هل يعنيكم فوز لولا دي سيلڤا في البرازيل؟


الهيموت عبدالسلام
2026 / 10 / 27 - 19:48     

الذين فرحوا بفوز لولا دي سيلڤا رئيس البرازيل الحالي لأنهم يرون في انتصاره أملاً في عالم ينتصر للإنسان وللحرية وللعدالة، وينحاز الفقراء ولبيئة سليمة، ويحترم القانون الدولي، ويدافع عن فلسطين وحق الشعوب في التحرر والانعتاق والكرامة. إنه فرح بكل سياسة تجعل حياة الإنسان أهم من أرباح الشركات، وحقوق الشعوب أهم من مصالح الأقوياء، والصحة والتعليم والعيش الكريم حقوقاً للجميع، ومستقبل الأرض أهم من جشع المستنزفين لثرواتها. الفرحة لا تتعلق بانتصار رئيس وحزبه في البرازيل وحدهما، بل يمتد أثر هذا الانتصار إلى العالم كله، فكما في تأثير الفراشة ونظرية الأثر الهائل للجزئيات، قد تُحدث خطوة صغيرة في مكان بعيد تحولات كبيرة تصل العالم كله، وتتوالد آثارها في أماكن لم تكن في الحسبان، فقد يُسهم انتصار مشروع يدْعم العدالة الاجتماعية، ويحمي الأمازون، ويدافع عن السلم وحق الشعوب في تقرير مصيرها في تقوية هذه القيم عالمياً، وإلهام حركات وشعوب أخرى، والتأثير في ترجيح موازين القوة الدولية. فالبرازيل ليست جزيرة معزولة عن مصير البشرية، وما يحدث فيها قد تتردد أصداؤه في فلسطين، وفي الجنوب العالمي، وفي معركة حماية المناخ والقانون الدولي، فحين تنتصر فكرة الحرية في مكان ما فإنها تفتح نافذة لاحتمال انتصارها في العالم كله.

فرح الكثير لأنهم رأوا بالملموس في تجربته إمكانية أن تصبح السياسة في خدمة الإنسان لا أصحاب الثروة وحدهم، في فترتيه الرئاسيتين الأولى والثانية (2003ـ2010) ، قدم برامج اجتماعية رائدة مثل برنامج إعانة الأسرة ومبادرة القضاء على الجوع، ساهمت هاتان الخطتان في انتشال أكثر من 20 مليون برازيلي من براثن الفقر المدقع وتحسين مستويات المعيشة والتعليم في أوساطها، أما في ولايته الثالثة انخفضت نسبة الفقر في البرازيل من 31.6% سنة 2022 إلى 23.1% سنة 2024، وتراجع معدل البطالة إلى 5.6% سنة 2025، وارتفعت الأجور ، وعادت البرازيل إلى قائمة الدول الخارجة من خريطة الجوع الأممية إلى مجموعة 20 ومجموعة برينكس وإلى نمو تراكمي بلغ 9,2 خلال مرحلة( 2023ـ2025) ، كما عزز برامج الدعم الاجتماعي، وأعاد حماية الأمازون إلى صدارة الأولويات، ودافع دولياً عن وقف الحرب على غزة وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة ،لم يحلّ لولا كل مشكلات البرازيل، فما زالت تحديات الديون والفوارق الاجتماعية والجهوية والعرقية وضعف الاستثمار وتبعية الصادرات والتصنيع... ، لكن ما حققه لولا يضع البلاد على طريق أفضل نحو مزيد من الإنجازات، فالأهم ليس أن تكون كل المشكلات قد حُلّت، بل أن تكون البوصلة واضحة والاتجاه صحيحاً نحو تقليص الفقر والجوع، وتوسيع مساحة الكرامة والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة ونصرة القضايا العادلة باستقلالية.

وفي المقابل، في نفس هذا العالم معسكر آخر يستأسد فيه ترامب ونتنياهو عبر سياسات تقوم على التوسع والاحتلال والحروب، وتهميش القانون الدولي، والتضييق على المهاجرين، وتهديد البيئة، وفرض إرادة الأقوياء على الشعوب ولو كان الثمن دمارا وتهجيرا وإبادة واستنزافا لثروات الأرض وتهديدا لمستقبل الكوكب. إنه اختلاف بين معسكر يريد أن تحكم العالم فلسفة الحقوق والحريات والقوانين والعدالة والسلام، وعالم تُفرض فيه المصالح بالحديد والنار على حساب الإنسان والأرض، وهنا تحضرنا المقولة الخالدة لمحمد بن عبد الكريم الخطابي التي تلخص النظرة الشمولية لهذا العالم : "انتصار الاستعمار ولو في أقصى الأرض هزيمة لنا،وانتصار الحرية في أي مكان هو انتصار لنا".