سيكولوجيا السلطة لاستنزاف الحراك الثوري التشريني: القمع والتجاهل والشيطنة


فارس كمال نظمي
الحوار المتمدن - العدد: 6474 - 2020 / 1 / 27 - 22:02
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية     

كيف تعاملتِ السلطة -بشقيها الرسمي والموازي- مع التظاهرات والاضرابات والاعتصامات المستمرة منذ الفاتح من تشرين الأول 2019 حتى اليوم؟ هل من ستراتيجية سلوكية محددة جرى اتباعها؟ أم إن العشوائية والتقلب والقرارات المرتجلة والنهايات العنفية السائبة هي سيدة الموقف؟

هذا هو أحد الأسئلة المنهجية الأكثر إثارة لدى الباحثين المهتمين بتفكيك المشهد العراقي وتفحص محركاته ومساراته على صعيد المواجهة المستمرة بين شبكات اجتماعية ثورية مستميتة لإنجاز التغيير السياسي، وبين قوى السلطة المستميتة للمحافظة على رصيدها كاملاً في الحكم دون أي تنازل أو تفريط.

فمنذ اندلاع الحراك الثوري السلمي حتى اليوم، تبدي السلطة عجزاً ذهنياً كاملاً يتجلى بإدراكها الخاطئ لموازنات الزمن الاجتماعي العراقي الملتهب، بما يوحي أن خيارها الوحيد والحتمي هو إشعال المزيد من الحرائق لا إطفائها، بما فيها حرق الذات والآخرين. فأيّ سلطة سياسية تعيش إنكارياً في الماضي أو في اللازمن، ولا تقرّ بأن رصيدها قد نفذ كلياً، ستبقى متأخرة في توقيتاتها بشأن أزماتها، بما قد يجعلُ أيَّ معالجة سلمية وعقلانية اليوم، متأخرة جداً غداً.

فإلى جانب فائض القيمة (الاستغلال الاقتصادي)، وفائض القهر (الاستبداد السياسي)، وفائض الإذلال (ثلم الكبرياء الوطنية)، التي أغرقت جميعاً حياة ملايين العراقيين طوال عقود، يبرز اليوم فائض الدم (العنف السلطوي الممنهج) ليكمل دائرة الفوائض العراقية الباحثة عن عزاء أو إطفاء أو امتصاص.

أين ستذهب هذه الفوائض إذا لم يتم معالجتها أو عقلنتها خلال مدة قصيرة محددة؟ فلا شيء يضيع هباءً في قوانين الفيزياء الاجتماعية، إذ لكل فساد سلطوي رد فعل مجتمعي حتى إنْ تأخرَ، ولكل جريمة سلطوية عقاب حتى إنْ جاء عنفياً أو منفلتاً، وبعد كل تدليس سلطوي هناك لحظة للحقيقة الاجتماعية.

الحديث هنا لا يقع في إطار السرديات الرومانسية عن "حتمية" انتصار الشعوب، بل يقع في إطار الحراك الجدلي المتشابك بين عوامل السياسة والاقتصاد والاجتماع والنفس، حينما يتحول فائض القيمة بمرور الزمن إلى وعي بالحرمان والمظلومية، ويتحول فائض القهر إلى وعي بالديمقراطية والسلمية، ويتحول فائض الإذلال إلى وعي عاطفي بالهوية الوطنية الجامعة. ولكن الأخطر من كل ذلك أن يتحول فائض الدم إلى ثأر مجتمعي/ عشائري/ شخصي من السلطة التي تعمل بعنفها الأعمى الحالي على صناعة عنف شامل قادم خارج السيطرة، إذا لم تقر فعلياً وإجرائياً أن التغيير السياسي بات أمراً ليس ضرورياً لمعالجة أزمات البلاد فحسب، بل لحقن الدماء القادمة أيضاً.

إلا أن سيكولوجيا السلطة في تعاملها مع الاحتجاجات التشرينية لم تقتصر على ساديات الحل العنفي فحسب (أكثر من 600 قتيل و22 ألف جريح ومعوق في صفوف المحتجين حتى الآن)، بل شملت أيضاً استغراقها في تهويمات الاستخفاف التجاهلي بالمحتجين، ولجوئها للتهويل الشكوكي عبر الشيطنة ونظرية "المؤامرة"، واعتناقها لأوهام التحكم بمجريات الأحداث.

