الهمجية الحديثة ـ قراءة في الرأسمالية المتوحشة


أكرم سعيد
2026 / 9 / 28 - 20:47     

” إحنا في غابة يا أخوانا.. المجد فيها للحيوان .. ويا ويل الطيب والإنسان! ” - مسرحية: ”وجهة نظر” - لينين الرملي.
الوحشية هنا ليس كأخطاء فردية أو انحرافات عارضة للنظام الرأسمالي، بل هي أجزاءً عضوية ومحركات أساسية، لولاها لانهار هذا النظام الاقتصادي. قام الماركسيون بإعادة تعريف الهمجية من البدائية إلى البنيوية. في الفكر التقليدي، ترتبط الهمجية بالبدائية أو غياب المدنية. لكن هنا يعيد صياغة الهمجية جديدة للنظام الرأسمالي أكاديمياً لتصبح همجية مؤسساتية. هي ليست غياباً للنظام، بل هي نظام بحد ذاته. يتطابق هذا الطرح مع أطروحات المفكرين تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر في كتابهما جدل التنوير، حيث جادلا بأن الحداثة والتطور التقني والاقتصادي لم يحررا الإنسان، بل أنتجا أدوات جديدة وأكثر كفاءة للسيطرة والتوحش. الرأسمالية في مرحلتها الراهنة (والتي توصف أكاديمياً بالرأسمالية المتأخرة أو النيوليبرالية المتوحشة) وصلت إلى نقطة تشبع. لكي تضمن استمرار نموها وتراكم رأس المال، لم يعد يكفيها الإنتاج الطبيعي، بل باتت بحاجة إلى "التراكم عن طريق السلب"- وهو مصطلح صاغه الجغرافي الماركسي ديفيد هارفي.
هل ان الراسمالية في دورة بربرية؟. ام ان البربرية هي جانب مظلم من قمر الراسمالية؟ أي إن البربرية هي جانب موازي للحضارة الراسمالية؟. إن الإجابة عن هذا السؤال تقع في قلب النقاشات المعاصرة للفلسفة السياسية والاقتصاد النقدي. لفهم الفرق بين التعبيرين (الدورة البربرية) و(الوجه الآخر للقمر/الجانب الموازي)، يجب تفكيك المنظورين أكاديمياً لمعرفة أيّهما الأكثر دقة في تفسير الواقع الجيوسياسي الراهن:
1. منظور الدورة البربرية (The Barbaric Cycle): هذا المنظور يرى أن البربرية هي مرحلة زمنية أو دورة طارئة يمر بها النظام الرأسمالي. في أوقات الاستقرار والنمو الاقتصادي، ترتدي الرأسمالية ثوب الحضارة، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعولمة السلمية. ولكن، عندما تضرب النظام أزمة بنيوية حادة (مثل الركود العظيم، أو أزمات التضخم، أو تراجع معدلات الربح)، يدخل النظام في دورة بربرية - (حروب، فاشية، حمائية عنيفة) كآلية دفاعية لتصريف الأزمة وإعادة تدوير فائض القيمة، قبل أن يعود مجدداً لحالته السلمية بعد انتهاء الأزمة.
2. ما يطرحه والتر بنيامين ومدرسة فرانكفورت البربرية كـ"جانب مظلم موازي للقمر"، هو أعمق وأكثر راديكالية من فكرة الدورة المؤقتة؛ إنهم يرون البربرية كـ”بنية موازية حتمية ولا ينفصلان” عن الحضارة الرأسمالية. تلازم الوجود (Structural Co-existence): القمر لا يكون قمراً بدون جانبه المظلم، وكذلك الرأسمالية. الديمقراطية، والرفاهية، والتقدم التكنولوجي في المركز الرأسمالي (الدول الغربية مثلاً)، لم تكن لتوجد لولا وجود بربرية موازية في الأطراف (الاستعمار، نهب الثروات، سحق العمالة الرخيصة، الحروب بالوكالة). بناءً على مقولة بنيامين (ما من وثيقة حضارية إلا وهي وثيقة بربرية)، فإن الحضارة والبربرية ليستا مرحلتين زمنيتين متعاقبتين، بل هما حدثان يقعان في نفس اللحظة. النظام الرأسمالي لا ينتقل من الحضارة إلى البربرية، بل يُنتج الاثنين معاً في آن واحد؛ الازدهار في مكان ما يتطلب سحقاً وإبادة في مكان آخر.
