذا كل من أطاع ستالين، أطاعه كواجب مقدس، لا كنظرية قابلة للنقد.
### من اللاهوت إلى اللصوصية: الأب اللص
ستالين لم يكن منظّرا يقرأ ماركس في المكتبة. بعد طرده من المعهد اللاهوتي في تفليس، تحول إلى رئيس عصابة.
الوثيقة التاريخية: في 26 حزيران 1907، دبر ستالين مع رفيقه كامو سرقة بنك تفليس الشهيرة في ساحة إريفانسكي. هجوم بقنابل ومسدسات على عربة تنقل أموال بنك الدولة، 40 قتيلا و50 جريحا، وسرقة 241 ألف روبل لتمويل لينين. قبلها وبعدها، شكل ما سماه بنفسه "نادي المصادرات البلشفية" أو "الفرقة": عصابة من 10 أفراد، بينهم 3 نساء، مهمتها: السطو على البنوك، خطف أبناء الأغنياء مقابل فدية، الابتزاز وفرض حماية، تزوير العملة، إعدام الخونة.
*هل كان لينين يعرف؟ نعم، وهو من أمر.*
المصدر الأكاديمي الأهم: Simon Sebag Montefiore, _Young Stalin_, 2007, Knopf - مبني على أرشيف الرئاسة الروسية. يفتتح الكتاب بـ Prologue: The Bank Robbery ويقول حرفيا:
> "Few outside the gang knew of the plan that day for a criminal terrorist spectacular, but Stalin had worked on it for months. One man who did know the broad plan was Vladimir Lenin, the leader of the Bolshevik Party, hiding in a villa in Kuokola, Finland, far to the north. Days earlier, in Berlin, and then in London, Lenin had secretly met with Stalin to order the big heist, even though their Social-Democratic Party had just strictly banned all expropriations, the euphemism for bank robberies. But Stalin s operations, heists and killings, always conducted with meticulous attention to detail and secrecy, had made him the main financier of the Bolshevik Centre."
> "a routine expropriation ordered by Lenin in 1907 to fill the party coffers, and led by Koba in a classic heist"
أي: سرقة روتينية أمر بها لينين في 1907 لملء خزينة الحزب، وقادها كوبا (ستالين).
*ما هو تبرير لينين للسرقة؟*
لينين لم ينكر، بل برر نظريا في مقالته 1906 "حرب العصابات Partisan Warfare":
1. *ليست سرقة بل استرداد:* بنوك القيصر أموال مسروقة من العمال، نحن لا نسرق بل نصادر expropriation ما سُرق من الشعب. مثلما صادرت البرجوازية أملاك الإقطاع في 1789.
2. *الحزب فوق أخلاق البرجوازية:* نحن في حرب أهلية بعد 1905، الحرب تحتاج سلاحا. البرجوازية تمول الشرطة لقتلنا، فمن حقنا تمويل أنفسنا بأي طريقة، بشرط أن يكون المال للحزب وليس للجيب الشخصي. لهذا كان ستالين عنده "الممول الرائع" وليس لصا عاديا.
3. *ضرورة الثورة تبيح المحظورات:* لو انتظرنا اشتراكات العمال، لن نشتري مسدسا. الثورة لا تمولها التبرعات، تمولها المصادرات.
بعد 1908، عندما تحولت المصادرات إلى عصابات تقتل وتسرق لنفسها وفشل كامو في تبييض الأموال المرقمة واعتقل في برلين، تراجع لينين علنا واستمر سرا عبر المركز البلشفي السري.
*الخلاصة لتجنب التشويه:*
في مسألة *اللصوصية*، ستالين كان لينينيا مخلصا أكثر من الحزب كله، نفذ أمر لينين السري ضد قرار المؤتمر العلني الذي منع السرقة.
أما في مسألة *حق الشعوب في تقرير مصيرها*، فستالين كان ضد لينين تماما. لينين قال لكل شعب حتى الجورجي والأوكراني الحق في الانفصال، ستالين سحق جورجيا وأوكرانيا، ولهذا شتمه لينين في وصيته الأخيرة وسماه "الشوفيني الروسي العظيم" وطالب بعزله.
فهد أخذ من ستالين الأسوأ في الحالتين: أخذ منه تقديس اللصوصية باسم الثورة، وأخذ منه إنكار حق الشعوب، فصارت طاعة ستالين عنده واجبا مقدسا.
