التناقضات العالميّة ، إيران و الموقف الثوري من المسألة


شادي الشماوي
2026 / 10 / 2 - 22:48     

مجلّة برتزان العالميّة ، عدد 1
https://www.bannedthought.net/Turkey/Other/PartizanInternationalJournal-1.pdf

لا يمكن فهم النقاشات الراهنة حول إيران بالنظر فقط إلى النزاع المباشر بين الجمهوريّة الإسلاميّة من جهة و كتلة الولايات المتّحدة – إسرائيل . و كذلك ، لا يمكن فهمها فقط إعتمادا على سخط الشعب الإيراني تجاه النظام و نبذهم له . كلاهما مهمّان . و مع ذلك ، إن تمّ التعاطي معها بشكل منفصل أو إن وُضع الواحد فوق الآخر آليّا ، فالتحليل يمسي وحيد الجانب و خطير سياسيّا .
و لا بدّ أن ينطلق التحليل الملموس للواقع الملموس من تناقضات اليوم . فإيران ليست بلدا معزولا خارج الرأسماليّة العالميّة، و ليست كذلك استثناء أو شيئا غير عادي . إنّها موجودة في إطار نظام عالمي يهيمن عليه الإمبرياليّون . و فيما تتشكّل التناقضات الداخليّة للمجتمع الإيراني بفعل هذا النظام الذى يمتلك مميّزاته الطبقيّة الخاصة ، و أشكاله التاريخيّة و القوميّة و الدينيّة و السياسيّة الخاصة . لهذا ، يتعيّن علينا أن نتحرّك من الوضع العالمي إلى الوضع الإقليمي ، و حينها فحسب نتحرّك إلى الظروف الملموسة لإيران .
التناقض الأساسي للرأسماليّة هو التناقض بين العمل و رأس المال – أو لوضع الأمر بصيغة أشمل ، بين الإنتاج ذي الطبيعة الإجتماعيّة و الملكيّة الرأسماليّة [ الخاصة – المترجم ] . و هذا التناقض قد وُجد منذ بدايات نمط الإنتاج الرأسمالي . حينما تحوّلت الرأسماليّة إلى إمبرياليّة ، لم يتبخّر هذا التناقض . بالعكس ، فاقمت الإمبرياليّة هذا التناقض و نشرته عبر العالم .
و في ظلّ الإمبرياليّة ، لم يعد رأس المال منظّما فقط في إطار الحدود القوميّة . فهو يتمظهر من خلال الإحتكارات و البنوك و رأس المال المالي ، و الشركات المتعدّدة الجنسيّات ، و تصدير رأس المال ، و التحكّم في الأسواق ، و العقوبات ، و القواعد العسكريّة و الديون و التجارة غير المتكافئة ، و التحكّم في التكنولوجيا و إستغلال الموارد ، و تقسيم و إعادة تقسيم العالم بين القوى العظمي . و بالنتيجة ، لا يتمظهر التناقض بين العمل – رأس المال داخل كلّ بلد فحسب و إنّما أيضا من خلال الهيمنة على الشعوب المضطهَدَة من قبل الطبقات الحاكمة الرجعيّة المرتبطة بالإمبرياليّة و بالنظام الرأسمالي العالمي .
و ليس هذا التناقض الأساسي مجرّد صنف إقتصادي . ذلك أنّه يحدّد التوجّه النهائي للتغيير الثوري . و دون معالجة التناقض بين العمل و رأس المال ، كافة التناقضات الأخرى يمكن إعادة تنظيمها لكن لا يمكن تجاوزها . من الممكن تعويض نظام ملكي بنظام جمهوريّ . و من الممكن تعويض نظام ديني بنظام علماني . و من الممكن أن يتّخذ قسم من رأس المال مكان قسم آخر . و من الممكن لتحالف إمبريالي أن يترك الساحة لتحالف إمبريالي آخر . و مع ذلك ، طالما أنّ رأس المال يظلّ في السلطة ، سيتواصل الإستغلال و الإضطهاد بأشكال جديدة .