حلل يورغان هابرماس البُعد الأناركي في أطروحات بنيامين الأخيرة، من أجل إخضاعها لنقد راديكالي من منظوره التطوّري التاريخي. ففي مقالة شهيرة عن بنيامين كتبها هابرماس في عام 1970، رفض فيها هابرماس محاولة الجعل من المادية التاريخية راديكالية باستخدام عناصر تحررية وذات أصول مسيحية قائلا: "هذه المحاولة محكومٌ عليها بالفشل، بسبب أن النظرية المادية للتطور الاجتماعي لا يمكن تأطيرها داخل المبدأ الأناركي الذي يأتي مسرعا من خلال القدر كأنه آتٍ من السماء. هذا المبدأ التاريخي المناقض للثورية لا يمكن إضافته للمادية التاريخية كما لو كانت قلنسوة راهب قد وُضِعت على المادية التاريخية، تلك المادية التي تُعنى بالتقدم ليس فقط في قوى الإنتاج، ولكن بالهيمنة والسيطرة أيضا".
إن ما يعتبره هابرماس خطأً، هو بالضبط ما أعتبر أحد أهم قيم ماركسية والتر بنيامين وسر تفوقه على كل صيغ التقدمية. فقدرته على فهم القرن تتميز بترابط مميز بين البربرية والحداثة، ترابطٌ سيتحقق بعد سنوات قلائل من وفاة بنيامين على شكل كارثة أوشفيتس وهيروشيما. إن التصور التطوّري للتاريخ، الذي يؤمن بضرورة التقدم في صيغ الهيمنة لا يعطي اهتماما كبيرا للفاشية إلا كمرحلة اعتراضية عصيّة على الشرح والتفسير، أو كنكوص جزئي في تطور القرن العشرين. الآن، وكما قد كتب بنيامين في أطروحته أنه ليس بإمكان المرء منا فهم معنى الفاشية إذا أخذ باعتبار أنها استثناء للنمط التاريخي التقدمي للأمام فقط. بعد سنوات قليلة، أعاد هابرماس تجديد النقاش السياسي مع بنيامين في كتابه "القول الفلسفي للحداثة" الصادر في عام 1985. عارض فيه قول أولئك الذين لا ينظرون للتاريخ بشكل متصل، مثل كارل كورش وبنيامين، ومن المتطرفين اليساريين إلى المفكرين مثل كارل كاوتسكي وأنصار الأممية الثانية والذين بالنسبة لهابرماس "رأوا في تكشّف قوى الإنتاج ضمانة للتحول الثوري من المجتمع البرجوازي للاشتراكية".
أي القراءتين أكثر دقة وتفسيراً للواقع؟. من الناحية الأكاديمية البنيوية، فإن طرح والتر بنيامين ومدرسة فرانكفورت يُقدم نموذجاً تفسيرياً أقوى للواقع المعاصر لعدة أسباب: الهيكلية لقطاعات رأس المال: كما مر في تحليله، فإن قطاعات مثل "المجمع الصناعي العسكري" و كارتلات الأدوية والطاقة لا تنتظر دورة لتعمل، بل إن وجودها وازدهارها اليومي المستمر قائم على إشعال الفوضى والأوبئة والنزاعات. البربرية هنا هي نمط تراكم دائم وليست مرحلة عابرة. الأحداث الجيوسياسية المعاصرة (كحرب الإبادة في غزة، والصراع على خطوط الإمداد والممرات الاقتصادية بين أمريكا والصين روسيا ايران)، تثبت أن الرأسمالية المتأخرة مستعدة لتصفية أسس مدنيتها في سبيل بقائها. هذا يعني أن "الجانب المظلم للقمر" بدأ يتسع ليغطي وجه القمر كاملاً.