الأب الثاني: لص أيضا. بريمر جاء ومعه 8.8 مليار دولار نقدا في صناديق كارتون إلى بغداد، اختفت. تحقيق الكونغرس نفسه وصفها بأنها أكبر عملية اختفاء نقدي في تاريخ الولايات المتحدة.
فهد عرف أن ستالين لص بنوك وقاتل، لكنه قال: "واجب مقدس وأمر مطاع". تلاميذه عرفوا أن بريمر لص 8.8 مليار وحل الدولة وصنع الفوضى الخلاقة، لكنهم قالوا: أمر واقع، مجلس الحكم واجب مقدس.
الابن البار يقدس أباه حتى لو سرق، لأن البديل هو اليتم. واليتيم المذعور يقبل أي أب، حتى لو كان لصا.
كما يقول القيادي القديم أبو يوسف سليم إسماعيل، أحد أعضاء اللجنة المركزية في عهد فهد، إن تقديس فهد لستالين كان تقديسا للأب رغم علمه بأنه لص بنوك. وقد نفذ ستالين بأمر مباشر من لينين سرقة بنك تفليس في 26 حزيران 1907 في ساحة إريفانسكي، وهي الحادثة التي وثقها سايمون سيباغ مونتيفيوري في كتابه _ستالين الشاب.
أما سقوط الحزب الثاني، فقد وثقه البروفيسور طارق يوسف إسماعيل في كتابه _صعود وسقوط الحزب الشيوعي العراقي، حين قال: "صدرت شهادة وفاته باحتلال العراق عام 2003 بعد أن تخلى عن تقدميته وانغماسه في وحل الطائفية المقيتة". وهو يشير بذلك إلى مشاركة قيادة الحزب في مجلس الحكم الذي شكله بول بريمر، وهو نفسه الذي اختفت في عهده 8.8 مليار دولار نقدا في بغداد، وهي الحادثة التي حقق فيها الكونغرس ووصفها بأنها أكبر اختفاء نقدي في تاريخ الولايات المتحدة.
وهنا جوهر فكرة "الواجب المقدس حتى لو كان الأب لصا". عند لاكان، قداسة الأب لا تأتي من أخلاقه، بل من وظيفته الرمزية كقانون يمنع الفوضى. فهد قدس ستالين رغم لصوصيته، وتلاميذ فهد قدسوا بريمر رغم لصوصيته، لأن اليتيم المذعور يقبل أي أب، حتى لو كان لصا.
الفصل 2: فهد في بيت الأب
- جامعة كوتف 1934-1938
يوسف سلمان يوسف، فهد، مؤسس الحزب الشيوعي العراقي، لم يقرأ ستالين من كتاب مترجم في بغداد. ذهب جسديا إلى بيت الأب.
في 1934 أرسل إلى موسكو، إلى جامعة كادحي الشرق الشيوعية KUTV - Communist University of the Toilers of the East. هذه الجامعة أنشأها لينين خصيصا لتربية أبناء المستعمرات ليكونوا أبناء شرعيين للاتحاد السوفيتي.
هناك عاش فهد أربع سنوات، تعلم الروسية، أكل من مائدة الحزب السوفيتي، لبس ملابسه، عاش في داخلية الحزب. ولادته الثانية كانت هناك. عاد إلى بغداد ليس ككلداني فقير من برطلة، بل كـ "ابن ستالين الشرعي في العراق". نسبه الجديد اكتسبه في موسكو.
لهذا حين عاد، دافع عن ستالين حتى المشنقة في 1949. حين سأله الضابط الملكي: لماذا تطيع ستالين وهو بعيد؟ قال فهد ما معناه: لأن كلامه واجب مقدس. لم يكن يدافع عن نظرية، كان يدافع عن أبيه، عن نسبه الجديد الذي يخاف أن يفقده فيصبح يتيما مرة أخرى.
الفصل 3: الخوف من اليتم - 1991
في 26 ديسمبر 1991 انهار الاتحاد السوفيتي. مات الأب. ليس أبا بيولوجيا، بل أبا رمزيا.
ما الذي يحدث لطفل مات أبوه؟ يخاف. يشعر باليتم. يبحث عن أب جديد يحميه ويمنحه هوية وشرعية. هذا ما حدث للحزب الشيوعي العراقي و لأحزاب شيوعية أخرى في العالم.
من 1991 إلى 2003، الحزب كان يتيما. بلا مال سوفيتي، بلا نظرية سوفيتية، بلا حماية. حاول أن يكون ديمقراطيا، حاول أن يكون وطنيا، لكنه لم يجد أبا جديدا.