لهذا ، التناقض بين العمل – رأس المال يجب أن يحتلّ موقعا مركزيّا في تحليلنا . و هذا لا يعني أنّ كلّ مسألة سياسيّة إستعجاليّة يمكن تقليصها إلى أجور أو نضالات مصانع . بل يعني أنّ التوجّه الأخير لكلّ النضالات الديمقراطيّة و الوطنيّة و القوميّة و المعادية للإمبرياليّة ، و النسويّة ، و الشبابيّة و الشعبيّة تتحدّد بما إذا تبقي في إطار حدود رأس المال أو تتحرّك بإتّجاه سلطة مستقلّة للطبقة العاملة و الجماهير المضطهَدَة في ظلّ دكتاتوريّة البروليتاريا .
في عصر الإمبرياليّة ، هناك عديد التناقضات الكبرى الناجمة عن هذا التناقض الأساسي وهي تتطوّر حوله . ففي البلدان الرأسماليّة و الإمبرياليّة ، هناك تناقض بين العمل و رأس المال . هناك تناقض بين الأمم و الشعوب المضطهَدَة من جهة و الإمبرياليّة و الطبقات الحاكمة المحلّية الرجعيّة و الكمبرادوريّة من الجهة الأخرى . و أيضا ثمّة تناقضات في صفوف القوى و الكتل الإمبرياليّة وهي تتنازع حول الأسواق و الموارد و مناطق النفوذ ، و المواقع العسكريّة ، و طرق التجارة ، و الطاقة ، و التكنولوجيا ، و السيطرة السياسيّة . و فضلا عن ذلك ، عندما توجد دول إشتراكيّة حقيقيّة ، سيظهر كذلك تناقض بين الكتلة الإشتراكيّة و الكتلة الإمبرياليّة .
و مع ذلك ، اليوم ليس بوسعنا ميكانيكيّا أن نتكلّم عن كتلة إشتراكيّة بالمعني القديم . ما من كتلة إشتراكيّة في العالم تشبه تلك التي وجدت في الفترة التي تلت ثورة أكتوبر أو ظهور الصين الإشتراكيّة . و التناقض بين الإشتراكيّة و الإمبرياليّة يتواصل بالمعني الإيديولوجي و السياسي و التاريخي ؛ لأنّ إرث ثورتي أكتوبر و الصين – دكتاتوريّة البروليتاريا ، و البناء الإشتراكي و الصراع ضد التحريفيّة – يتواصل ليحتلّ موقعا مركزيّا في الحركة الثوريّة العالميّة . و هذا قابل للنقاش لأنّ تحليل التناقضات – أو " وحدة الأضداد " – يمكن النظر إليه كعامل ذاتي أكثر منه عامل موضوعي الذى يعتمد عليه أو ينبغي أن يعتمد عليه .
هذا خطأ من الأخطاء الجوهريّة لفكر " الكتل " . فهو يخلط النزاعات بين الدول مع معاداة الإمبرياليّة . إنّه يعتقد أنّ أيّ قوّة تكون في نزاع مع الولايات المتّحدة يجب أن تكون تقدّميّة أو ، على الأقلّ ، يجب الدفاع عنها كجزء من الكتلة المعادية للإمبرياليّة . هذه ليست ماركسيّة – لينينيّة – ماويّة . إنّه تذيّل جغرافي سياسي . فهو يضع الطبقة العاملة و الشعوب المضطَهَدَة خلف الدول و الطبقات الحاكمة التي لا تمثّلها .
و التناقض الأساسي في أيّ زمن معطي يجب أن يتمّ تشخيصه من خلال التحليل الملموس . لا يمكن التصريح إستنادا إلى المشاعر و العادات أو الصيغ الموروثة . و يعلّمنا ماو تسي تونغ أنّ في سيرورة معقّدة ، هناك العديد من التناقضات ؛ و مع ذلك ، وجود و تطوّر أحدها يتحوّل إلى تناقض رئيسي لأنّه يحدّد أو يؤثّر على الآخرين . و إلى ذلك يعلّمنا أنّ هذا يتغيّر حسب الظروف . تناقض يكون رئيسيّا في مرحلة ما قد يغدو ثانويّا نسبة إلى آخر . و تناقض ثانوي قد يغدو رئيسيّا لمّا تتغيّر الظروف . و بالتالي ، التحليل الملموس للواقع الملموس أمر جوهريّ .