خلاصة القول الرأسمالية ليست في دورة بربرية ستنتهي لنعود إلى عالم ديمقراطي هادئ؛ بل إن البربرية هي الوجه الحقيقي للنظام الرأسمالي الذي كان يخفيه وراء أقنعة القوانين الدولية وشعارات التنوير. وحين تشتد الأزمة البنيوية للنظام وتتهدد هيمنته الاستراتيجية، يسقط القناع الحضاري بالكامل، لتظهر البربرية كآلية وجودية قسرية لحماية مصالح الطغمة المالية، مما يجعل البربرية والحضارة الرأسمالية وجهين لعملة واحدة. الرأسمالية لم تلغِ الوحشية التاريخية، بل ”حدثتها” عسكرياً وتقنياً. الأنظمة القديمة (العبودية والإقطاع) كانت وحشيتها موضعية ومحدودة بقدراتها البدائية. أما الرأسمالية، فقد زاوجت بين الهمجية البدائية وقوة التكنولوجيا الفائقة (النووية، السيبرانية، والذكاء الاصطناعي). هذا التزاوج يمنح النخبة الحاكمة لأول مرة في التاريخ البشري القدرة التقنية على الإفناء التام للبشرية وللطبيعة معاً، وهو ما يجعلها البربرية الأخطر على الإطلاق.
نرى هنا عدة قوى في سلة واحدة (إسرائيل، الإمارات، أوروبا، أمريكا، إيران، روسيا)، هذا يوضح أن اللاعقلانية ليست حكراً على معسكر دون آخر؛ فكل هذه الأنظمة، وبغض النظر عن شعاراتها الأيديولوجية، تتصرف بـلاعقلانية بنيوية.
ماهي السبب لهذا الهمجية في العالم اليوم؟ هل الاقتصاد عاجز أمام السياسة؟. السياسة هي تكثيف للاقتصاد؛ هذه الحروب ليست مجرد أخطاء من حكام مجانين، بل هي انعكاس لأزمة الرأسمالية العالمية التي وصلت إلى طريق مسدود (أزمة فائض تراكم، صراع على كعكة الموارد المتناقصة)، ولم يعد أمامها لتصريف أزماتها وتأجيل انهيارها إلا الانفجار العسكري واستعراض القوة النووية. تصرفات هذه الدول تؤدي إلى تصدعات حادة في سلاسل الإمداد والاستقرار المالي العالمي. الأنظمة تستنزف مقدرات اقتصاداتها الوطنية ومستقبل شعوبها في معارك صفرية، مما يبرهن على أن السلوك السياسي المعاصر محكوم بالغرائز التوسعية والوحشية الرأسمالية، وليس بالرفاهية الإنسانية أو حتى بالحسابات الاقتصادية بعيدة المدى.
الوحوش وضحاياهم داخل جزيرة جيفري إبستين:
فإن تجذر ظاهرتي الاستغلال الجنسي والاعتداء الممنهج على القاصرين (البيدوفيليا) من قِبل نخب المال والسلطة داخل البنى الهيكلية للمجتمعات القديمة، يُشكل حقيقة تاريخية وتوثيقية لا تقبل الدحض؛ فبينما كانت تلك النخبة تمتلك السلطة والمال لتوجيه هذه الممارسات ومأسستها لحسابها، فإن عامة الشعب انخرطوا فيها أيضاً، إما كمستهلكين ومرتادين للمؤسسات الدينية، أو كضحايا فرضت عليهم الطبقية والعبودية والفقر تقديم أطفالهم لهذه المنظومة الاستغلالية. الممارسات الطقسية والقرابين البشرية في الموروث الديني الهندي:
تتسم التعددية الدينية في شبه القارة الهندية، على غرار العديد من الحضارات القديمة، ببنية طقسية قائمة على تعدد الآلهة وتنوع الفضاءات التعبدية، بدءاً من المعابد الكبرى وصولاً إلى المزارات المحلية المرتبطة بالطبيعة والمساحات العامة. وضمن هذا السياق الأنثروبولوجي، تنظر المجتمعات التقليدية إلى هذه الآلهة بوصفها قوى غيبية راعية وضامنة للرفاه الاقتصادي والوقاية من الأوبئة.
