استفتاء كردستان يزعزع المنطقة


سلامة كيلة
الحوار المتمدن - العدد: 5679 - 2017 / 10 / 25 - 23:40
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     



هزّ الاستفتاء الذي أُجري في كردستان العراق كل المنطقة، وأظهر حالة الرعب التي انتابت الدول المحيطة، بما في ذلك الحكومة العراقية. لم يكن ذلك مستغرباً،وربما كان المستغرب هو إقدام القيادة الكردية على الخطوة هذه دون سند، أو بناءً على تحليل خاطئ، بالضبط لأنه كان واضحاً أنها ستستثير كل الدول المحيطة. ربما كان لدى هذه القيادة أوهام حول الموقف الأميركي، أو حتى التركي، لكن بات واضحاً أن كل هذه الدول قد اندفعت لافشال الخطوة بكل الطرق، دون أن تُردع من قبل أميركا.
إن خطوة بحكم استقلال كردستان العراق لم يكن لها أن تمرّ دون استنفار إقليمي، وفي وضع كان يفرض غياب الدعم الأميركي، حيث تعمل أميركا على تقوية حيدر العبادي في مواجهة التغلغل الإيراني، وكذلك في وضع يستلزم عدم استثارة تركيا أكثر بعد كل ما تمارسه أميركا في سورية دعماً لـ "قوات سورية الديمقراطية". فالكرد ليسوا متواجدين في شمال العراق فقط، بل أنهم جزء من شعب له وجود كبير في تركيا، وأيضاً في إيران (ووجود في سورية). وبالتالي فإن الخطوة التي تتعلق بالاستفتاء حالما تنجح سوف تفتح باباً واسعاً للكرد في كل من هاتين الدولتين، الأمر الذي يعني تصاعد أزمة عمل كل من النظامين فيهما على لجمها، عبر قمع كل تطلع كردي نحو الاستقلال. فهذه الدول قامت على أساس الحدود التي تشكلت بعد الحرب الأولى، وأصبحت تشكّل "دولاً مستقلة" على أساسها. وأقامت كل تكوينها على التكوين المجتمعي القائم فيها، الذي هو متعدد القوميات،ومن ثم فإن كل تغيير في دولة سوف ينعكس عليها كلها، وأن انتصار جزء من قومية في دولة سوف يفرض اندفاع الأجزاء الأخرى لتحقيق الاستقلال. وبهذا تتفجّر هذه الدول، وتتشظى، وتفقد المساحة، والعدد السكاني الذي يلبي طموح طبقاتها الحاكمة في أن تصبح قوة عالمية، كما تحلم كل من تركيا وإيران.
والمسألة هنا لا تتعلق بالكرد فقط، لأن كل من تركيا وإيران مكون من مجموع قوميات، أو أجزاء أمم. فإيران تضم إضافة الى الكرد، العرب والأذريين والبلوش مع الفرس الذين يشكلون النسبة الأكبر في إطار الدولة. وتركيا كذلك تضم إضافة الى الكرد، العرب والأرمن. وبالتالي فإن انفتاح مسار الاستقلال لكل هؤلاء يعني تفكك الدولة، وتقلصها الى حدود أصغر كثيراً. فهذه دول مشكّلة من مجموع أجزاء قوميات وأمة مسيطرة. لهذا كيف لا تندفع من أجل إجهاض استقلال جزء من أمة يسيطر كل منهما على جزء منها؟
هذا هو سبب التوتر والرعب الذي أصاب هاتين الدولتين، وأصاب الحكومة العراقية التي تتذرع بتمدد الكرد الى "المناطق المتنازع عليها" من أجل افشال هذه الخطوة. ولا شك في أن خطأ الكرد فيما قاموا به هو اصرارهم على فرض السيطرة على هذه المناطق، التي لم تكن كردية، وهي ليست كردية. وهو الأمر الذي بررت به حكومة العبادي تدخلها، رغم أنها تأخذ بعين الاعتبار "حساسيات" كل من تركيا وإيران،ولا يبدو أنها مقتنعة بحق الكرد في الاستقلال حتى ضمن المحافظات الثلاث التي جرى الاعتراف بأنها كردية. ولهذا أجّلت تنفيذ المادة 140 من الدستور التي تنص على اجراء استفتاء في المناطق المتنازع عليها. وهي أيضاً تريد الحفاظ على حدود العراق كما تحددت بعد الحرب العالمية الأولى،وتقررت أخيراً في اتفاق لوزان سنة 1923.
لا شك في أن الدول الإقليمية "الكبرى" (إيران وتركيا) تقفان بكل عنف ضد كل ميل لكل خطوة تتعلق باستقلال كردستان العراق،لأنها يريد الحفاظ على الحدود التي رُسمت منذ قرن تقريباً. تلك الحدود التي وسّعت من سيطرة دولها،وأعطتها مناطق شاسعة من أراضي أمم أخرى. والدولتان تريان بأن قوتهما واستقرارهما قائم على هذا التكوين "الموسّع"،وبه مصالحهما. وهو الأمر الذي يجعلهما يردان بكل عنف على كل محاولة لتغيير الخريطة القائمة،هذا التغيير الذي سوف يقلّص من مساحة الأرض التي ستظل لهما. فتركيا ستخسر الجنوب والشرق على الأقل، وإيران ستخسر الغرب والجنوب وأجزاء من الشرق. وهذه الأخيرة سوف تفقد الثروة النفطية.
