غثاء نيويورك تايمز الأحوى ...


طارق حجي
الحوار المتمدن - العدد: 4601 - 2014 / 10 / 12 - 19:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


نشرت جريدة نيويورك تايمز فى أحدث أعدادها ما إعتبره كثيرون ملخصا لرأي ورؤية المجلة وإدارة الرئيس باراك أوباما ومعظم مراكز البحوث (Think Tanks) فى الولايات المتحدة. وأنا غير مهتم بالرد على ما كتبته نيويورك تايمز. فأنا ككاتب ومحاضر زار eوتكلم فى معظم مراكز البحوث الأمريكية المهمة وزار وتحدث أمام لجنة الحريات الدينية بالكونجرس الأمريكى و بوزارة الخارجية و مجلس الأمن القومى (NSC) ونشرت لى عدة مقالات وكتب فى الولايات المتحدة عن سياسات وثقافات دول ومجتمعات الشرق الأوسط أعرف كبف تتكون حملة صحفية كتلك التى شنتها مؤخرا النيويورك تايمز وأعلم لذلك أن الحوار معها لن يكون مجديا. ولكننى أكتب للرأي العام العالمى الذى أتفهم أن الصورة أمامه قد تكون بحاجة لإيضاح. وأبدأ بالحديث عما حدث فى مصر يوم 30 يونيه 2013. هل كان خروج أكثر من ثلاثين مليون مصري لميادين وشوارع عدد كبير من المدن المصرية "ثورة" أم شيئا غير الثورة ؟ إن أرجح تعريف للثورة هو قيام أعداد كبيرة جدا من الشعب بمواقف على أرض الواقع تتسبب فى إحداث تغيير أو تغيرات كبيرة فى الواقع. ويوم 30 يونيه 2013 خرج أكثر بكثير من نصف عدد المصريين الذين لهم حق الإنتخاب وقرابة ثلاثة أضعاف الذين إنتخبوا الرئيس الذى كانت حشود 30 يونيه 2013 تطالب بعزله - خرج هؤلاء وفى معظم مدن مصر الكبرى يعبرون عن إصرارهم أن يخلع محمد مرسي (الرئيس الإخوانى) من منصبه. وقد أدى هذا التصرف الجماهيري لحدث وأثر كبيرين جدا تجسدا فى إنهاء أول حكم للإخوان المسلمين فى تاريخ مصر بعد 369 يوما من وصولهم للحكم. فإن لم تكن تلك "ثورة" فماذا تكون ؟ وكثيرون خارج مصر لا يعرفون أن حشود 30 يونيه 2013 جاءت بعد أن رفض الرئيس الإخوانى ثلاثة طلبات تقمدت بها المعارضة الشعبية وهى أن يجرى إستفتاء شعبيا على بقاءه او تركه الحكم أو أن يجري إنتخابات رئاسية مبكرة أو يستقيل. وكثيرون خارج مصر لا يعرفون أن المصريين جمعوا قبل 30 يونيه 2013 أكثر من 22 مليون توقيع يطالب أصحابها الرئيس الإخوانى بترك منصبه. وكثيرون خارج مصر لا يفكرون فى السيناريو التالى : قام المصريون بعد رفض الرئيس الإخوانى للطلبات الثلاثة المذكورة وبعد توقيع أكثر من 20 مليون مصري ومصرية على عريضة تطالب بعزل الرئيس الإخوانى ... بعد ذلك خرج أكثر من ثلاثين مليون مصري ومصرية يوم 30 يونيه 2013 لميادين وشوارع معظم المدن المصرية للمطالة بتنحي محمد مرسي الرئيس الإخوانى وبعد خروجهم هذا لم يقرر الجيش المصري الوقوف مع هذه الحشود المصرية : فماذا كان سيحدث ؟ الواقع المصري ومعرفة عقلية وثقافة ومنهج وتاريخ أي فصيل سياسي إسلامي تؤكد أن مواجهة كبري كانت ستحدث فى ميادين وشوارع مصر بين مواطنين سلميين يطالبون الرئيس الإخوانى بالإستقالة ومؤيدين إسلاميين لهذا الرئيس تقوم ذهنيتهم على ركائز منها القتال ... ويقيني أنه لو لم يقرر جيش مصر مناصرة ثورة 30 يونيه 2013 لشهدت مدن مصر مذابحا يفتك فيها مناصرو الرئيس الإخوانى بمعارضيه لا لسبب إلا لكونها مواجهة قتالية بين أغلبية سلمية وأقلية دموية يقول لنا تاريخ المجتمعات الإسلامية والواقع الراهن فى العراق وسوريا واليمن وليبيا كم هم قتلة ودمويون وكم أنهم لا علاقة لهم بكل قيم الإنسانية المعاصرة مثل التعددية والغيرية (Otherness) والنسبية وحرية الإعتقاد ونظم الدولة الحديثة وحقوق المرأة ... إلخ.