إلا أن هذا الامتثال العقائدي أنتج ظواهر اجتماعية حرجة، أبرزها ما يُعرف تاريخياً بـ "البغاء المقدس" أو "البغاء الإلهي"؛ وهي ظاهرة غابرة وممتدة في عمق التاريخ الاجتماعي للمجتمعات الديرينة. وتتجلى هذه الممارسة بوضوح في سياق طقس عبادة الإلهة "يلاما" (Yellamma) ونظام "الديفاداسي" (Devadasi)، حيث كان يُطلق على هؤلاء الضحايا مسمى "خادمات الإله". ولم تكن هذه الممارسة تقتصر على النساء البالغات، بل اتخذت في كثير من الأحيان طابعاً استغلالياً يندرج ضمن "الاعتداء الجنسي المؤسسي على الأطفال" (Institutionalized Pedophilia) تحت غطاء القداسة؛ حيث تشير المعطيات التاريخية والسوسيولوجية إلى أن الفتيات المستهدفات بالتكريس للمعابد والمزارات كنّ قاصرات تتراوح أعمارهن عادةً بين التاسعة والخامسة عشرة عاماً.
ووفقاً للآليات الطقسية المتبعة، يقرر الآباء تقديم طفلاتهم كقرابين بشرية تُكرّس لخدمة المعبد؛ حيث تخضع الفتيات لسلسلة من الطقوس التأهيلية، ليتم بعد ذلك تسليمهن للاستغلال الجنسي من قِبل رواد المعبد وممثلي السلطة الدينية، في عملية يُعتقد سوسيولوجياً أنها تُحقق "البركة الميتافيزيقية" والنماء المادي للأسرة المانحة. - (المصدر: جاغاناثان، آرون في. آر.، "عبادة يلاما والبغاء الإلهي: الخلفية التاريخية والثقافية"، قسم آداب السنسكريت، جامعة شري شانكاراشاريا، كيرالا، الهند).
الدراسة الأكاديمية الأصلية المنشورة باللغة الإنجليزية في International Journal of Scientific and Research Publications للباحث د. آرون جاغاناثان (Dr. Arun Jaganathan V R)، قمت بترجمة الفقرة المقتبسة بنصّها الدقيق والأصلي كما وردت في متن بحثه:) سابعاً: التكريس للبغاء المقدس-” تبدأ أولى مراحل التكريس من خلال قطع نذرٍ للإلهة يلاما. وفي بعض الأحيان، يقرر الوالدان- حتى قبل ولادة طفلهما-أنه في حال كان المولود أنثى، فسيتم تقديمها بعد الولادة كـ”بغيّ مقدسة للإلهة يلاما”. وعندما تُكرّس الفتاة لمزار يلاما بعد خضوعها للعديد من الشعائر والطقوس الدينية، يتم إرسالها إلى رجل ينتظرها في مزار المعبد لغرض المواقعة. ويُعتقد أنه منذ ذلك اليوم، تبدأ العائلة التي وهبت ابنتها للإلهة بنيل رضا وبركة الإلهة وتحقيق الازدهار المادي. وتعتمد مدة هذه العلاقة المزعومة على الشخص والأسرة؛ حيث يتم الاتفاق عليها من قِبل الطرفين وتُدفع المبالغ المالية بناءً على ذلك. وتعيش قلة من الفتيات مع ذلك الرجل كـ”زوجة طوال الحياة”، بينما يعيش الآخرون معاً لفترات قصيرة تتراوح بين ليلة واحدة إلى أسبوع، وبحد أقصى شهر واحد. وهكذا تستمر حياة المرأة المكرسة التي تُدعى ”البغيّ المقدسة”. إلا أن الشرط المفروض في هذه الحالة هو أن على المرأة إظهار الحداد في كل مرة تترك فيها رجلاً أو يتركها