خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة عن «الهمجية» يتجاهل أزمة إسرائيل الأخلاقية


جدعون ليفي
2026 / 9 / 29 - 04:48     

كان هذا أحد المحاور الرئيسية في خطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الخميس: إسرائيل تحارب الهمج الذين يهددون الحضارة العالمية، من أجل حمايتها. وكان هذا أحد أكثر حججه غرورا وتعاليا. وليست هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها رئيس الوزراء هذه الحجة. ففي عام 2024، تحدث عن «أعداء متوحشين». وهذا أيضا هو تصور معظم الإسرائيليين.
همج أو متوحشون: نتنياهو، المسؤول عن القتل الجماعي، فقد الحق في الحديث عن الهمجية. فعندما يتحدث الناس اليوم عن الهمجية في العالم، فإن إسرائيل تحتل موقعا ضمن الدول العشر الأولى.
وحتى قبل أن نتطرق إلى قطاع غزة، هل توجد دولة أخرى في العالم كله لا يستطيع فيها مخرجان سينمائيان وثائقيان يحظيان باحترام كبير العودة إلى وطنهما، ليس خوفا من الحكومة، بل خوفا من الغوغاء؟ هل سمعنا بمثل هذا الأمر من قبل في دولة ديمقراطية؟ وفي أي دولة ديمقراطية يدور الخطاب السائد، بل والخطاب الذي يُعتبر مشروعا وصحيحا في البرلمان وفي الشارع, حول شتى أساليب القتل والاغتيال والطرد؟
تلك هي الحضارة التي يقودنا نتنياهو باسمها إلى «هذه المعركة ضد الهمج».
أهناك دول أكثر قسوة من إسرائيل, وإن لم تكن كثيرة, لكن أين سجري التباهي بالجرائم على هذا النحو؟ هناك منافسة في حملتنا الانتخابية «الديمقراطية» حول من سيستخدم المشنقة، ومن سيستخدم المذابح الجماعية، ومن سيلجأ إلى ترحيل السكان، ومن سيعمد إلى عمليات قتل جماعي محددة الأهداف.
في أي دولة ديمقراطية يسعى الناس إلى إقصاء أحزاب بسبب انتمائها القومي، ويقصى رئيس أحد هذه الأحزاب، بموافقة المستشار القانوني للحكومة ورئيس لجنة الانتخابات المركزية؟
في أي بلد يموت المعتقلون في السجون كالذباب؟ لقد مات حتى الآن أكثر من 100 معتقل، وجميعهم فلسطينيون، بالطبع.
معظم المعتقلين لم تُوجه إليهم اتهامات أو تُجرَ لهم محاكمات, وآلاف منهم مصابون بالجرب، وهو مرض جلدي معدٍ يسببه العث، ويمكن أن يكون قاتلا في بعض الحالات، وهم لا يتلقون الرعاية الطبية الأساسية ولا وسائل النظافة الضرورية.
وجميعهم يعانون من سوء التغذية والجوع الى الخبز، وسرعان ما يتحولون إلى ظلال لما كانوا عليه من قبل. ويتعرض معظمهم بصورة روتينية للضرب حتى تنزف أجسادهم.
أليست هذه همجية؟ هل هذه أفعال أناس متحضرين ومستنيرين؟
وفي مواجهة كل هذا، يسود في هذه الديمقراطية الوحيدة صمت مطبق ولا مبالاة مقززة، سواء في المعسكر السياسي الذي يسعى إلى استبدال الحكومة أو في معظم وسائل الإعلام.
لقد اعتدنا على ذلك بالفعل، وتطبعنا به في حياتنا اليومية إلى حد كبير، وحين يكون هكذا البلد الهمجي, فالتأكيد ليس من حقه أن يعظ أي بلد آخر.
حتى الوسائل الإسرائيلية أصبحت عنيفة وتهديدية، وتكاد تكون همجية. لا يمكن ان يتصرف اي بلد متحضر هكذا.
لكن كل هذا يتضاءل، بطبيعة الحال، أمام ما جرى في قطاع غزة، ثم في الضفة الغربية، نتيجة تمجيد الهمجية الإسرائيلية.
هناك أصبحت المسألة بالفعل همجية من طراز من تمرّسوا فيها، لا مجرد همجية يلحظها الناقد الحاد النظر. غزة هي النتيجة المباشرة لسياسة همجية.
قبل غزة، كان من الممكن الحديث عن احتلال وحشي، ولكن ليس بالضرورة عن احتلال همجي. غزة هي التي جاءت بالهمجية.
وحقيقة أن حماس تصرفت بطريقة همجية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أطلقت مارد الهمجية الإسرائيلية من القمقم، ومنحته ختم الموافقة.
ليس من الضروري تكرار الأرقام، وهي في كل الأحوال ليست غالبا موضوعا للنقاش في إسرائيل. لكن إذا لم يكن قتل ألف طفل دون سن عام واحد على أيدي الطيارين والجنود الإسرائيليين علامة على الهمجية، فما هي الهمجية إذن؟
وإذا لم يكن تدمير جيش لأكثر من 80 بالمئة من المباني في جيب مكتظ بالسكان همجية، فإن الهمجية لا وجود لها أصلا.
هذا هو الجيش الذي يتباهى به رئيس الوزراء أمام الأمم المتحدة، بوصفه جيشا يقاتل من أجل إنقاذ الحضارة العالمية.
شكرا جزيلا، إسرائيل.
إن مهمة حماية العالم ينبغي أن تُترك لدول وجيوش أكثر بقليل من الاستنارة والانسانية.
ماذا كان يدور في ذهن نتنياهو عندما تحدث عن الهمج؟ هل يؤمن حقا بأن مذبحة 7 أكتوبر تبرر كل هذا؟
وهل ما زال هو وكثيرون من الإسرائيليين الآخرين، يؤمنون حقا بالهراء القائل حول «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم»؟
كيف يمكنهم ذلك؟
كيف يمكن لشيكما برسلر، قائدة الاحتجاج المناهض لنتنياهو، وهي ليست من أتباع بتسلئيل سموتريتش، بل هي بالأحرى رمز لإسرائيل المستنيرة والجميلة والتقدمية، أن تستمر في الحديث عن «قيم الجيش الإسرائيلي»؟
يسعدني أن أعرف ما هذه القيم التي تعنيها، وما هي بالضبط الحضارة الإسرائيلية التي باسمها ظللنا نقتل وندمر نصف العالم من أجل حماية نصفه الآخر.