وكل هذا يقدم أدلة على أن ثمة أنماط سلوكية متواترة أدت إلى بروز نسق سيكولوجي متعدد المستويات في أداء السلطة، يستهدف استنزاف الحراك الاحتجاجي لإيصاله إلى نقطة الجزع واليأس والتسليم باستحالة التغيير. وهذا النسق يجدر مقاربته من زوايا نظرية متنوعة، بما قد يقدم إجابات أولية متعددة لسؤالنا المطروح في بداية المقالة.


مندسون أشرار؟ أم منظومة شريرة؟!

إن جرائم القتل الممنهج واستخدام العنف المفرط ضد المحتجين، قد وفرت أسباباً جديدة لاستعادة النقاش حول الإشكالية الفكرية القائلة: «ما الذي يحدد سلوك الأفراد عامة: أهي خصائصهم الشخصية (أي النزوعية) Dispositionism ؟ أم الموقف أو السياق الذين يتحركون ضمنه (أي الموقفية) Situationism؟».

وبكلمات أكثر تحديداً: من المسؤول عن قتل عشرات وجرح آلاف المحتجين المسالمين؟ هل هم أفراد/ قناصون/ مندسون/ أشرار؟ أم هو سياق سياسي كامل يسمح للعنف أن يكون منهجاً منظماً يتجاوز فردانية القتلة إلى قصدية المنظومة الفاسدة؟

قد يتخذ هذا السؤال بُعداً فلسفياً مُربِكاً في ظروف ملتبسة وشائكة كظروف العراق. كما إن فلسفة القانون يمكن أن تدلي برأي جوهري متعدد الاحتمالات في هذه المعضلة. لكن تنظيرات علم النفس السياسي قد عالجت هذه المسألة منذ ما يزيد عن نصف قرن، عبر مجموعة متسلسلة ومتشعبة من التجارب العلمية الموثقة التي أجابت عن أسئلة جوهرية من قبيل: «لماذا وكيف يشارك الناس المسالمون في أعمال القتل في الحروب والإبادة الجماعية والعنف السياسي؟»، «ولماذا ينخرط بعض الناس العاديين أو "الأخيار" في ممارسات القمع والقتل والتعذيب؟ هل بتأثير الموقف الضاغط أم بتأثير النزعات الشخصية؟».

تتلخص الإجابة في أن الأفراد العاديين، وتحت شروط موقفية معينة، وبسبب القوة المستمدة من السلطة، بوسعهم أن يرتكبوا أفعالاً فظيعة في قسوتها ودمويتها، ثم يعودون بعد ذلك إلى حياتهم المعتادة وكأن شيئاً لم يكن. فالسلطة المطلقة (أي المنظومة) بهذا المعنى يمكن أن تُخرج أسوأ ما في النفس البشرية. فالأخيار يصبحون أشراراً في سياق معين ليعودوا أخياراً بعد قليل، فيما تبقى السلطة "اللاعقلانية" محتفظة بنسقها التأثيري الشمولي القادر على احتواء الأفراد وإعادة إنتاجهم عنفياً دفاعاً عن وجودها الكلي المهدَّد بالزوال.

ولذلك فالحديث اليوم عن أفراد "أشرار" أو "مندسين" يقتلون المتظاهرين لا معنى له من الناحية الموضوعية، لأن هؤلاء "المندسين"- إذا كانوا موجودين فعلاً- في النهاية لا يتحركون عنفياً لإرضاء "غرائزهم" العدوانية بل يتحركون بفعل المنظومة السياسية المولّدة للقسوة والقمع، سواء بأوامر قصدية مباشرة أو تحت تأثير سياقات ضمنية تسمح بأقصى درجات العنف ضد المحتجين السلميين. وهذه المنظومة في ظروف العراق لا يمكن تحديد ملامحها على نحو دقيق وجازم، إذ أن حدودها تتأرجح هلامياً وتداخلياً بين الأجهزة الأمنية الرسمية وبين الجماعات المسلحة الموازية أو المخترقة لها.

فمن المتوقع، بل من المؤكد، أن لجان التحقيق الحكومية ستبقى معطلة عن عملها، وفي أحسن الأحوال ستصدر قرارات تنسب المسؤولية أو الإدانة إلى أفراد "مندسين" أو قيادات "تفتقر" للتدريب أو المهنية أو الانضباط، في استهداف المتظاهرين. هذه القرارات لا قيمة قانونية أو سياسية جوهرية لها، فالجريمة التي حدثت بنيوية التأسيس أي تعبّر عن وظيفة المنظومة، وأي إدانة لأفراد عسكريين أو سياسيين أو ميليشياويين – حتى إنْ كان مطابقاً للقوانين- هي في جوهرها تبرئة للمنظومة الفاسدة عبر تكنيك "أكباش الفداء" الذي أسهم طوال التأريخ البشري في تزييف الوعي القانوني وفي شرعنة التنكيل بالكرامة البشرية.

