دعوا غزة وشأنها: على إسرائيل أن تتخلى عن وهم تدمير حماس


جدعون ليفي
2026 / 10 / 1 - 04:48     

بعض الأهداف يستحيل تحقيقها، حتى بالنسبة إلى إسرائيل التي تتصرف كأنها مطلقة القدرة. وحتى إذا نحينا جانبا الاعتبارات الأخلاقية التي يزدريها الإسرائيليون، ينبغي أن يكون واضحا أن الوقت قد حان لتجربة طريق مختلف.

لم تبدأ بعد عملية إعادة إعمار غزة, والعالم لم يتعافَ بعد من مشاهد القطاع، ولم يفرض على إسرائيل ثمنا لجرائمها، رغم وجود إجماع عالمي شامل ومذهل بشأن فداحة تلك الجرائم, لكن، من وجهة نظر إسرائيل، لم يُسفك بعد ما يكفي من الدم.
ومن الموضوعات المركزية في خطاب بنيامين نتنياهو التحريضي على الحرب, العودة إلى الحديث عن محو غزة. كما أن وزير الدفاع يسرائيل كاتس لا يفوت فرصة دون إطلاق التهديدات. ولا جدوى من إضاعة الكلمات على بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وكذلك عن كاره العرب أفيغدور ليبرمان.
والآن ينضم إليهم، بصورة محرجة، غادي آيزنكوت. فمن بين شروطه لمن يرغب في الانضمام إلى ائتلاف قد يشكله، مطلب مفاجئ يتمثل في الاعتراف بحماس منظمة إرهابية «يجب تدميرها».
وسواء كان هذا مجرد مناورة تهدف إلى عرقلة منصور عباس، زعيم القائمة العربية الموحدة، أم كان مبدأً حقيقيا، فقد اكتملت الدائرة. فجميع قادة الأحزاب في الوقت الراهن, باستثناء يائير غولان, يريدون العودة إلى الحرب في غزة. ومن الصعب التفكير في فكرة أكثر جنونا وكابوسية من هذه.
أي شخص يتحدث الآن عن تدمير حماس يتحدث، في واقع الأمر، عن تدمير غزة
بعد ثلاث سنوات من إراقة الدماء والدمار، خرجت منها حماس حية وقوية، وأصبح واضحا أن حماس لا يمكن تدميرها إلا من خلال الإبادة الكاملة لغزة.
ومن الضروري الاعتراف بهذه الحقيقة. فما لم يتحقق خلال ثلاث سنوات من حرب إبادة جماعية، لن يتحقق عبر ثلاث سنوات أخرى من الحرب نفسها.
إذا بقيت حياة في غزة، فسوف تديرها حماس. وإذا بقيت مبانٍ قائمة، فسوف تشغلها حماس. وإذا بقي أطفال، فسوف تربيهم حماس. ولذلك، فإن كل من يدعو إلى العودة إلى حرب هدفها إبادة حماس، إنما يدعو إلى حرب إبادة شاملة هدفها إتمام المهمة.
وهذا كله نتيجة إنكار وقوع إبادة جماعية هناك. ولأن هذا الأمر أُنكِر على نطاق واسع في إسرائيل، ولأن إسرائيل لم تعترف قط بالوقائع ولم تجرؤ على مواجهة ما فعلته، أصبح من الممكن الدعوة إلى جولة أخرى من الإبادة الجماعية. وهناك بالفعل من يعمل على إعداد الجمهور لذلك. وهم الأصوات المعتادة المحرضة على الحرب في عوالم السياسة والجيش والإعلام، وللأسف أيضا بعض السكان الذين يعيشون بمحاذاة حدود غزة.
فالجيش يغذي المراسلين العسكريين قسرا بالمعلومات عن مخططات حماس. ولا يمر يوم من دون تقارير عن ازدياد قوة حماس أو عن تهديد محدد منها: حماس ستختطف جنديا, حماس ستحتل أراضي, توجد مخارط في غزة لإنتاج الأسلحة. وكل ذلك بهدف منح الشرعية لاستمرار المجزرة.
ليس الأمر أن حماس اختفت. لكنها حتى في ذروة قوتها لم تكن تشكل خطرا حقيقيا على جيش مستعد ومنتشر بصورة جيدة. أما الآن فقد أُضعفت حماس بدرجة كبيرة.
لكن بعد ثلاث سنوات قتلت فيها إسرائيل ودمرت بصورة عشوائية وبلا رحمة، وبعد أن أصبحت نتيجة لذلك أكثر دول العالم إثارة للاحتقار، وبعد أن اتضح أن حماس لا تزال بعيدة عن الإبادة، فقد حان الوقت لقبول حدود القوة، حتى القوة المرعبة التي تمتلكها إسرائيل.
بعض الأهداف يستحيل تحقيقها، حتى بالنسبة إلى إسرائيل التي تتصرف كأنها مطلقة القدرة. وحتى إذا وضعنا جانبا الاعتبارات الأخلاقية التي يزدريها الإسرائيليون، ينبغي أن يكون واضحا أن الوقت قد حان لتجربة طريق مختلف.
وبدلا من الاستمرار في الثرثرة حول القضاء على حماس، حان الوقت لتعلم كيفية التعايش مع حماس وقد أُنهكت قوتها، ومحاولة التحدث إليها. فلا شيء يمكن أن يكون أسوأ من حرب أخرى.
ليس بالنسبة إلى سكان غزة البائسين فحسب، بل بالنسبة إلى إسرائيل أيضا. لا توجد في غزة خطوات سحرية أو حلول خارقة. لكن ثمة أمرا واحدا واضحا: ستكون جولة أخرى هي الأسوأ على الإطلاق، للجميع.
الانسحاب وإعادة الإعمار لا يضمنان حلًا، لكن لا يوجد طريق آخر. كان من المتوقع أن تكون إسرائيل قد تعلّمت من تجربتها المؤلمة، وأن تدرك أن الإبادة الجماعية سيئة ليس فقط لضحاياها، وإنما أيضا لمرتكبيها.
وكان من المتوقع أن تفهم إسرائيل، بعد كل ما فعلته، أنها لم تعد تملك الحق في إلحاق الأذى بغزة، حتى لو فشلت في تحقيق أهدافها هناك.
وطالما لا يوجد اعتراف بالإبادة الجماعية داخل إسرائيل، فلن يحدث ذلك, ولهذا السبب تحديدا فإن المعركة من أجل الاعتراف بها مهمة إلى هذا الحد. وربما بعد عرض فيلمين أو ثلاثة أفلام أخرى من قبيل فيلم «نازا»، يبدأ مثل هذا الاعتراف بالتغلغل في وعي الناس.
وحتى ذلك الحين، علينا أن ندع غزة وشأنها.
من أجل غزة، ومن أجل إسرائيل أيضا.