خواطر مثقف معني بالتنوير


طارق حجي
الحوار المتمدن - العدد: 6114 - 2019 / 1 / 14 - 20:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

لا أعرفُ هل إنتمائي الثقافي والمعرفي والقيمي للحضارة الإنسانية فى طورها الأحدث والأعلي وهو الطور الأوروپي الغربي هو "نعمة" أم "نقمة" ؟ لا سيما فى حالتي التى لم يبدل هذا الإتساق كون بلدي "مصر" هى المحور الوحيد لإهتمامي. فمن المؤكد أن هذا الإتساق الثقافي والمعرفي والقيمي أوجد هوة بيني وبين كثيرين فى بلدي فى عشرات المجالات والمواضيع. فنظرتي للأديان جد مغايرة عن نظرة الأغلبية. فأنا أنظر لها كشأنٍ شخصي واجب الإحترام ولكنني لا أقبل أن يكون للدولة دين أو أن يحل الدين محل الدستور والقوانين الوضعية كمرجعية أو أن يكون الدين او الجنس او العرق/اللون أساس المواطنة. وأنا ضد تغول المؤسسات الدينية فى أي مجال خارج مجال الشأن الديني ، إذ أرفض أن يكون لهذه المؤسسات أي دور سياسي أو أي دور فى التعليم غير الديني. وأنا أنظر كباحث (بدون عاطفة) لأفكار معظم المصريين عن المرأة والآخر والشرف .... إلخ. فإذا جئنا للتذوق الأدبي والفني فإن الهوة والتضاد يصبحان مهولين. فهل كل هذه الإختلافات وكل هذا التباين نعمة أم نقمة ؟ منذ سنوات طرحت هذا السؤال أرضاً واستبدلته بهذه المقولة : من كان هدفه تغيير مجتمعه للأفضل والأخذ بيده من ظلمات ماضٍ سحيق لأنوار الإنسانية والحضارة والمدنية المعاصرة فليس له أن يبحث عن النعم وإنما عما يساهم فى إنجاح مهمته التنويرية. وأنا أكتب هذه السطور ورد خبرٌ مفاده أن جامعة الأزهر فرع المنصورة قررت فصل طالبة نهائياً وفصل طالب لمدة سنتين لأنهما تعانقا أمام زملائهما ! فقلت لنفسي : هذا مثال شديد الوضوح عن التباين الذى تطرقت اليها منذ دقائق : فبينما رأي المسؤولون فى جامعة الأزهر فرع المنصورة إثماً و فحشاً فيما إقترفه الطالبان ، فإنني لم أر فيه ما يستوجب حتى الحديث عنه ، بل وأري الإثم كل الإثم والفحش كل الفحش فيما قررته جامعة الأزهر فرع المنصورة من عقاب غير مبرر على سلوك إنساني لا عيب ولا غرابة فيه فى أية بيئة عصرية متمدنة ومتحضرة. وهو مثال يؤكد أن المسيرة ستكون طويلة وأن الرحلة ستكون مضنية. وأوجه التباين لا تحصي. فكاتب هذه السطور لا يستطيع أن يفهم أن "يُحب" الناس الحاكم أو أن يكرهوه. فأنا أقرب ما أكون لتفكير المواطن البريطاني الذى راقب بإعجاب أداء ونستون تشرشل رئيس وزراء بلده خلال الحرب العالمية الثانية وكيف تمكن من حماية بلده ثم هزيمة المعتدي ... ومع ذلك فقد ذهب لصندوق الإنتخابات البريطانية العامة فى مايو 1945 وأعطي صوته لخصم تشرشل أي ل كليمينت أتلي والذى أصبح بذلك رئيس وزراء بريطانيا ! واليوم فإنني لا أتساءل : هل هذا التباين نعمة أم نقمة ... بل أتقبل حالة التباين والتى أعمل فكرياً وثقافياً من خلالها على هزيمة الموقف الآخر الذى أعرف منابعه التاريخية والتعليمية والثقافية وأيضاً السياسية. ومما يؤلم أن المجتمعات الأرقي حضارياً وثقافياً تحكمها أو تحكم الكثير منها حكومات تضع وتتبع من السياسات ما يضاعف من صعوبة مهمة التنويريين فى بلدي مصر وفى بلدان أخري تشترك معها فى الظرف التاريخي وملابساته. ويكفي أن نتأمل علاقة عدد كبير من بلدان العالم الأول مع دول ناطقة بالعربية عملت منذ أكثر من نصف قرن على تصدير نموذج شديد الماضوية والإنغلاق والرجعية للدين لمعظم العالم من خلال دور العبادة والمدارس التى أنشأتها تلك الدول الناطقة بالعربية. فقد أغلقت كثير من دول العالم الأول عيونها وآذانها وكأن شيئاً لا يحدث ! إن مهمة التنوير صعبة ، بل وشديدة الصعوبة ، كما أنها مهمة طويلة الأجل وقد لا يري جنودها ثمار ما بذروه. ولكنها المهمة الأساس والمهمة الشريفة لكبار مثقفي مجتمع مثل بلدي مصر. والبديل هو توجيه الطاقات والمهارات للتزلف للحكام ، وهو ما يربأ أي مثقف كبير بنفسه عنه.


تعليقات الفيسبوك