هنا تبرز حاجة ماسة أن ينبري أساتذة القانون الجنائي والدستوري، وخبراء القانون الدولي، ونقابة المحامين، والناشطين المدنيين الحقوقيين، وفقهاء الشرع المتنورين، وقبل كل هذا الشارعُ الاحتجاجي والقوى السياسية والاجتماعية الساعية للتغيير السلمي، للتصدي لهذه الإشكالية السياسية- الجنائية المزدوجة، لإعادة تأويل الجريمة القمعية الكبرى التي أُرتكِبَتْ، وتكييفها ضمن روح القانون لا نصوصه الجامدة، بما يشكّل معالجة عدالوية فريدة تتجاوز نحرَ أكباش الفداء الثانويين، نحو مساءلةٍ تاريخية لإله السلطة الذي لا يمل ولا يستحي من بذل القرابين فداءً لآثامه.


بين الاستخفاف التجاهلي والتهويل المُشيطِن

كما في كل لحظات الانتقال الثوري العميق في الوعي السياسي المجتمعي – بصرف النظر عن مآلاته ونتائجه- يبرز الخطاب السلطوي الماضوي المحافظ، فاقداً لقدرة الإدراك الصائب لساعة الزمن الاجتماعي وهي تتحرك بعيداً عن توقيتات السكون والخنوع. فيترتب عليه (أي الخطاب السلطوي) انبثاق أنماط سلوكية دفاعية تشويهية للواقع الماثل، إذ تبرز ميكانزمات التحريف والتبخيس والتضخيم والتشكيك سعياً لتأسيس نظرية وقائية كاملة تمارس الإنكارَ حيال الوقائع المضادة البازغة، والتدليسَ باصطناع وقائع إيهامية، في آنٍ معاً.

إن الملاحظات الميدانية التتبعية لسلوك زعماء الإسلام السياسي في أزمات سابقة مرّ بها العراق، تؤكد أنهم يفتقرون للواقعية العملية، والاستجابة السريعة، وجرأة الفرسان. كما إنهم في الغالب قدريون ورغبيون حينما يتعلق الأمر بمصير سلطتهم، إذ يمارسون كل أنواع "الإنكار" و"الإسقاط" ليوهموا أنفسهم أن أي خطر يحيط بهم إنما مآله الزوال بقدرة قادر. وذلك مرده بنيتهم العقلية القائمة على عزو الظواهر إلى الساكن المجهول لا إلى المتحرك المعلوم. فقد تعودوا أن ينظروا إلى التاريخ على أنه حكاية دينية مؤمثلة ينتصر فيها الخير "الذي يمثلونه" على الشر "الذي يمثله من يعارضهم"، لا بوصفه نتاجاً تطورياً للانتقال التدريجي والعسير من الوعي الزائف إلى الوعي المعارض.

وتشير المعطيات اليومية التي أفرزتها الاحتجاجات التشرينية الحالية إلى أن السلطة (بوصفها بنية "نفسية-سياسية" دون الخوض في سياسات القوة والتمركز والاستقطاب والمنافع داخلها) تعاني من أمرين متلازمين على نحو دوري:

1- إنها تمارس حيناً التفكير "الاستخفافي" Underestimation حيال قوة الحراك الشعبي وتطوراته واتساعه ومدياته وتنوع أساليبه وابتكاراته. وهذا الاستخفاف قادها إلى تجاهل مطالب الحراك الجذرية، عبر الدخول في تهويمات تتحاشى كلياً الإقرار بالواقع الجديد، وفي ازدراء عُصابي واضح لإرادة ملايين الناس حد الاستخفاف. واتضح ذلك في المماطلة القصدية المتبعة بشأن إقرار قوانين إصلاحية جديدة أو اختيار رئيس وزراء جديد يلبي المواصفات الشعبية المطروحة في ساحات الاحتجاج، إذ يجري التعامل بعدم اكتراث ولامبالاة كاملتين مع مطالب ومناشدات وبيانات آلاف المعتصمين في الخيام بظروف معيشية ومناخية قاسية، سعياً لاستنزافهم نفسياً وإرغامهم على مغادرة مواقعهم يأساً وقنوطاً.