هذا الخوف من اليتم هو الذي يفسر 2003. اليتيم لا يختار أباه بالعقل، يختاره بالخوف. أي أب يأتي ويقول "أنا أحميك" يقبله.
الفصل 4: اليسار المتوافق - إستراتيجية أمريكا في الحرب الباردة
هنا ندخل الوثائق الأمريكية التي رفعت عنها السرية. من 1950 إلى 1980، وكالة المخابرات المركزية CIA عبر مؤتمر الحرية الثقافية Congress for Cultural Freedom، أنفقت ملايين الدولارات ليس لقتل اليسار، بل لصنع يسار جديد.
الفكرة بسيطة وعبقرية: لا تقتل اليساري، اجعله يتخلى عن الصراع الطبقي. اجعله يتحدث عن الهوية، عن الديمقراطية، عن حقوق الإنسان، عن المجتمع المدني، بدل أن يتحدث عن الأجور، عن المصانع، عن الملكية او الصراع الطبقي.
المؤرخ س. ر. شروك يسمي هذا "اليسار المتوافق". يسار متوافق مع الرأسمالية، لا يهددها. يسار يقول "نعم للسوق مع بعض العدالة". هذا هو الحزب الديمقراطي الأمريكي، هذا هو حزب العمال البريطاني الجديد، وهذا هو الحزب الشيوعي العراقي بعد 1991.
الحزب خفف خطابه المناهض للرأسمالية بين ليلة وضحاها، مقابل مقعد في مجلس الحكم. لماذا؟ لأنه طبق إستراتيجية اليسار المتوافق بدون أن يقرأها: تخلى عن الصراع الطبقي، فأصبح مقبولا من بريمر.
النتيجة: قطيعة كاملة مع حركة المقاومة، وصار يُرى في الشارع العراقي كمتعاون، ليس لأنه عميل، بل لأنه متوافق.
الفصل 5: من كوتف إلى المنطقة الخضراء - نفس الرحلة
في مارس 2003 دخلت الدبابات الأمريكية بغداد. في مايو 2003 جاء بول بريمر كحاكم مدني. سكن في القصر الجمهوري، في المنطقة الخضراء.
تلاميذ فهد فعلوا نفس ما فعله فهد في 1934. لم يقرأوا بريمر من بعيد، ذهبوا جسديا إلى بيته. دخلوا المنطقة الخضراء، جلسوا في مجلس الحكم، أكلوا من مائدته، أخذوا رواتبهم منه، أخذوا شرعيتهم منه.
من كوتف إلى المنطقة الخضراء، نفس الرحلة إلى بيت الأب. فهد ذهب إلى موسكو ليصبح ابنا شرعيا لستالين، تلاميذه ذهبوا إلى المنطقة الخضراء ليصبحوا أبناء شرعيين لبريمر. وفي الحالتين, كان ثمن اسم الاب هو الصمت عن اللصوصية
ولم يكن دخول الحزب إلى مجلس الحكم الذي شكله بريمر قرارا سياسيا بحتا، بل كان طقس نسب عشائري ايضا. فالاحتلال لم يكن شرعيا، لكن الحزب اعترف بشرعيته كي لا يقال عنه إنه "ابن أبيه". و "ابن أبيه" في المجتمع العراقي العشائري ليست مدحا، بل وصمة عار تعني مقطوع النسب، بلا أب يحميه. فالحزب بعد انهيار أبيه السوفيتي بقي يتيما، فقبل أي أب جديد، حتى لو كان لصا، كي يحافظ على "اسم الأب". وهذا هو الواجب المقدس عند لاكان: تقديس الأب ليس لأخلاقه، بل لوظيفته كقانون يمنعك من أن تكون بلا نسب.
لهذا لا يشعرون بالتناقض. لأنهم في اللاوعي يكررون بنية فهد، لا محتوى فهد. فهد أراد إرضاء اسم الأب، وهم أرادوا إرضاء اسم الأب. الشكل متناقض (فهد ضد الإنجليز، هم مع الأمريكان)، لكن الجوهر واحد (الوفاء لوظيفة اسم الأب كواجب مقدس).
الفصل 6: فانون - البرجوازية السمسارة
فرانز فانون في "معذبو الأرض" 1961، فصل "محن الوعي الوطني"، يقول: بعد الاستقلال الشكلي، لا تظهر برجوازية وطنية منتجة، بل برجوازية سمسارة.