و يكمن الخطأ في تقليص تعاليم ماو تسى تونغ إلى صيغة جامدة . فالبعض يحاججون كالتالي : عندما تهاجم الإمبرياليّة بلدا، التناقض بين ذلك البلد و الإمبرياليّة يمسي آليّا التناقض الرئيسي ، و على جميع الطبقات ضمن البلاد أن يتّحدوا وراء الدولة القائمة . هذا تأويل ميكانيكي . في الواقع ، تحليل ماو نفسه كان ملموسا أكثر . لقد ميّز بين الأشكال المتنوّعة من الإضطهاد الإمبريالي و مختلف العلاقات بين الإمبرياليّة الأجنبيّة و الرجعيّة المحلّية ، و الجماهير . في ظلّ ظروف معيّنة – خاصة أثناء الاحتلال المباشر أو في ظلّ الاحتلال – مقاومة وطنيّة واسعة يمكن أن تظهر . و في ظلّ ظروف أخرى ، تشكّل القوى الرجعيّة الداخليّة تحالفا مع الإمبرياليّة أو بعض قطاعات العالم الإمبريالي ، و تصارع الجماهير ضد كلّ من الهيمنة الأجنبيّة و الرجعيّة المحلّية .
و هذا الإختلاف أهمّيته حيويّة بالنسبة إلى إيران .
ما هو الوضع في إيران ؟
ليست إيران راهنا في ظلّ إحتلال من طرف كتلة الولايات المتّحدة – إسرائيل . فالولايات المتّحدة و إسرائيل تقصفان بالقنابل و تهدّدان و تضغطان على إيران بهدف إضعاف و ضبط و إعادة هيكلة ، أو الحصول على تنازلات من النظام الرجعي و المتخلّف . و غايتهما هي تحرير الشعب الإيراني . غاياتهما هي الهيمنة الإقليميّة و السيطرة الإستراتيجيّة ، و الدفاع عن التوسّع الصهيوني ، و حماية المصالح الإمبرياليّة . لهذا ، علينا بوضوح و بلا تردّد أن نعارض كلّ عدوان إمبريالي ، و قصف بالقنابل ، و عقوبات ، و خطط تغيير – نظام ، و خطط للتقسيم .
و مع ذلك ، هذا لا يجعل من الجمهوريّة الإسلاميّة ممثّلة للشعب الإيراني و معادية للإمبرياليّة . فالجمهوريّة الإسلاميّة ليست دولة وطنيّة ثوريّة . إنّما هي نظام رأسمالي رجعيّ و تابع . و قد ظهرت نتيجة هزيمة و سرقة ثورة الشعب لسنة 1979 . و تقوم سلطتها على تحالف مع مؤسّسات رجال الدين ، و " البازار " ( في إيران ، تحيل " البازار " ليس فقط على الموقع المادي للسوق بل كذلك لشبكة التجّار و الباعة بالجملة ، و أصحاب المحلاّت التجاريّة الذين يمثّلون الرأسمال التجاري التقليدي ) ، و مصالح الرأسمال و الكمبرادور الأخرى ، و القضاء على القوى الثوريّة و الديمقراطيّة ، و إضطهاد العمّال و النساء و القوميّات المضطهَدَة ، و بالتالي من خلال توسيع الحرس الثوري ، و أسس دولة تقريبا ، و شبكات إقتصاديّة لرجال الدين ، و رأس المال المرتبط بالدولة .