2- وتمارس في أحيان أخرى التفكير "الاضطهادي" أو "الشكوكي" Paranoid نحو الاحتجاجات بوصفها "مؤامرة" خططت لها سفارات ودول واستخبارات، ونفذها "مندسون" يحاولون تحريض المحرومين والعاطلين والفاقدين على الانتفاض ضد "العدل" و"الفضيلة" و"الحكم الرشيد" الذي تمثله السلطة. وهذا قادها إلى التفكير "التهويلي"Overestimation أي تخوين المحتجين بالاستفادة من أي أحداث أو تطورات سياسية ذات طابع إشكالي يسمح بإعادة تأويلها على نحوٍ تدليسي يتسم بالشيطنة والتخوين.

ويعدّ التفكير التهويلي هذا أبرز أدوات الثورة المضادة، إذ يسهل توظيفه في ضوء غياب ثقافة سياسية ناضجة في عموم المجتمع، وفي ضوء امتلاك السلطة لأدوات الترهيب والابتزاز بما يجعل من المعلومات الزائفة "حقائق" مقبولة يضطر الكثيرون لتبنيها بدافع الخوف من العقاب السلطوي أو الاجتماعي، أو بدافع عدم الرغبة بالخروج عن إجماع "القطيع" بما يوفره نفسياً من "حماية" و"مكانة".


التأثيم والجوكرة

واحد من أبرز الأمثلة على التهويل المُشيطِن الذي مارسته السلطة هو توظيفها لحادثة الاغتيال السياسي التي ارتكبته الإدارة الأمريكية ضد قيادات عسكرية عراقية وإيرانية قرب مطار بغداد الدولي في 3 كانون الثاني 2020. فقد قامت باستثمار هذه الواقعة الصادمة وتحويلها إلى ما يمكن تسميته بـ"الاغتيال النفسي" للزخم الاحتجاجي في لحظة كان يبدو فيها أنه على وشك تحقيق جزء مهم من مطالبه بالتغيير السياسي، بعد أن جرى تشريع قانونين جديدين للانتخابات وللمفوضية الانتخابية، مع استمرار الضغط الفاعل لتسمية رئيس وزراء انتقالي يحظى بمقبولية شعبية.

فقد أفرزت هذه الحادثة مناخاً نفسياً داعماً لقوى الثورة المضادة، إذ هرعت لتفعيل الارتباطات الوهمية في أذهان الناس بين حادث الاغتيال الصادم هذا وبين غايات الحركة الاحتجاجية، كما لو أن الحادث هو "دليل" على أمركة الاحتجاجات أو ارتباطاتها "التآمرية". فخلق هذا الاستثمار/ الابتزاز السياسي التخويني ممتزجاً بضغوط الترهيب والترويع، مشاعر دفاعية لدى بعض المحتجين بأنهم باتوا "متهمين" أو "آثمين" بعد أن كانت السلطة هي المتهمة بجرائم الاغتيال السياسي لمئات المحتجين والناشطين، إلى جانب دغدغة مشاعر احتمائية بالطائفة بديلاً عن الوطن.

هذا الانقلاب الدراماتيكي في أدوار الضحية والجلاد، أي إرغام الضحية على ممارسة مشاعر الذنب فيما يتطهر الجلّاد من كل آثامه المتراكمة بين ليلة وضحاها، إنما يشكّل لحظة سيكولوجية آنية تمارس اغتيالاً نفسياً مؤقتاً ضد المحتج يجعله أكثر اغتراباً وإحباطاً من ذي قبل، أي اغتيال العنفوان الاحتجاجي، وإغراقه بمشاعر الشك والذنب وقلة الحيلة، دون أن يعني أن هذه اللحظة السيكولوجية المتراجعة ستكون قادرة على مقاومة الزمن الاجتماعي المحفّز لكل عوامل السخط والثورة التي ما تزال ماثلة وعصية على التراجع.

وقد اتضح هذا الانبعاث المقاوم للاستنزاف بالفعل بعد أيام حينما تضاعف الحراك الاحتجاجي من جديد في 10 كانون الثاني بعد أن جرى التحشيد لاستعادة زخمه عقب التراجع النفسي الذي أصابه بتأثير عملية الاغتيال السياسي المشار إليها. وتكرر مرة أخرى بزخم أعلى في 20 كانون الثاني حينما انتهت المهلة التي منحها محتجو الناصرية للسلطة لتكليف رئيس وزراء جديد مستقل دون جدوى، وهو ما عُرف فيما بعد بـ"مهلة وطن".