البرجوازية المنتجة تبني مصنعا. البرجوازية السمسارة لا تبني شيئا، وظيفتها أن تكون وسيطا بين رأس المال الأجنبي والسوق المحلي. تشتري بضاعة أجنبية وتبيعها لشعبها بهامش ربح. تلبس بدلة المستعمر وتتكلم لغته.
هذا هو الحزب تماما. لا يملك مصنعا-ولكنه يبني مقرا جديد له. لا يملك نظرية اقتصادية، يملك شرعية تاريخية: اسم الشهداء، اسم فهد، تاريخ 1949، تاريخ ساحة التحرير. يبيع هذه الشرعية لبريمر مقابل مقعد. هو مقاول للشرعية.
فانون يقول: هذه الطبقة تخاف المخاطرة، لذلك لا تستطيع أن تقاوم. تقول دائما "نحن واقعيون، الظروف صعبة". الواقعية هي اسم الخوف حين يصبح أيديولوجيا.
الفصل 7: بهابها - التقليد الساخر والهجونة والمساحة الثالثة
مقدمة سارتر لكتاب فانون في 1961 كانت ثورية غاضبة: "أيها الأوروبي، أنتم تصنعون الوحوش". كان يخاطب الضمير الأوروبي. مفيدة للتحريض، لكنها لا تفسر صمت الحزب اليوم.
مقدمة هومي بهابها في 2004، بعد 40 سنة، هي التي تخصنا. بهابها أستاذ هارفارد الهندي، يقول: الخطر اليوم ليس في عنف المستعمر المباشر، بل في أن المستعمَر يقلد المستعمِر ويهجن نفسه.
ثلاثة مفاهيم:
Mimicry التقليد: المستعمَر يقلد المستعمِر لينال رضاه. يقول: أنا مثلك، أنا متحضر-متمدن، أنا مع السوق=المدنية، أنا مع الديمقراطية. لكن تقليده يكون ساخرا، لأنه يقلد الشكل بدون الجوهر. الحزب يقلد المقاومة في الخطاب (نحن ضد الاحتلال) ويمارس الاستعمار الداخلي في الممارسة (يجلس في مجلس الاحتلال). يقلد الماركسية في الشعار ويمارس النيوليبرالية في الاقتصاد.
Hybridity الهجونة: نتيجة التقليد الفاشل، يصبح كائنا هجينا، مسخا. لا هو أصيل ولا هو غربي. الحزب اليوم هجين: شيوعي في الاسم، نيوليبرالي في الاقتصاد، إسلامي في التحالفات، عشائري في البنية. لا أحد يعرف ما هو. هذه الهجونة هي ما يجعله مقبولا من بريمر، لأن بريمر لا يريد شيوعيا حقيقيا، يريد مسخا هجينا.
Third Space المساحة الثالثة: حين يفشل التقليد، يهرب إلى مساحة ثالثة، ليست هنا ولا هناك. ما هي مساحة الحزب الثالثة؟ الصمت. جدار الصمت. حين تسأله: لماذا لم تعترض على سرقة 8.8 مليار؟ يصمت. الصمت هو المساحة الثالثة التي يختبئ فيها.
بهابها يسمي هذا "التقليد الساخر الذي يفشل فيصبح مسخا". وهذا هو تعريفك الدقيق لحزب نيوليبرالي بقناع ماركسي.
الفصل 8: يونغ وسعيد وسليجمان وكيرنبرغ - البنية النفسية
المحلل النفسي كارل يونغ يقول: داخل كل إنسان 5 رهائن:
رهينة الأب: تريد إرضاء الأب.
رهينة الأم: تريد إرضاء الجماعة.
رهينة الطفل: تريد أن تكون محبوبا.
الظل Shadow: كل ما أنكرته في نفسك.
القناع Persona: القناع الذي تلبسه.
قناع الحزب هو ماركس الشاب. ظله هو ستالين. رهينة الأب هي ستالين ثم بريمر. رهينة الأم هي الحزب كعائلة.
إدوارد سعيد، تلميذ فانون، يضيف: الاستعمار الثقافي الذاتي. أن تستعمر نفسك بنفسك، أن ترى نفسك بعيون المستعمر. الحزب يرى نفسه بعيون بريمر: هل أنا ديمقراطي بما يكفي في عيون بريمر؟
مارتن سليجمان يضيف: العجز المكتسب Learned Helplessness. منذ 1963 و1979، تعلم الحزب أن المقاومة تؤدي إلى المذبحة، فتعلم العجز، فأصبح عجزه هوية. يقول "نحن واقعيون" لكنه يعني "نحن عاجزون وتعلمنا أن نحب عجزنا".