إنّ نزاع النظام مع كتلة الولايات المتّحدة – إسرائيل نزاع حقيقيّ ، غير أنّ هذا ليس الشيء نفسه و التناقض بين الشعب الإيراني و الإمبرياليّة . فالنظام يعارض الولايات المتّحدة عندما وجوده ذاته ، و تأثيره الإقليمي ، مساومة السلطة يتعرّضون للتهديد . و مع ذلك ، من وجهة نظر العمّال و الشعوب المضطهَدَة ، لا يعارض الإمبرياليّة . و حتّى بينما يتصادم مع كتلة إمبرياليّة ، لقد دمج نفسه ضمن النظام الرأسمالي العالمي بتشكيل تحالفات و المفاوضات و التجارة مع الآخرين .
و تحديدا عند هذه النقطة ، يُخفق كلّ من الخطّ السياسي الموالي للإمبرياليّة و الخطّ السياسي " الكتلوي " في تحليلهما . فالخطّ السياسي الموالي للإمبرياليّة يحاجج بأنّه بسبب كون الجمهوريّة الإسلاميّة رجعيّة ، فإنّ أيّ قوّة تضعفها – حتّى عدوان الولايات المتّحدة – إسرائيل – يمكن الترحيب بها . و يؤدّي هذا مباشرة إلى الإرتهان للإمبرياليّة . الخطّ الكتلوي أو الإشتراكي – الشوفيني ، من الجهة الأخرى ، يحاجج بأنّ الجمهوريّة الإسلاميّة يجب الدفاع عنها كدولة إيرانيّة على وجه الضبط لأنّ كتلة الولايات المتّحدة – إسرائيل تهاجم إيران . و هذا بدور ، يفضي مباشرة إلى الدفاع عن الرجعيّة الداخليّة .
كلا الخطّان يقفان إلى جانب أو آخر للعدوّ . كلاهما يمحوان الدور المستقلّ للشعب الإيراني . كلاهما يتجاهلان العمّال و النساء و القوميّات و الأمم المضطهَدَة و الشباب و المثقّفين و الجماهير الفقيرة – الذين يمثّلون الفاعلين الأساسيّين في الصراع الطبقي – و التعاطي معهم كعناصر ثانويّة في الصراع بين الدُول .
و يجب أن يكون الموقف الماركسي – اللينيني – الماوي رافضا بشكل قطعيّ للخطّين إيّاهما . يجب أن يقول : لا لعدوان الولايات المتّحدة – إسرائيل ، لا للعقوبات ، لا للقصف بالقنابل ، لا للإحتلال ، لا لخطط تغيير – النظام الإمبرياليّة .
و في الوقت نفسه ، ينبغي كذلك قول : لا للدفاع السياسي عن الجمهوريّة الإسلاميّة ؛ لا لإتزام الصوت إزاء القمع الذى تمارسه ؛ لا للوحدة مع النظام ضد الشعب ؛ و لا للقبول بكذبة أنّ معارضة النظام تساوي آليّا التواطؤ مع الإمبرياليّة .
التشخيص الصحيح للتناقضات مسألة حيويّة !
لا يخون الشعب المضطهَد في إيران معاداة الإمبرياليّة بالقتال ضد هذا النظام . فالجماهير الشعبيّة تقاتل ضد أشكال ملموسة – الإستغلال و الرجعيّة الدينيّة و الإضطهاد القومي ، و إضطهاد النساء ، و إرهاب الدولة و التبعيّة للإمبرياليّة – الذين تمّ تنظيمهم في إيران لأكثر من أربعين سنة . و من هنا ، نضالها ضد الجمهوريّة الإسلاميّة لا ينفصل عن النضال ضد الهيمنة الإمبرياليّة . إنّه شكل من الأشكال الداخليّة الضروريّة .
في إيران ، كما هو الحال في كلّ مكان في عالم اليوم ، التناقض الأساسي هو التناقض بين العمل و رأس المال . و يتمظهر هذا كإستغلال للعمّال و تفقير للجماهير و الخوصصة / الخصخصة و تعاقد و التضخّم الثلاثي الأبعاد و البطالة و الأجور غير المدفوعة و تفكيك الحقوق الإجتماعيّة و هيمنة رأس المال المرتبط بالدولة ، و دور رأس المال المرتبط بالحرس الثوري ، و الهبات الدينيّة و رأس المال المرتبط بالبازار و شبكات الكمبرادور الخاص ، و النموّ الاقتصادي الإيراني المرتهن للنظام الرأسمالي العالمي .