هو. ووفقاً لهذا العرف، فإنها تلزم حالة الترمل إلى أن تجد رجلاً آخر كـ زوج لها. والأمر الجوهري هنا هو أن كل شعائر- بدءاً من طقوس التأهيل الأولى بعد التكريس ولكل فعل أو طقس ديني تقوم به هذه المرأة- تستلزم بالضرورة حضور وموافقة قيّم المعبد أو المسؤول المحلي المسمى بـ الستانيكا(Sthanika). وبما أن إيمان هؤلاء النسوة راسخ ولا يتزعزع، فإنهن يلتزمن بتطبيق هذه الشعائر بدقة، وفي غضون ذلك، يحصل الكهنة والـ”ستانيكا” في المعبد على حصتهم من الدخل المالي الناتجة عن ذلك.(
صدرت القوانين الحاسمة لمنع هذه التقاليد بالتزامن مع فترة حكم جواهر لال نهرو (الذي تولى رئاسة وزراء الهند من عام 1947 إلى 1964). تُعرف هذه الممارسة تاريخياً باسم ”نظام الديفاداسي ” (Devadasi System)، وقد مرّ مسار حظرها القانوني بعدة مراحل أساسية:
* قانون مدراس لعام 1947: صدر قانون حظر الديفاداسي (Madras Devadasis Act) في 9 أكتوبر 1947، أي بعد شهرين فقط من استقلال الهند وتولي جواهر لال نهرو رئاسة الحكومة. كان هذا القانون خطوة تاريخية منعت قانونياً تقديم الفتيات للمعابد وأعطت النساء "المكرسات سابقاً" الحق القانوني في الزواج.
* القوانين المحلية اللاحقة: نظراً للطبيعة الفيدرالية للهند، أصدرت الولايات التي تنتشر فيها عبادة الإلهة "يلاما" قوانين أكثر صرامة لاحقاً؛ حيث أصدرت ولاية كارناتاكا (المعقل الرئيسي لهذه العبادة) قانوناً حاسماً عام 1982 (قانون كارناتاكا لحظر تكريس الديفاداسي)، تلتها ولاية أندرا براديش عام 1988.
ورغم أن المحاولات التشريعية الأولى بدأت في عهد الاستعمار البريطاني (مثل قانون بومباي لعام 1934)، إلا أن الحظر الشامل وتجريم الممارسة دستورياً وقانونياً أخذ طابعه الرسمي والسيادي مع استقلال الهند في عهد نهرو. ومع ذلك، تشير التقارير الحقوقية إلى أن هذه العادات لا تزال تمارس بشكل سري وضيق في بعض القرى النائية تحت غطاء التقاليد.
إن تورط النخبة الحاكمة من أصحاب الثروة والنفوذ في جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال ليس إلا دليلاً قاطعاً على أننا نعيش اليوم تحت وطأة "همجية حديثة"؛ إذ يمثل استغلال الأطفال سلوكاً متجذراً في وحشية العصور الغابرة، والتي ما زالت تجد لها امتداداً في ظل النظام الرأسمالي الحالي. إن ما تكشفه هذه الجزيرة لا يقتصر على الممارسات اللااخلاقية لنخبة سادية فحسب، بل يعكس بوضوح الطبيعة الجوهرية للمنظومة الرأسمالية في مرحلتها الراهنة، حيث باتت قضايا مثل (الوحشية، الفساد، القرصنة الممنهجة، الممارسات المافياوية، والانحلال القيمي الذي يتجاوز الخطوط الحمراء كافة وصولاً إلى شن حروب إبادة ضد الإنسان والطبيعة) تشكّل في مجموعها آليات بنيوية ووسائل حتمية لضمان بقاء هذا النظام واستمراريته.