أوتو كيرنبرغ وفاميك فولكان يضيفان: النرجسية الجماعية. الجماعة تصبح مرآة. المنصب هو المرآة. تبديل السكرتير لا يغير المرآة. لذلك كل سكرتير يكرر نفس السلوك.
العرض المرضي النهائي هو عدوان سلبي passive agressive نرجسي + جدار صامت. الحزب لا يرد، لا يناقش، يتجاهل ghosting لأن الآخر بالنسبة له غير موجود، أنه ليس في سوقه، أنه ليس أبا يمنح شرعية.
الفصل 9: اللصان - تفليس 1907 وبغداد 2003
هنا النكتة-المأساة كدليل قاطع:
ستالين في شبابه، 1907، في تفليس، قاد سطوا مسلحا على عربة بنك الدولة، سرق 250 ألف روبل، قتل 40 شخصا، باسم الثورة.
بريمر في شيخوخته، 2003-2004، في بغداد، كان مسؤولا عن صندوق تنمية العراق، اختفى 8.8 مليار دولار حسب تقرير المفتش العام الأمريكي ستيوارت بوين 2005، باسم الديمقراطية.
الاثنان لصا بنوك.
ماذا فعل الابن البار فهد؟ غفر لستالين وقدسه، سماها "تأميما ثوريا"، قال كلامه واجب مقدس.
ماذا فعل الحزب الابن البار اليوم؟ غفر لبريمر وصمت، سماها "أخطاء إدارية، ظروف احتلال"، قال أوامره واقع يجب التعامل معه.
الابن البار لا يرى سرقة أبيه، لأنه لو رآها لصا لانهار اسم الأب وعاد يتيما-ابن ابيه.
الشكل تغير من بنك في جورجيا إلى بنك في العراق، لكن الوظيفة واحدة: الأب=الله معفى من القانون لأنه هو القانون.
الفصل 10: غودل ضد سالين - الاكتمال المستحيل
كورت غودل، عالم المنطق الرياضي، أثبت في 1931 نظريته الشهيرة: أي نسق فكري صادق لا يمكن أن يكون مكتملا ومنغلقا، يجب أن يحتوي على ثغرة، على نقص، على جملة لا يمكن إثباتها داخله.
ماركس كان غودليا: قال نظريتي نقد مستمر، غير مكتملة، يجب أن تتطور.
ستالين قال العكس تماما في كتابه "المادية التاريخية والمادية الجدلية": الماركسية عقيدة كاملة، كلية القدرة لأنها صحيحة. أنكر اللاتكامل. الاكتمال الوهمي = الدين = الموت.
الحزب اختار ستالين ضد غودل. اختار أن يكون معصوما، لا يخطئ. لذلك لا يستطيع أن يقول "أخطأنا في 2003". يقول "كنا واقعيين، كنا موضوعيين". الواقعية هي اسم النقص حين لا يُعترف به.
عند لاكان، هذا يسمى الخصاء الرمزي. الرجل الناضج يعترف بنقصه، الطفل يظن نفسه كاملا. الحزب بقي طفلا يظن نفسه كاملا، لأنه لم يعترف بخصاء غودل.
الفصل 11: الـ Real الذي لا يدخل اللغة
عند لاكان، الـ Real هو المستحيل، هو ما لا يمكن ترميزه في اللغة. هو الحقيقة التي لا تستطيع نطقها لأنك لو نطقتها لانهار عالمك.
في العقل الشيوعي العراقي، الـ Real هو "التغيير الحقيقي، الثورة، قتل الأب، الخروج من الرأسمالية". موجود وحقيقي، لكن الحزب لا يستطيع نطقه. لا يستطيع أن يقول "نريد إسقاط الرأسمالية" لأنه يجلس في برلمان الرأسمالية. لا يستطيع أن يقول "نريد محاكمة بريمر" لأنه أخذ شرعيته من بريمر.
فيدور حوله بـ "نحذر، ننبه، ندعو، نطالب". Persona/قناع ماركس تخفي أن الـ Real مات.
لهذا كل بيانات الحزب هي بيانات حول الـ Real، ليست بيانات عن الـ Real. تتحدث عن الفساد بدون أن تسمي الفاسد، تتحدث عن الاحتلال بدون أن تسمي المحتل، تتحدث عن النيوليبرالية بدون أن تسمي بريمر.