و التناقض الأساسي في المرحلة السياسيّة الراهنة تناقض بين العمّال و الشعوب المضطهَدَة بإيران من ناحية و نظام الجمهوريّة الإسلاميّة من الناحية الأخرى . و مردّ هذا إلى أنّ النظام هو المنظّم السياسي للإستغلال و القمع . و يسيطر النظام على القوّات المسلّحة و الحرس الثوري و الشرطة و المحاكم و السجون و النظام التربوي ، و وسائل الإعلام الرسميّة و الأدوات الأساسيّة للهيمنة السياسيّة و الدينيّة و الإقتصاديّة . بكلمات أخرى ، إنّه الشكل السياسي المكثّف للنظام الرأسمالي التابع راهنا في إيران .
و التناقض الخارجي الأهمّ هو التناقض بين الشعب الإيراني و العدوان الإمبريالي – خاصة القصف بالقنابل و العقوبات و التهديدات و الخطط الهيمنيّة لكتلة الولايات المتّحدة – إسرائيل . و هذا التناقض حاد في طبيعته و يجب معارضة العدوان. و مع ذلك ، لهذا لا يلغي التناقض الأساسي الداخلي بين الشعب و النظام .و كذلك لا يغيّر الطبيعة الطبقيّة للجمهوريّة الإسلاميّة .
هذه هي النقطة المفتاح . فالتناقض بين كتلة الولايات المتّحدة – إسرائيل من جهة و الجمهوريّة الإسلاميّة من الجهة الأخرى ليس ذات التناقض بين الإمبرياليّة و الشعب الإيراني . فالتناقض الأوّل تناقض بين الكتلة الإمبرياليّة – الصهيونيّة و الدولة الرجعيّة التي لها طموحاتها الإقليميّة الخاصة و تحالفاتها العالميّة . و الأخير ، مع ذلك ، تناقض بين الشعب المضطهَد و النظام الإمبريالي العالمي الذى يُخضع [ الشعب المضطهَد ] و يهدّد بلده و يفرض عليه عقوبات ، و يقصفه بالقنابل . و يمكن أن يتداخل هذان التناقضان ، إلاّ أنّهما ليسا الشيء نفسه .
و إذا خلطنا بينهما ، نسقط في خطأ سياسي . و إذا زعمنا أنّ التناقض بين كتلة الولايات المتّحدة – إسرائيل و الجمهوريّة الإسلاميّة هو التناقض الأساسي ، نجازف بجعل الشعب الإيراني يصطفّ مع مضطهِدِيه الخاصين .
و لئن زعمنا أنّ التناقض بين الشعب و النظام هو التناقض الوحيد ، نجازف بتجاهل العدوان الإمبريالي و نفتح الباب أمام الأوهام الليبراليّة أو الموالية للغرب . يجب على الموقف الصحيح أن يمسك بالحقيقتين معا : ينبغي معارضة العدوان ، و لا ينبغي الدفاع عن الجمهوريّة الإسلاميّة – بالعكس ، يجب معارضتها .
و الوضع في الشرق الأوسط يجعل الأمر حتّى أوضح . و المنطقة من المناطق التي تتكثّف فيها بشدّة التناقضات العالميّة . و الهيمنة الإمبرياليّة و توسّع الإستيطان الصهيوني و الإبادة الجماعيّة المقترفة في حقّ الشعب الفلسطيني ، و الدول العربيّة الرجعيّة في المنطقة ، و القضيّة القوميّة الكرديّة ، و طرق النفط و الغاز و القواعد العسكريّة و الرجعيّة الدينيّة ، و التلاعب الطائفي و الهجرة و الفقر و الحرب و التنافس بين الولايات المتّحدة و إسرائيل و أوروبا و روسيا و الصين و تركيا و إيران و دول الخليج جميعها مركّزة في هذه المنطقة .