أما الشيطنة بواسطة الجوكرة، فمنذ الأيام الأولى لاندلاع الحراك التشريني الثوري، استثمرت قوى الثورة المضادة صورة ولفظ "الجوكر" لوصم المشاركين به، وشيطنتهم، والحكم عليهم مسبقاً بـ"العنفية" و"الدموية" و"الدونية". فقد حاول الجلاد (أي المنظومة الحاكمة والحواشي الزبائنية الراضعة منها) منذ البداية تبرئة نفسه بأن يستبق الأحداث، فيقوم بإسقاط "جوكريته" المبيتة على الضحية الناهضة للتو من صمتها لترفض جريمته.

وتتصل مفردة "الجوكر في الذاكرة المجتمعية العراقية" بمعاني المكر والخديعة والشر والقدرة على التلون، فضلاً عن ثيمة مستحدثة أتى بها الفيلم السينمائي الأمريكي "الجوكر" الذي عُرض للمرة الأولى بالتزامن مع احتجاجات تشرين، إذ تناول قصة شاب فقير وغير متزن نفسياً، يؤدي أدواراً تمثيلية "كوميدية" فاشلة لشخصية الجوكر (أي المهرج)، ويتعرض لكمية هائلة من الإذلال والتعنيف من المجتمع طوال مراحل حياته فينتهي به الأمر إلى الانتقام الدموي من أصحاب الأموال والمراكز العليا.

ودون أدنى شك فإن السياق الذي جرت به الاحتجاجات العراقية لا يتطابق إطلاقاً مع مجريات القصة السينمائية للجوكر كما أرادت قوى الثورة المضادة تصويرها أو تسويقها تدليسياً. فكمية التعنيف والقنص وتفجير الرؤوس التي تعرض لها المحتجون الشباب، وما سبقها من سنوات الإفقار والإذلال، لم تحفز فيهم إلا الإصرار على خيار الرد الاحتجاجي السلمي (التظاهر والاعتصام والإضراب والغناء والرسم والسخرية السياسية)، بوصفه قيمة أخلاقية فاعلة تتسم بالتفوق الاعتباري على قمع السلطة وقسوتها، ودون أن يُستَدرجَوا إلى حمل السلاح أو الاستهداف العنفي المنظم لرموز السلطة.

وفي المقابل لجأت السلطة إلى وسائل القتل الميداني بقنابل الغاز والقنص بالرصاص الحي، والاغتيال بكواتم الصوت للناشطين، فضلاً عن الخطف والاعتقال والتغييب والتعذيب. كما لجأت في السياق نفسه إلى الاغتيال المعنوي للمحتجين بأن قامت بجوكرتهم لفظياً وإعلامياً، في قنواتها التلفازية وعبر جيوشها الإلكترونية، بإلصاق وصمة "الشر الجوهري الكامن" فيهم، سعياً لتحويلهم إلى كائنات "شاذة" أو "متطرفة" أو "آثمة" أو "خطيرة" أو "موبوءة" في المخيال الاجتماعي للناس.

فالضحية "واجبها" أن تبقى ضحية إلى ما لا نهاية، وإذا اعترضت على استباحتها وانسحاقها يجري تسقيطها فوراً بوصفها (أي الضحية) "عميلاً" جرى تجنيده ضمن "مؤامرة" عالمية شريرة وغامضة تستهدف تقويض المنظومة السياسية الممثلة – بالرغم من كل خطاياها "القابلة" للغفران- لقوى "الخير" و"العفة" و"الوطنية". فالضحية تبقى بريئة و"منتمية" لنا ما دامت لم تعترض أو تحتج، لكنها تصبح "جوكراً" آثماً حالما تشرع أو تفكر في مغادرة بؤسها.


وهْــمُ التحكمِ بالأحداث...!

في اللحظات المفصلية التي يصبح فيها التغيير الاجتماعي أو السياسي قريباً أو وشيكاً في أي مجتمع، تتجلى بشكل بارز ظاهرة نفسية أساسية هي "وهم التحكم" Illusion of Control لدى القوى المقاومة للتغيير، سواء كانت تمثل نظاماً سياسياً مترنحاً أو منظومة اجتماعية يأفل تأثيرها.