الفصل 12: اسم الأب هو القانون الفعلي وليس الشرعية الدولية - والخاتمة اقتصاديات الإنتاج النظري
كوفي عنان قال في 16 سبتمبر 2004: الحرب على العراق غير شرعية، مخالفة لميثاق الأمم المتحدة.
لكن الحزب لم يطع الشرعية الدولية. أطاع القانون الفعلي: اسم الأب بريمر. لماذا؟ لأن الشرعية الدولية حبر على ورق، أما اسم الأب فهو يسكن الداخل، يمنح المقعد، يمنح الراتب، يمنح الشرعية.
فهد لم يطع القانون الدولي الذي كان يسمح للملكية بقمعه، أطاع القانون الفعلي: اسم الأب ستالين.
الحزب لم يطع القانون الدولي الذي قال الاحتلال غير شرعي، أطاع القانون الفعلي: اسم الأب بريمر.
القانون الدولي يقول الاحتلال غير شرعي.
اسم الأب يقول: أنا هنا، أطعني، وسأمنحك الشرعية.
والحزب يطيع القانون الفعلي، لأنه هو الذي يحميه من اليتم.
فهد مات من أجل القانون الفعلي الأول.
والحزب انتحر طبقيا من أجل القانون الفعلي الثاني.
الخاتمة: اقتصاديات الإنتاج النظري وجدار الصمت
المفكر هو العامل الوحيد الذي يدفع ليعمل. العامل في المصنع يأخذ أجرا، المفكر يدفع ثمن الإنترنت، يدفع ثمن الكتب، يكتب، يُسرق مقاله، يُصمت عنه، ومع ذلك يستمر.
الشيطان في كتاب نابليون هيل لا يحتاج أن يضعك في السجن، يكفي أن يجعلك سجان نفسك. كيف؟ يجعلك تركز على ماذا سيقول الناس عنك، لا على ماذا تريد أنت.
الحزب أصبح سجان نفسه. يمارس الرقابة الذاتية أكثر مما تمارسه الدولة عليه. لا أحد منعه من أن يكتب عن الأمر 39، هو منع نفسه. لا أحد منعه من أن يكتب عن 8.8 مليار، هو منع نفسه. هذه هي العبودية الطوعية عند بيونغ-تشول هان.
وجدار الصمت كتكتيك عدواني نرجسي: حين تكتب مقالا تنقده، لا يرد، لا يناقش، يتجاهلك. ليس لأنه لا يملك جوابا، بل لأنك بالنسبة له غير موجود. أنت لست أبا يمنح شرعية، أنت لست بريمر. فلماذا يرد؟
العلاج: العودة من الاكتمال إلى اللاتكامل، من ستالين إلى ماركس، من إنسان النصف عند مالك بن نبي إلى الإنسان الكامل. أن نعترف: أخطأنا. أن نركز على أنفسنا فقط. أن نخرج من 98% إلى 2%.
أن نخرج من 98 إلى 2 هو أن نعترف بلاكمالنا. فـ 98 هي وهم الكمال الذي يمنحه "اسم الأب". حين ينتسب الحزب إلى أب قوي، يتوهم أنه أصبح 98% كاملا: مع ستالين كان 98% ثوريا، ومع بريمر أصبح 98% شرعيا. لكن هذه الـ 98 كذبة لاكانية، لأن الأب نفسه ناقص ولص. أما الـ 2 فهي الحقيقة: أن نعترف أننا 2% فقط، ناقصون، بلا أب كامل، "أبناء أبينا" بلا نسب يحمينا. ولا يشفى الحزب إلا حين يجرؤ على الخروج من وهم الـ 98 إلى حقيقة الـ 2، فيعترف أن أباه كان لصا، وأنه شارك في اللصوصية بدخوله مجلس الحكم، وأن خلاصه لا يكون بالبحث عن أب جديد، بل بالاعتراف بنقصه.
المصادر
1. Simon Sebag Montefiore, _Young Stalin_, Knopf 2007 (سرقة بنك تفليس 26 حزيران 1907 بأمر لينين).
2. Hanna Batatu, _The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq_, Princeton 1978
3. Tareq Y. Ismael, _The Rise and Fall of the Communist Party of Iraq_, Cambridge 2008.
4. Name -of-the-father
pp. 119-121
https://www.davidbardschwarz.com/pdf/evans.pdf
5. تقرير الكونغرس الأمريكي، لجنة الرقابة 2005، حول اختفاء 8.8 مليار دولار نقدا في عهد سلطة الائتلاف المؤقتة برئاسة بول بريمر.