لا يمكن فهم الشرق الأوسط من خلال صيغة تبسيطيّة من مثل " كتلة الولايات المتّحدة مقابل محور المقاومة " . فهذه الصيغة تلغي الشعب – العامل المركزي في هذه المعادلة . و تحوّل المنطقة إلى رقعة شطرنج للدول و تمحو العمّال و النساء و القوميّات و الأثنيّات و العقائد المضطهَدَة ، و اللاجئين و الفلاّحين و الشباب و المثقّفين و القوى الديمقراطيّة الثوريّة . و السؤال الصحيح ليس ما هي الدولة التي تقف في مواجهة الولايات المتّحدة في أيّ زمن معطي .
السؤال الصحيح هو التالي : ما هي القوي الطبقيّة التي تمّت تعبئتها ، ما هي القوي التي تقمع الشعب ، ما هي القوي التي تتلاعب بالشعب ، و كيف يمكن أن يطوّر المضطهَدون منظّماتهم و برامجهم المستقلّة الخاصة ؟
و هذا أيضا مهمّ في ما يتّصل ب" البازار " بإيران . لا ينبغي لا جعل البازار رومنطيقيّا كمجموعة من صغيرة من كتل تجّار ، و لا ينبغي التعاطي معه كقوّة طبقيّة ثابتة واحدة . تاريخيّا ، ضمّ البازار تجّار لهم نفوذ كبير ، و شبكات تقديم قروض ، و شركات إيراد – تصدير ، و مؤسّسات لها صلات وثيقة بالمؤسّسات الدينيّة . و قد إضطلع بدور له دلالته في التحالف الذى ساعد في تعزيز سلطة الجمهوريّة الإسلاميّة عقب 1979 . و مع ذلك ، اليوم البازار منقسم على نفسه داخليّا. وهو يضمّ تجّار و رأسماليّين كبار مرتبطين بالنظام ، و تجّار صغار و أصحاب متاجر متداينين و مستأجرون و عمّال أسرة و شغّالون . و في حين أنّ بعض الفئات تواجه نزاعات مع رأس المال المرتبط بحرس الثورة و الإحتكارات التي تسيطر عليها الدولة ، صار آخرون مندمجين في شبكات النظام الإقتصاديّة .
و بالتالي ، المسألة الحقيقيّة ليست ما إذا كان " البازار " ككلّ تقدّميّا أم رجعيّا . المسألة الحقيقيّة هي ما هي القوى الطبقيّة ضمن و حول البازار التي تتحرّك و في أيّ إتّجاه سياسي تتحرّك ، و في ظلّ أيّ ضغوطات . يجب على الطبقة العاملة أن لا تربط نفسها برأسمال البازار ، و الرأسمال الليبرالي ، و قوى النظام الملكي ، و المجموعات الإصلاحيّة و المجموعات الدينيّة ، أو المعارضة التي تدعمها الإمبرياليّة . ينبغي أن تطوّر خطّها المستقلّ الخاص .
و ينطبق الأمر نفسه على كافة التناقضات الأخرى في إيران . و يكتسي نضال النساء أهمّية محوريّة ، بيد أنّ التحرير التام للنساء ليس ممكنا في ظلّ النظام الرأسمالي . و تكتسي المسألة القوميّة أيضا أهمّية محوريّة ، بيد أنّه لا يمكن أن تعالج معالجة تامة في ظلّ الرأسماليّة الكمبرادوريّة ، و الشوفينيّة المركزيّة ،و التآمر الإمبريالي .