بالتالي ليس من السهل أن يمرّ استفتاء دون رد عنيف منهما، ومن الدولة العراقية، كما ظهر خلال الأيام الماضية، والذي أظهر أن الكرد قد خسروا حتى جزءاً مهماً مما حققوه في السنوات بعد الاحتلال الأميركي للعراق. وحيث ظهر الاستفتاء كوبال عليهم، رغم أنه في حدود المحافظات الثلاث حق طبيعي لهم. ربما كان التأكيد على الحق في الاستقلال من قبل الكرد هو "الميزة" الوحيدة لهذا الاستفتاء، حيث أصبح واضحاً للعالم أن الكرد يريدون الاستقلال، وهذه مسألة مهمة ولا شك. لكن تحقيق هذا الأمر يفترض لمس مجمل الردود التي نشأت عن الاستفتاء ذاته، وبالتالي فهم أنه لن يتحقق حل للكرد في منطقة واحدة من كردستان التاريخية، الأمر الذي يفرض أن يكون النضال مشتركاً مع الكرد في كل من تركيا وإيران، ودون ذلك لا أمل في أي استقلال. إن كل محاولة من الكرد في واحدة من هذه الدول سوف تفشل بالضرورة نتيجة تضافر الدول المحيطة كلها ضد استقلال كردستان. وهذه هي مشكلة حزب البي كي كي، الذي وسّع من حدود كردستان لكنه صارع الدولة التركية فقط، فظل حزباً كردياً تركياً، ورغم اعتماده العمل المسلح فشل طيلة أكثر من ثلاثين سنة من تحقيق أي خطوة، حتى شكل ما من الحكم الذاتي لأكراد تركيا. بمعنى أن القضية الكردية يجب أن تُطرح كقضية واحدة في حدود كردستان التاريخية. هذا أساس أول في الوصول الى أفق يفضي الى الاستقلال,
لكن أيضاً، يمكن القول، أن المراهنة على أميركا، أو أي دولة كبرى أخرى، لن يوصل الى الاستقلال كذلك، لأن هذه الدول الإمبريالية تسعى لتحقيق مصالحها وليس في أجندها المساعدة في حصول الشعوب على حقوقها. ولقد لُدغ الكرد أكثر من مرة نتيجة مراهنات قاداتهم على دول كبرى أو أخرى إقليمية، الأمر الذي يفرض السعى لفهم كيف يمكن أن يحققوا استقلالهم ووحدتهم بعيداً عن كل هذه المراهنات. لقد لعبت أميركا بالقيادات الكردية ضد النظام العراقي، وحين جرى احتلال العراق لم يعطَ الأكراد أكثر من "حكم ذاتي"، رغم أن السلطة كانت للاحتلال. والآن يحدث الأمر ذاته، حيث بعد مشاركة البيشمركة بالصراع ضد داعش يُلقى بهم دون سنة في مواجهة الدولة العراقية، والحشد الشعبي وإيران وتركيا.
الأمر، في الأساس، يرتبط بالتوافق مع شعوب المنطقة كلها، حيث يظهر التداخل القومي نتيجة تشكيل الدول ليس على أساس مبدأ الدولة الأمة، بل على أساس مصالح الرأسماليات، التي فككت أمم وكوّنت دول إقليمية كبرى تابعة لها. وحيث هناك توافق في الأهداف على تغيير مصير الأمم التي ظُلمت من التقسيم الاستعماري،والسعي لبناء الدولة الأمة لكل منها. فلا إمكانية للكرد أن يحققوا الاستقلال في ظل وجود دولة قوية رافضة لتحقيق طموحهم، ينطبق ذلك على وضعهم في كل من العراق وإيران وتركيا. كما لا يستطيع العرب تحقيق مطامحهم في تركيا وإيران وحدهم. بالتالي لا بدّ من تغيير النظم لمصلحة نظم تنحكم لمبدأ حق تقرير المصير، وبناء الدولة الأمة. لهذا يجب أن يكون منظور الكرد ليس متناقضاً مع منظور الشعوب الأخرى، وهنا نشير الى "الطموح الزائد"، و"التعصب" الذي يحكم الزعامات الكردية، التي تريد "التوسع" في أراضٍ ليست كردية، أو "متنازع عليها" (كما جرى تسميتها). وهي بذلك تزيد من مأزق الكرد، كما ظهر واضحاً الآن في العراق، وما سيتوضّح في سورية.
لا شك في ان هناك تداخل بشري حدث تاريخياً، ونتيجة نشوء الدولة الحديثة. ولا شك في أن حله يجب أن يخضع لمبادئ واضحة، سواء بتحديد الحدود التاريخية لوجود كل أمة، أو بالتوافق على أسس أخرى للتعايش. لكن يجب أن يكون واضحاً أن الضرورة تفرض التركيز على المبادئ الجوهرية التي تتمثل في بناء الدولة الأمة، وبالتالي التحالف من أجل إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمشرق. وتُترك "المناطق المتنازع عليها" لما بعد القدرة على تحقيق التغيير، وليس الصدام مع الشعوب الأخرى بدل التحالف معها اعتماداً على دعم "دولي" موهوم كما تفعل القيادات الكردية. إن حل المسالة القومية في الشرق يعتمد على تحالف شعوبها، وإسقاط النظم القائمة، وليس من حل آخر.
أرجو أن تكون تجربة الاستفتاء لكردستان العراق قد أوضحت هذا الأمر.