إسرائيل جرّمت الفكر السياسي العربي، لإسعاد إرهابييها اليهود
جدعون ليفي
2026 / 10 / 6 - 13:03
رجل شرير يرتقي لأنه يهودي, ورجل صالح يعاني لأنه فلسطيني. مجرمان سابقان هزما رجلاً بريئاً في المحكمة العليا, بسبب مقال رأي
رن هاتفي يوم الجمعة: رسالة مسجلة من إيتمار بن غفير يتحدث فيها عن انتصاره في المحكمة العليا. وقد وعد سامي أبو شحادة بـ«برا، برا» (اخرج، اخرج!- باللهجة العربية العامية)، وها هو قد نفذ وعده. كان ذلك كافياً لدفع أي شخص إلى الجنون: وزير عنصري من أتباع كاهانا، مُدان بدعم الإرهاب، ويتباهى بجرائم الحرب التي يأمر بارتكابها في السجون الإسرائيلية، ويحرض على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ثم يحتفل بانتصاره.
وهو يفعل ذلك على درجات المحكمة العليا. وإلى جانبه يقف زئيف وولف، وهو محام قام، مع أعضاء آخرين في «وحدة الانتقام» التابعة لحركة كاخ، بإلقاء قنبلة يدوية وسط حشد في الحي الإسلامي بالبلدة القديمة في القدس، ما أدى إلى مقتل رجل فلسطيني مسن وإصابة عدد من الأشخاص بجروح عام 1992. ها هو مؤيد الإرهاب والقاتل يهزمان رجلاً لم يؤذ ذبابة قط، لا ذبابة يهودية ولا ذبابة فلسطينية.
أصبح القاتل محامياً، وأصبح مؤيد الإرهاب وزيراً في الحكومة، بينما أُجبر أبو شحادة على الانسحاب من انتخابات الكنيست بعدما أعلن القضاة أن هناك أغلبية تؤيد منعه من الترشح. رجل شرير يرتقي لأنه يهودي, ورجل صالح يعاني لأنه فلسطيني. هل يمكن تخيل شيء أكثر عبثية من أن يهزم مجرمان سابقان رجلاً بريئاً في محكمة العدل العليا، وكل ذلك بسبب مقال رأي؟
كان المسار قد تحدد عندما قالت هيئة مؤلفة من تسعة قضاة إن الأغلبية ستصوت لصالح استبعاد أبو شحادة. هذه هي الصورة الأخلاقية للمحكمة العليا في تشكيلتها الحالية، وهي المحكمة التي نزل «معسكر التغيير» إلى الشوارع للدفاع عن استقلالها. أهذه هي المحكمة التي دافعتم عنها؟ يا لها من فضيحة!
لقد ولت الأيام التي كان فيها رئيس لجنة الانتخابات المركزية آنذاك، القاضي ميشائيل حشين، يعارض استبعاد عزمي بشارة رغم أن الاتهامات الموجهة إليه كانت أخطر بكثير من تلك الموجهة إلى أبو شحادة. قال حشين: «إن انتماءك إلى حزب الله يزعجني ويثير غضبي»، ثم أضاف: «لكن ديمقراطية إسرائيل قوية، وقادرة على تحمل استثناءات مثل بشارة».
بعد نصف قرن، ضعفت الديمقراطية الإسرائيلية، وضعفت محكمتها العليا، واستبعد أبو شحادة، بينما ينتصر بن غفير.
استمرت جلسة النظر في استبعاد جميع الأحزاب العربية تسع ساعات، خُصصت منها ثلاث ساعات لأبو شحادة. جنون مطلق.
بن غفير، وهو يؤدي دور جدعون هاوزنر، المدعي العام الإسرائيلي في محاكمة أدولف أيخمان، يوحي بأن أبو شحادة هو أدولف أيخمان نفسه: «عندما أقف أمامكم هنا، فإنني لا أقف وحدي. معي يقف 1,163 شخصاً ذُبحوا في هذه المجزرة».
هل فوض الضحايا الـ1,163 بن غفير للتحدث باسمهم؟ أيخمان؟ حقاً؟
وهكذا بدأت جلسة الاستماع المهينة لأبو شحادة، التي ذكرت بلجان التطهير الستالينية. أراد القضاة الموقرون أن ينفذوا إلى أعماق أفكاره ونواياه. إنهم لن يفعلوا ذلك أبداً مع يهودي: «هل أردت حقاً قتل ألف طفل؟»
لم يجرؤ أيٌّ منهم على النظر إلى الصورة الأكبر، التي يصبح فيها الأشخاص الذين يحرضون على الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع الجماعي مؤهلين للترشح للمناصب العامة، بينما يُستبعد مرشح يدعو إلى السلام والمساواة.
أرادت القاضية دافني باراك-إيريز أن تعرف ما إذا كان الرجل يندم على تصريحاته، رغم أنه سبق أن عبّر عن ندمه، وكأن ذلك سيساعده بشيء.
أما القاضي أليكس شتاين فطلب أن يرى «مقالاً واحداً باللغة الإنجليزية» وصف فيه أبو شحادة حماس بأنها منظمة إرهابية. وإذا عُثر على ذلك المقال المنقذ، فهل كان شتاين سيصوت ضد استبعاده؟ يا لها من مزحة!
هل حماس منظمة إرهابية؟
لقد استجوبه شتاين بالطريقة التي يُستجوب بها أي عربي: إذا أجاب بنعم، قالوا إنه لا يعني ما يقول, وإذا أجاب بلا، أو حاول التملص من السؤال، أصبح إرهابياً.
كانت «المحكمة العليا للفكر» تريد أن تعرف ماذا كان يقصد، لكن أبو شحادة ومحاميه حسن جبارين لم تكن لديهما أدنى فرصة. فقد اضطرت المحكمة إلى تقديم قربانها للروح السائدة، وللفاشية الإسرائيلية وللحكومة. ففي نهاية المطاف، حتى أميرة العدالة الإسرائيلية، المستشارة القضائية للحكومة، كانت تؤيد استبعاده.
استسلم المتهم، ولذلك لن نعرف أبداً ما إذا كان هناك رجل صالح في سدوم.
لكن الروح التي هبت في أرجاء المحكمة كانت واضحة: استبعاد «يهودي وديمقراطي»، على أروع ما يكون في تقليد الكذب الصهيوني.
ومن الآن فصاعداً، لن يُسمح للفلسطينيين في إسرائيل بأن يفكروا أو يعبروا عن أنفسهم إلا ضمن الحدود الضيقة التي ترسمها لهم منارة العدالة, تلك المنارة التي انطفأ نورها منذ زمن بعيد.