المسألة الديمقراطيّة مسألة مركزيّة إلاّ أنّه لا يمكن أن تعالج تماما طالما كانت الدولة الرأسماليّة تتحكّم في وسائل الإعلام و المحاكم و السجون و القوات المسلّحة و الاقتصاد . و النضال ضد الرجعيّة الدينيّة ذو أهمّية مركزيّة ، إلاّ أنّه لا يمكن أن يبلغ غايته تماما بمجرّد إحلال رأسمال علماني محلّ الرأسمال الديني . و النضال ضد الإمبريالية ذو أهمّية مركزيّة غير أنّه لا يمكن أن يبلغ غايته تماما طالما تظلّ البلاد بيد الطبقات الحاكمة التي يرتهن وجودها بموقعها ضمن النظام الرأسمالي العالمي . لهذا ، التناقض بين العمل من جهة و رأس المال من الجهة الأخرى يحدّد في نهاية المطاف التوجّه نحو حلّ جميع هذه التناقضات . و دون هذا ، حتّى إن تمكّن الشعب من القضاء على شكل أو آخر من أشكال الإضطهاد ، قد يواجه شكلا آخر .
و حتّى إن تحرّر من الهيمنة الدينيّة ، من المحتمل أن يسقط في الخضوع للرأسمال الليبرالي . و حتّى إن ألحق الهزيمة بكتلة من النظام ، قد يقع تحت هيمنة كتلة أخرى . يمكن أن ينبذ الجمهوريّة الإسلاميّة فقط ليسقط في أحابيل القوى الملكيّة و القوميّة و الإمبرياليّة و الإصلاحيّة . قد يكسب مساحة ديمقراطيّة نسبيّة لكنّة يخسر إمكانيّة تحرير إجتماعي أعمق .
لذا ، المسألة الحيويّة ليست مجرّد ما إذا كانت الجمهوريّة الإسلاميّة ستسقط . المسألة الحيويّة تتقوّم في ما هي القوّة الطبقيّة التي ستظهر بفعل هذا الصراع – و ما هو البرنامج ، و من خلال أيّ تنظيم ، و في أيّ إتّجاه ستمضي . إن لم تصبح الطبقة العاملة و الجماهير المضطَهَدَة قوّة سياسيّة مستقلّة ، فإنّ النتيجة ستحدّدها قوى أخرى : الإمبرياليّة ، القوى الإقليميّة ، كتل النظام ، المعارضة الليبراليّة ، أنصار النظام الملكي ، القوميّون البرجوازيّون ، أو الرأسمال الكمبرادوري .
و بهذا نصل إلى التناقض الذاتي لعصرنا . التناقضات الموضوعيّة تحتدّ في جميع الأماكن . و التنافس الإمبريالي يتعمّق . والحروب تنتشر . و يزداد الفقر واللامساواة . وقد صارت الدول أكثر قمعا . والجماهير تنتفض إحتجاجا المرّة تلو المرّة . و مع ذلك ، التنظيم الثوري ضعيف و مفكّك ، أو غير موجود في عديد الأماكن . و هذا التناقض بين إشتداد الأزمة الموضوعيّة و الضعف الذاتي للقيادة الثوريّة من القضايا محوريّة لزمننا .
و النتيجة :
و هذه المسألة إستعجاليّة بوجه خاص في إيران . فقد أظهر العمّال و النساء و القوميّات المضطهَدَة ، و الأقلّيات الإثنيّة و الدينيّة و الشباب و الأساتذة و المتقاعدون و المثقّفون و المساجين و الجماهير الفقيرة جرأة و مقاومة . و مع ذلك ، الشجاعة وحدها ليست كافية . و النضالات العفويّة قد ترجّ النظام رجّا غير أنّه دون تنظيم و برنامج ، لن تحقّق أهدافها . و الشعب يحتاج إلى تنظيم مستقلّ ، و وحدة ديمقراطيّة و ثوريّة ، و وضوح طبقيّ ، و برنامج يوحّد النضال ضد الجمهوريّة الإسلاميّة مع النضال ضد الهيمنة الإمبرياليّة و الإستغلال الرأسمالي .
هنا تظلّ أهمّية منهج ماو تسى تونغ لا غني عنها .علينا أن لا نتعاطي مع التناقضات على أنّها مجرّد قائمة . علينا أن نشخّص الروابط بينها و مراحلها و مظاهرها الجوهريّة ، و القوى الطبقيّة لكلا الطرفين . و التناقض الأوّلي لا يلغي ، في هذه اللحظة ، التناقض الأساسي . و النضال ضد الإمبرياليّة لا يقتضى الدفاع عن الرجعيّة المحلّية . و النضال ضد الرجعيّة المحلّية لا يبرّر الإرتهان للإمبرياليّة .
