إعتذاران ...


طارق حجي
الحوار المتمدن - العدد: 4673 - 2014 / 12 / 26 - 17:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

الإعتذار الأول : هو عن معارضتى للنقد غير المحدود للنصوص الدينية. فقد كنت أعتقد أن هذا النقد سيجعلنا نخسر معظم من نتوجه لهم بخطاب الحداثة. ورغم أننى كنت صادقا مع نفسي (وقتها) فى هذا الإعتقاد ، إلا أن احداث السنوات الخمس الأخيرة أكدت لى "خطأ" هذه النظرة. فتوسعة دوائر العقلانية والتفكير العلمي تحتم عدم حظر نقد أي شيء وأي فكرة وأي نص للعرض والدرس النقديين. وكل ما يجب أن نلزم أنفسنا والآخرين به هو إستعمال أدوات ولغة البحث العلمي عند دراسة ونقد أي فكرة أو نص أو تاريخ أو معتقد. والذى يضر بهذا النقد ليس هو حدوثه وإنما إتسامه بأي ملمح معارض لقواعد ولغة البحث العلميين. ويجب أن نجعل القراء يتطلعون على النقد الذى وجهه غربيون لأكثر النصوص قداسة عند اليهود و المسيحيين. ورغم أننى أعلم أن أعدادا كبيرة من المسلمين المعاصرين "غير مستعدة" لقبول وجود (مجرد وجود) هذا النقد ، فإن وجوده حتمي حتى الإنحسار المطلوب واللازم لموجة "الهوس الديني" المستفحلة فى معظم المجتمعات المسلمة المعاصرة. وهناك ألف دليل ودليل على هذا التكلس العقلي الذى يرفض اخضاع كل النصوص والتاريخ والأشخاص للنقد مما حدث مؤخرا عندما عرض كاتب مصري قصة ما فعله خالد بن الوليد عندما قتل بيده رجلا مسلما كان متزوجا من إمرأة جميلة وما قام به فى ذات اليوم الذى قتل فيه هذا الرجل عندما عاشر زوجة الرجل المقتول وهى فى أول أيام العدة ... والأبشع هو ما قال بها يومها أيضا عندما قام بقطع رأس الزوج القتيل وطهيها وأكلها ! ورغم أن الكاتب أعتمد على المراجع التى يستعملها الأصوليون الإسلاميون ، ورغم أن عمر بن الخطاب كان قد استاء جدا مما قام به خالد بن الوليد وطلب من أبي بكر عزل خالد ... ولكن أبا بكر رفض طلب عمر ... ولكن عمر أحتفظ بغضبه ورفضه لما فعله خالد حتى جاء اليوم الذى أصبح فيه عمر هو الأمير/الحاكم ، فكان أول قرار له هو عزله لخالد بن الوليد ... رغم كل هذا الوضوح فى الصورة ، فقد تعرض الكاتب لهجوم شديد الضراوة ! فكيف له أن ينتقد "سيدنا" خالد بن الوليد ! وحدث (وسيحدث) نفس رد الفعل "الهمجي" عند التعرض بالعرض النقدي لكتاب مثل ما يسميه الناس ب "صحيح البخاري" ! رغم وجود عشرات المواضيع (فى البخاري) التى لن تصمد انصف دقيقة أمام النقد العلمي المنهجي. وإنى إذ أعتذر عن مطالبتى منذ سنوات بمراعاة "خاطر و حساسية" البعض ، فإنني أؤكد أنني كنت (بكل صدق) أظن أن "الصالح العام" يقتضي ذلك ... ولكننى اليوم أرى أن علينا مراعاة "خاطر" العلم وليس خاطر البعض ، وأن "الصالح العام" يحتم عدم وجود سقف للفكر والعقل والنقد ، على أن يكون كل ذلك بأساليب ومناهج البحث العلمي. الإعتذار الثانى : هو عن رفضي لسنوات لكل إدعاء بأن دول الحضارة الغربية لا تزال هى الإمبريالى المستغل (بضمة فوق الميم) الذى تحركه رغبات قوية فى إستغلال باقى العالم وإبقائهم متخلفين وفقراء بكل السبل ... فقد تعلمت من خبرة سنوات ما يسميه البعض بالربيع العربي أن أكبر شرخ فى الحضارة الغربية هو ذلك البون الشاسع بين ما ترتضيه حكومات الغرب لشعوبها وما ترتضيه لباقي الإنسانية. ومن العبث أن يردد البعض بأن الغرب هنا يفعل شيئا منطقيا هو تحقيق مصالحه ، لأنه من المنطقي أن يقول قائل أن من مصالح الغرب أن يحترم أنساقه القيمية (التى يتمسك بها فى الداخل) على كل تعاملاته وسياساته وتصرفاته فى الخارج أيضا. وعلمتني تجربة السنوات الأربع الأخيرة أن أنظر بغضب وإزدراء لسمة من أحقر سمات المجتمعات الغربية وهى الإعتقاد بأن مصالحهم تستلزم إفقار وإضعاف الآخرين ، وأوضح مثال على هذه السمة الوضيعة هو الموقف الغربي الحالي من روسيا والذى يتضمن عمل دؤوب على تدمير الإقتصاد الروسي بعدة أساليب وأدوات منها خفض أسعار البترول والغاز بما يكفل دفع الإقتصاد الروسي لحافة الإفلاس. ومن أوضح الأمثلة على هذا التهافت الأخلاقي والإنساني للغرب تحالف معظم قادة الغرب مع تنظيم إرهابي مثل تنظيم الإخوان المسلمين والزعم بأنه (أي تنظيم الإخوان الإرهابي) قد نضج وتطور وأصبح لاعبا سياسيا مقبولا و ينبذ العنف ! ... فأبسط دارس لما يطلق عليه الإسلام السياسي يدرك بكل جلاء أن الإسلام السياسي شجرة يمثل ساقها الإخوان والوهابية ، أما القاعدة والنصرة وداعش والمحاكم الإسلامية (فى القرن الإفريقي) والشباب (فى الصومال) و بوكو-حرام (فى نيجيريا) و بيت المقدس (فى مصر) وكل التيارات الجهادية والسلفية .... فما هى إلا فروع نفس الشجرة ، وأنهم يشتركون مع الساق فى الأدبيات والأهداف ( تدمير بنية الدولة الحديثة وتأسيس "الدولة الإسلامية" + تدمير النظم الدستورية والقانونية الوضعية وتأسيس بديل يقوم على ما يعتقدون أنه "شريعة الله" + عالمية الدعوة بمعنى العمل على حكم العالم كله تحت رايتى الخلافة والشريعة). والخلاصة : أن الحضارة الغربية هى حفيدة المد الإستعماري وحفيدة قتلة سكان أمريكا الأصليين وحفيدة جرائم الإنسان الأبيض فى مجال الرقيق والعبيد والتفرقة العنصرية ، وحفيدة جريمتى الحرب (الفرنسية ومن بعدها الأمريكية) على فيتنام ... أي أنها حفيدة "عار" لا يسمح للغرب بأي افتخار !


تعليقات الفيسبوك