الاستغلال الجنسي لأطفال - من الغطاء الديني إلى الشبكات المافياوية الرأسمالية المعاصرة:
في مقال نُشر في صحيفة "نيويورك تريبون" بتاريخ 8 أغسطس 1853، وجّه كارل ماركس اتهاماً صريحاً للبريطانيين بالتربح من منظومة البغاء؛ حيث كتب متسائلاً: " ألم يعمدوا، بغية جني الأموال من الحجاج الوافدين إلى معابد أوريسا وبنغال، إلى الانخراط في تجارة البغاء التي كانت تُمارس في معبد جاغرنات؟".- (ملاحظة: يُشار إلى معبد جاغرنات/ اسمه الأصلي معبد جاغاناث هنا كنموذج تاريخي للممارسات الجنسية واستغلال الأطفال بغطاء إلهي). أما في العصر الحديث، فقد تحولت ظواهر (البغاء واستغلال الأطفال جنسياً / البيدوفيليا) داخل المجتمعات الرأسمالية إلى ظواهر بنيوية مكشوفة تماماً، ومجردة من أي غطاء ديني. إن هذا التحول يعكس بوضوح نزعة رأس المال نحو تعظيم الأرباح، وفرع ثقافة رجعية تهدف إلى إخضاع الإنسان وقهر كرامته. وحين ننظر إلى المشهد العالمي اليوم، نجد أنه على الرغم من ارتباط هذه الظاهرة ظاهرياً بالدين ورجاله في بعض البلدان، إلا أنها تمثل في عمقها الكوني بيزنس ضخم وشبكات عابرة للقارات تديرها شركات الكازينوهات، الحانات، والمنظمات المافيوية، والتي باتت تشكّل جزءاً لا يتجزأ من هيكلية رأس المال العالمي المعاصر.
حينما كان تنظيم "داعش" يعرض النساء كسبايا وجوارٍ للاسترقاق الجنسي في ”أسواق النخاسة”، وكان يشريهن رجال مدفوعون بنزواتهم الشهوانية، بدا ذلك المشهد وحشياً إلى درجة تثير أقصى درجات الاشمئزاز والغضب. وبطبيعة الحال، في الدين الإسلامي، تراثاً وتاريخاً، يزخر بالعديد من هذه المشاهد القاتمة، وهو أمر لا يقتصر على الإسلام وحده، بل تشترك فيه أديان عديدة أخرى. وفي غمرة هذا المشهد، وبذريعة مناهضة هذه الوحشية الداعشيه، برزت على الساحة قوى أخرى تمثلت في ”البرجوازيين الحداثيين، الليبراليين، العلمانيين، وبعض التيارات اليسارية”، إلى جانب قوى إقليمية ودولية مثل ”إيران، السعودية، تركيا، الولايات المتحدة، روسيا، وسوريا، وغيرهم”. لقد سعت هذه الأطراف جاهدة لإقناع الرأي العام بأن تلك المشاهد البربرية ليست نتاجاً للنظام الرأسمالي المعاصر، بل هي مجرد قراءة مشوهة لبعض النصوص الدينية، أو بعث لتقاليد دينية غابرة يحاول بعض الضالين والمضللين إحياءها في عالمنا "الحديث الجميل".لقد مارست هذه النخب تضليلاً ممنهجاً حين ادّعت أن حضارة العالم الرأسمالي تأبى التوافق مع مشاهد وحشية كهذه، زاعمة أن هذه الممارسات لا تنتمي إلى العصر الراهن، بل هي مستعارة من "متاحف التراث الإسلامي القديم". بيد أن الحقيقة الصادمة تشير إلى أن ممارسات مماثلة، بل وأكثر وحشية، قد حدثت وتحدث يومياً؛ فهذا العالم الرأسمالي المتوحش يغص بالقصص والمشاهد الفردية والجماعية لبيع النساء والأطفال، وسوق الرقيق فيه ما زال رائجاً في بقاع كثيرة من هذه الأرض التي يحاول هؤلاء السادة تصويرها لنا كجنان فائقة المثالية. إن ممارسات "داعش" تستوجب اللعنة والرفض المطلق، وبالمثل تماماً، فإن تجارة الجنس واستعباد النساء والأطفال القائمة اليوم تستحق اللعنة ذاتها. إن هذه الظواهر ليست غريبة عن النظام الرأسمالي، بل هي جزء بنيوي منه؛ إذ إن الركائز الأساسية للرأسمالية، والمتمثلة في "متطلبات السوق وتعظيم الربح"، تحوّل الإنسان وجسده إلى مجرد سلعة خاضعة للبيع والشراء، ولطالما أنتجت آليات السوق والربح هذه مشاهد تفوق في توحشها كل تصور.