و من هنا ، يجب على الخطّ الصحيح بشأن إيران أن يعتمد على الفهم التالي .
التناقض الأساسي تناقض بين العمل و رأس المال . و هذا صحيح في كلّ مكان في ظلّ الرأسماليّة وهو يحدّد في نهاية المطاف توجّه كافة التناقضات الأخرى .
و على الصعيد العالمي ، يمكن فهم التناقض الأساسي اليوم على أنّه التناقض بين النظام الإمبريالي العالمي من جهة و العمّال و الأمم و الشعوب المضطهَدَة من الجهة الأخرى . و مع ذلك ، لا يتعيّن أن نبسّط ذلك إلى دعم أيّ دولة تعارض الولايات المتّحدة . الشعوب المضطهَدَة ليست تساوي الدول الرجعيّة .
و على المستوى الإقليمي ، يتميّز الشرق الأوسط بالهيمنة الإمبرياليّة ، و التوسّعيّة الصهيونيّة ، و الدول الرجعيّة ، و الإضطهاد القومي ، و الرجعيّة الدينيّة و التنافس بين الإمبرياليّين ، و غياب قيادة ثوريّة قويّة .
في إيران ، التناقض الأساسي في المرحلة السياسيّة راهنا يكمن في التناقض بين الشعب المضطهَد و نظام الجمهوريّة الإسلاميّة ، لأنّ هذا النظام هو المهندس المباشر للإستغلال الرأسمالي ، و الرجعيّة الدينيّة و إضطهاد النساء و الإضطهاد القومي و الإستبداد .
و التناقض الخارجي الأكثر أهمّية هو التناقض بين الشعب الإيراني و العدوان الإمبريالي – لا سيما القصف بالقنابل و العقوبات و التهديدات و خطط مرسومة لهيمنة كتلة الولايات المتّحدة – إسرائيل .
و التناقض بين كتلة الولايات المتّحدة – إسرائيل و الجمهوريّة الإسلاميّة تناقض حقيقي غير أنّه ليس ذات التناقض بين الشعب الإيراني و الإمبرياليّة .
و المهمّة الإستراتيجيّة هي تعزيز التنظيم المستقلّ للعمّال و النساء و القوميّات المضطهَدَة و الشباب و المثقّفين و القوى الديمقراطيّة المعادية للإمبرياليّة ببناء برنامجهم و وحدتهم .
و الموقف الصائب يمكن صياغته على النحو الآتي ذكره : لا للعدوان الإمبريالي ؛ لا للعقوبات و القصف بالقنابل و الاحتلال و التقسيم و خطط تغيير – النظام ؛ و لا للدفاع السياسي عن الجمهوريّة الإسلاميّة ، لا للوقوف إلى جانب أيّ من جانبي العدوّ ؛ نعم للنضال المستقلّ للعمّال و المضطهَدين في إيران .
و هذا الموقف ليس موقفا محايدا . إنّه موقف معارضة ثوريّة نشيطة لكلّ من العدوان الإمبريالي و الرجعيّة الداخليّة . وهو لا يسمح للشعب الإيراني بأن تستغلّه لا واشنطن و تلّ أبيب و لا طهران . إنّه يدافع عن أنّ تحرير إيران لا يمكن أن يحدث إلاّ بواسطة النضال المنظّم لعمّاله و جماهيره المضطهَدَة ، في إرتباط مع نضالات شعوب المنطقة و الطبقة العاملة العالميّة.
هكذا موقف وحده منسجم مع الماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة ، و المنهج الجدلي للماركسيّة – اللينينيّة – الماويّة ، و مع الأمميّة البروليتاريّة . و منطلق هذا الموقف هي التناقضات على الصعيد العالمي ، وهو يتفحّص تمظهراتها الخاصة في إيران ، و يرفض التضحية بالشعب من أجل أيّ من كتل العدّو .