حديث مع بيرنارد لويس ...


طارق حجي
الحوار المتمدن - العدد: 5146 - 2016 / 4 / 28 - 10:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

ما بين 2001 و 2011 زرت جامعة Princeton فى الولايات المتحدة عدة مرات بدعوة من معهد دراسات الشرق الأدنى وألقيت خلال تلك الزيارات محاضرات يمكن إيجاز جوهرها بشكل مقتضب فيما يلي : كان من الممكن أن يسير المسلمون فى إتجاه جد مختلف عن مسارهم التاريخي لو لم تنصر السلطة ممثلة فى أحد خلفاء الدولة العباسية للحنابل فى معركتهم التاريخية مع المعتزلة. ولكن الخليفة العباسي لم يكتف بمناصرة معنوية للحنابلة وإنما حضهم حضا على ذبح المعتزلة فى الأزقة ذبح الشاة. ومن يومها والإسلام السياسي يفرز من يذبحون من ليسوا معهم ذبح الشاة ! ومن يومها ولا يمكن إلا أن يكون المنتج النهائي للإسلام السياسي هو إما القرامطة أو القاعدة أو النصرة أو بوكو-حرام أو داعش. والجديد فى هذا الموضوع الكارثي هو الدور المخرب الذى لعبه الغرب الإمبريالي عندما وقف وراء الوهابيين ضد الهاشميين وعندما دفع محمد إقبال ومحمد علي جناح لترك ملايين المسلمين للهند وتأسيسهم لباكستان وعندما ساندوا فى الخفاء حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان فى مصر (1928) وغيره كثير ولعل أهمه مساندتهم للإخوان للوصول لحكم مصر فى منتصف 1928. ومؤخرا ، أرسلت برقية تهنئة للبروفيسور الأشهر Bernard Lewis للتهنئة بعيد ميلاده المئوي.وكان قد حضر أولى محاضراتى بجامعة Princeton فى فبراير 2001. وبعد يومين من إرسال التهنئة المشار إليها أعلاه إتصلت بى سيدة وقالت لى أنها مرافقة البروفيسور برنارد لويس فى المصحة التى يقيم فيها وأنه يريد أن يشكرني. وفى ثانيتين كان صوت برنارد لويس يرن فى سماعة التليفون بنفس القوة وعذوبة لهجته الإنجليزية الأرستقراطية. وتعجبت من حيوته هذا الذى حصل على الدكتوراة فى التاريخ الإسلامي قبل 11 سنة من مولدي ! وبسرعة تيقنت أن شكري على برقية التهنئة لم يكن سبب إتصاله. فبعد كلمات شكر قليلة قال لى : لقد أثمر الربيع العربي ثمرته فى معظم الجمهوريات العربية بإستثناء مصر ... ما هى رؤيتك لذلك ؟ كنت اعرف مدي أهمية هذا السؤال. فبرنارد لويس هو عراب المحافظين الجدد والأب الروحي لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذى ينسبه البعض بالخطأ لكونداليزا رايس (والتى أعرفها شخصيا جيدا). فمشروع الشرق الأوسط الجديد هو مشروع برنارد لويس وقد تمكن عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 من تسويقها للأجهزة الأمنية الأمريكية. وأضيف أن كونداليسا رايس فى عالم القوى الحقيقة ليست سوى موظفة تنفذ السياسات ولا تصنعها. فكيف كان ردي عن سؤال العمر بالنسبة لبرنارد لويس ؟ قلت له : لاشك أن أصحاب مشروعي الشرق الأوسط الجديد والربيع العربي هم أشخاص لا يمكن الإستهانة بهم ، فهم ليسوا موظفين بدرجة وزراء او حتى رؤوساء وانما هم أصحاب عقول إستثنائية. ومع ذلك فإن "فهمهم لخصوصية مصر" إما أنه كان منعدما او مبتسرا ... وأظنه كان منعدما لأسباب عندي يطول شرحها. وأسترسلت قائلا : لم يكن بونابرت أبلها عندما قال "إن مصر ليست بلدا وإنما هى البلد" ... ولم يكن معتوها عندما قال "مصر هى أهم إسم على خارطة العالم". والذى لا يفهم معاني وأسباب هاتين المقولتين لبونابرت لن يفهم خصوصية مصر التى عبرت عن نفسها بوضوح فى مرات قليلة مثل 9 مارس 1919 و 6 أكتوبر 1973 و 30 يونيه 2013. وبدون مبالغة فإن حكمة التاريخ المصري الذى لا نظير له تتجلى فى أحداث هذه التواريخ. ولا أظننى أبالغ إذ أقول أنني سمعت فى صوت برنارد لويس فى نهاية المحادثة نبرة عكست شعوره بعدم الرضا عما سمعه : فمشروع عمره كان على وشك التحقق لولا تخلص المصريين من حكم الإخوان كنتيجة لموقف الشعب المصري يوم 30 يونيه 2013 ....


تعليقات الفيسبوك