العبودية الحديثة كدعامة اقتصادية للنظام الرأسمالي:
في عام 2013، نشرت "مؤسسة سيمبسون للحقوق" الأسترالية (Walk Free) تقريراً يشير إلى وجود قرابة 30 مليون شخص يعيشون تحت وطأة العبودية في جميع أنحاء العالم، يتركز معظمهم في قارتي آسيا وأفريقيا. وفي عام 2014، أظهر تقرير آخر للمؤسسة ذاتها ارتفاع هذا العدد إلى 36 مليون عبد موزعين على 167 دولة. وإذا ما تمعن المرء في التقارير الصادرة عن المنظمات المدنية والحقوقية في الولايات المتحدة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، فسيجد كيف قامت شبكات المافيا بنقل أعداد هائلة من نساء تلك الدول إلى أمريكا واستغلالهن كسبايا في سوق النخاسة الجنسية؛ هذا ناهيك عن الأنشطة المعلنة للمنظمات الإجرامية في أوروبا، وآسيا، وأمريكا والتي تتربح من أجساد النساء والأطفال. وفي سياق متصل، كشف تقرير أمريكي صدر عام 2012 أن حجم التجارة السنوية بالبشر والاسترقاق الجنسي يصل إلى مليار دولار، رقم يضاهي حجم العائدات في سوق الأسلحة والذخيرة العالمي. بناءً على هذه المعطيات، يبدو محامو البرجوازية ومدافعوها في غاية السذاجة؛ إذ يكفي أن يتصفح المرء شبكة الإنترنت ويبحث عن المعلومات الإحصائية، ليتكشف له من عورات النظام الرأسمالي ما لا يمكن لأكاذيبهم أن تواريه. إن تنظيم داعش وظاهرة إبستين ليسا إلا نتاجين طبيعيين لهذه الرأسمالية المتدثرة بعباءة الحضارة الحديثة، وهي في جوهرها وحشية محضة؛ وكما يقول المثل: هذا الشبل من ذاك الأسد - (أو: تلك الوحشية وليدة هذا النظام).
خلاصة:
* الرأسمالية في مرحلتها الراهنة (والتي توصف أكاديمياً بالرأسمالية المتأخرة أو النيوليبيرالية المتوحشة) وصلت إلى نقطة تشبع. لكي تضمن استمرار نموها وتراكم رأس المال، لم يعد يكفيها الإنتاج الطبيعي، بل باتت بحاجة إلى ”التراكم عن طريق السلب”- وهو مصطلح صاغه الجغرافي الماركسي ديفيد هارفي.
* القرصنة والممارسات المافيوية تتحول هنا من جرائم يعاقب عليها القانون إلى سياسات اقتصادية تمارسها دول ومؤسسات كبرى عبر احتكار الموارد، والتهرب الضريبي المقنن، والسيطرة على مقدرات الشعوب النامية.
* الانحلال القيمي وتجاوز الخطوط الحمراء يشير النص إلى تفكك البنى الأخلاقية التقليدية. أكاديمياً، يفسر هذا عبر مفهوم التسليع الشامل؛ حيث لم تعد السلع المادية فقط هي ما يُباع ويُشترى، بل جرى تسليع الأخلاق، العلاقات الإنسانية، الجسد، وحتى الأزمات والمعاناة الإنسانية (ما يسميه عالم الاجتماع بيلين هيلز "رأسمالية الكوارث"). عندما يصبح الربح هو المعيار الأوحد، تسقط تلقائياً كل "الخطوط الحمراء" الأخلاقية.
* حروب الإبادة ضد الإنسان والطبيعة: تُخاض الحروب المعاصرة بغرض تأمين الأسواق، وخطوط الغاز، والنفط، والمعادن النادرة، وذلك لضمان استمرارية النظام الرأسمالي. ويفند الواقع الراهن الطرح الليبرالي الكلاسيكي الذي يرى في الرأسمالية أداة لتحقيق الرفاه والسلام؛ إذ يتجلى المشهد الحالي في أزمات اقتصادية مستدامة، وحروب، وفساد، وتدهور بيئي. ولا تشكل هذه الظواهر علامات على فشل مؤقت للنظام، بل هي الدليل القاطع على أنه يعمل بكفاءة وفقًا لمنطقه الداخلي القائم على البقاء عبر التدمير.