وتبقى الكارثة والمأساة المتمثلتان فى نظرة البعض (ومنهم إدارة الرئيس باراك أوباما وأذنابه فى الإعلام الأمريكي) للإخوان المسلمين كحزب سياسي يمكن أن ينضوى فى الحياة السياسية لمجتمع عصري. فهى نظرة تعكس عدم فهم الإسلام السياسي. كما تعكس خطيئة أخرى هى إعتقاد البعض أن هناك فروقا وإختلافات إستراتيجية بين تيارات الإسلام السياسي. فالدارس المتعمق للتاريخ السياسي للمجتمعات الإسلامية ومن إطلع على أدبيات تيارات الإسلام السياسي لا يستطيع إلا أن يصل لنتيجتين شديدتى الوضوح : الأولى هى أن تيارات الإسلام السياسي المتعددة ما هى الا فروع وأوراق شجرة جذعها هى الفكر الذى يمثله الإخوان المسلمون. والنتيجة الثانية هى أن الأهداف الإستراتيجية لكل تيارات الإسلام السياسي هى نفس الأهداف وهى تقويض نظم الدولة الحديثة وإستبدالها بنظم الخلافة الإسلامية التى أثبت علي عبدالرازق فى كتابه "الإسلام وأصول الحكم" (سنة 1925) أنه محض وهم ... فكيف يوجد نظام سياسي فى ظل غياب نظام لتولي الحكم وفى ظل غياب مماثل لآليات الحكم. فكما يدلنا التاريخ فإن الطرق التى أختير بها الحكام الأربعة الأوائل المعروفين بالخلفاء الراشدين مختلفة كما أن إختيار الحاكم فى الدولتين الأموية والعباسية كان "ملكا عائليا". وكل حاكم خلال حقبات الخلفاء الأربع الأول وأمراء بنى أمية وأمراء بنى العباس حكم بشكل مختلف وبدون نظام حكم واضح. ولا يوجد دارس متعمق فى التاريخ السياسي للمجتمعات الإسلامية ولأدبيات تيارات الإسلام السياسي المعاصرة يستطيع أن يقول أن أي تيار من هذه التيارات سيحافظ (ان وصل للحكم) على أطر وأسس الدولة الحديثة. ويكفى أن نلقي نظرة على تاريخ الدولة السعودية الأولى والدولة السعودية الثانية والدولة السعودية الثالثة ودولة طالبان فى أفغانستان ودولة المحاكم الإسلامية فى الصومال ومناطق نفوذ وهيمنة بوكو-حرام فى نيجيريا وواقع المناطق الواقعة تحت سيطرة الإسلاميين فى العراق وسوريا واليمن وليبيا لندرك حجم التناقض بين أية دولة يسيرها مؤمنون بالإسلام السياسي وبين نظم الدولة والتشريعات وحقوق الإنسان وحقوق المرأة الحديثة. ومن العبث أن نصدق أن الإخوان المسلمين (مثلا) يؤمنون بنظم الدولة الحديثة والقواعد الدستورية والقانونية المعاصرة وحقوق الإنسان لمجرد أنهم يؤكدون ذلك ! كما أنه سيكون من العبث الميلودرامي أن نصدق أن الإخوان المسلمين (مثلا) قد نبذو العنف والقتل وإغتيال خصومهم لمجرد أنهم يؤكدون ذلك : فتاريخهم منذ إغتيالهم لرئيس وزراء مصر فى سنتى 1945 و 1948 وعشرات الإغتيالات الأخري بعد ذلك وأهمها إغتيال الرئيس السادات يوم 6 أكتوبر 1981 وما يحدث فى مصر اليوم من إغتيالات ليس وراءها إلا الإخوان - هذا التاريخ والواقع الآنى يؤكدان أن الإخوان المسلمين لم ينبذو العنف والقتل وإنما عهدو به لتيارات منبثقة عنهم. فلا شك أن القاعدة و حماس (مثلا) هما إبنان أو بنتان لتنظيم وفكر الإخوان المسلمين. ولا شك أيضا أن داعش والنصرة فى سوريا والعراق هما إبنان أو بنتان للوهابية المتحررة من حلف الوهابية مع آل سعود فى المملكة العربية السعودية.



تعليقات الفيسبوك