تتلخص هذه الظاهرة في أن صاحبها يوهم نفسه – لا شعورياً- بأنه ما يزال قادراً على التحكم بمجريات الأحداث وتحديد نتائجها ومخرجاتها، وأن أي أخطار تُحدِق به إنما مصيرها "التراجع" في نهاية الأمر ما دام وحده قادراً على "التحكم" بالخيوط النهائية للعبة. وبذلك يبدو منفصلاً تماماً عن الواقع الموضوعي، بل يصنع "واقعه" الذاتي "المريح" الذي يمدّه بقدرة لا منتهية على تشويه الأحداث إدراكياً حد الانفصال الذهني الكامل. وفي العادة يرتبط هذا الوهم بنيوياً بسلوك المقامرة والتفكير الخرافي والنزعة القدرية والتفاؤل الساذج اللاواقعي وتخوين الآخرين حد العنف.

هذا الوهم الرغبوي الإنكاري، أي القائم على تمني دوام الحال وإنكار التغيير الماثل، هو من بين الخصائص التي تميّز أداء السلطة في تعاملها مع الحراك الثوري التشريني، إذ تصرّ الاوليغارشية الحاكمة المتصدعة على تجاهلِ حقيقة أن التطور السياسي والاجتماعي في العراق قد تحرك خطوة نوعية أساسية إلى الأمام، وما عاد بالإمكان النظر إلى الحاضر بعين الماضي.

في مقابل هذا الوهم السلطوي بالتحكم بالأحداث، تتصاعد سيكولوجيا الأمل –دون وهم- لدى الجمهور المستميت لإحداث التغيير. فالمخيال السياسي لأغلب العراقيين بات يعلم – بهذه النسبة أو تلك- أن شرعية سياسية كاملة قد انقرضت، وأن شرعية أخرى – ما تزال في طول التشكيل- قد بزغت، فلا أحد يستطيع التحكم بالفيزياء الاجتماعية على نحو مقلوب.

إن التجارب البشرية الكثيرة والتفصيلية عبر التاريخ، وبضمنها تجارب السلطة السياسية في العراق على مدى قرن كامل، تؤكد أن اشتداد كثافة هذا الوهم لدى السلطة (أي وهم التحكم بمجريات الأحداث) إنما هو المقدمة الموضوعية "الضرورية" التي ستقود تلك السلطة حتماً إلى تصورات خاطئة متزايدة وتخبطات إجرائية متلاحقة، بما يفتح أبواباً -نتمنى أن تظل موصدة- لمزيد من العنف الأهلي والنهايات الراديكالية السائبة..!

* * *

إن الإيغال بأساليب القمع والتهويل والشيطنة والتجاهل الاستخفافي ووهم التحكم التي تمارسها السلطة لاستنزاف الغضب الشعبي، دون ظهور مؤشرات لديها بالحد الأدنى على وجود تفكير واقعي أو تفاوضي أو تساومي أو تحاوري، يعني إيذاناً بارتفاع غير مسبوق في توقعات الجمهور عموماً والمحتجين خصوصاً، في أن التغيير السياسي قد بات الخيار الوحيد الذي يمكن تصوره بوصفه المطلب النهائي الذي لا يمكن التنازل عنه تحت وطأة عواصف الغضب والمظلومية والشعور بالإهانة غير القابلة للترويض بعد.

وفي الوقت ذاته، ستستمر الثورة المضادة -ضمنياً أو قصدياً- في ممارسة نشاطها المناوئ لمسارات الاحتقان الاجتماعي السياسي المتعاظم. وإذا ما نجحت بنسبة معينة أو في لحظات معينة في خنق الغضب الأخلاقي للناس وتحويله إلى يأس، بحكم استثمارها السيكولوجي للأحداث، فإن التراكمات النفسية لأسباب الاحتجاج الثوري ضمن دينامياتها السياسية والاقتصادية والثقافية المتشعبة، تبقى قادرة دوماً على إعادة إنتاج الصراع بصيغ مفاجئة لا يمكن حسابها سلفاً من أي طرف، بافتراض أن "المفاجأة" (مثلما هو دافع الأمل) هي نتيجة موضوعية لقدح التراكمات وتحويلها إلى تطور نوعي تاريخي جديد.

إن تكنيكات الاستنزاف السلطوي قد تنجح آنياً في تحقيق انطفاء احتجاجي مؤقت، لكنها لا تعدّ بالضرورة وسائل ترويضية ناجحة في المدى البعيد؛ بل على العكس هي مرشحة باستمرار لأن تمارسُ تحفيزاً نفسياً مضاداً غير مرئي لاستعادة الزخم الاحتجاجي، عاجلاً أو آجلاً، في دائرة جدلية مغلقة ينقض فيها السالب نفسه ليتولد عنه إيجاب جديد.