تطرح الرأسمالية المعاصرة، من خلال أزماتها البنيوية وصراعاتها الجيوسياسية وتحولاتها اليمينية والهمجية، مؤشرات تحذيرية ذات خطورة بالغة. إنها تخبرنا أن اللاعقلانية الراهنة هي في حقيقتها ”عقلانية باردة وصارمة” لإدارة الأرباح وتأبيد السلطة على حساب الإنسان والبيئة. إن البشرية اليوم لا تواجه خطر الاستغلال الاقتصادي وفصام الوعي فحسب، بل تواجه سلعنة الجسد والوجود البشري برمتّه و خطر الفناء الشامل؛ حيث تقف نخب برجوازية بأيديها أزرار الإبادة والتحكم، مستعدة لحرق الكوكب وتفكيك الروابط الإنسانية والأخلاقية كافة دفاعاً عن عروشها ومصالحها المادية الضيقة. لم يعد النشاط البرجوازي مقتصرًا على استغلال الطبقة العاملة وإشعال الحروب وتدمير المدن، بل بات يتسم بـ”انتحارية وجوديه” تتبدى في إشعال النزاعات وتدمير البيئة والعالم عبر المغامرات العسكرية الفائقة. ويتجلى ذلك في القرارات الجيوسياسية والاقتصادية العبثية التي يتخذها المتنفذون على المستويين الإقليمي والعالمي، كما يظهر في صراع روسيا وحلف الناتو في الحرب الأوكرانية، والمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج العربي. إن هذه النخب تربط مصير ثرواتها وهيمنتها بتقويض سلامة الكوكب بأكمله؛ ففي حال شارف نظامها على الانهيار، تبرز جاهزيتها لتدمير العالم وفق مبدأ: (أنا ومن بعدي الطوفان).
الهوامش المرجعية والتوضيحية:
* الكاتب استعان بالذكاء الاصطناعي لتدقيق نصّه لغوياً وفي علامات الترقيم، قبل مراجعته تحريرياً في ”الحوار المتمدن”.
* غرض تحليل الوحوش وضحاياهم داخل جزيرة إبستين، ليس مجرد سرد فضائحي للوثائق، بل هو تحليل بنيوي يربط بين توحش الرأسمالية الحديثة، وسقوط المنظومة الأخلاقية للنخبة العالمية، معتبراً قضية إبستين دليلاً دامغاً على أن الحداثة المادية المفرطة بدون روح أو قلب تنتج بربرية جديدة تفوق بربرية العصور الوسطى. في هذا السرد نرى التداخل المعقد بين )رأس المال، السلطة، والجنس(، حيث أن شبكة إبستين تمثل نموذجاً مرعباً للرأسمالية المتطرفة في أعلى مستوياتها. يوضح المقال كيف تحول الأفراد الذين يملكون نفوذاً وثروات طائلة إلى طبقة ترى نفسها فوق القانون وفوق البشرية، مما يمنحهم وهماً بالقدرة على ممارسة النرجسية المرضية واستغلال الضحايا (خاصة القاصرات) ضمن شبكات عالمية منظمة تتداخل فيها أحياناً أجهزة استخباراتية ومصالح سياسية دولية.
* في رواية ”مائة وعشرون يوماً في سدوم ” (1785) لماركيز دي ساد، يجتمع أصحاب الثروات، ورجال الكنيسة، وممثلو السلطة القضائية والأرستقراطية، لمدة أربعة أشهر داخل قلعة معزولة، لممارسة أشد أشكال الانتهاك والاعتداء وحشية بحق ضحاياهم من الشباب والفتيات. لقد تعاملت هذه النخبة بلا مبالاة مطلقة مع عذابات هؤلاء الضحايا؛ حيث غدا التعذيب في حد ذاته غاية وجودية. ولم يكن هذا التنكيل مجرد وسيلة لإشباع النزوات السادية والشهوانية الفجة لهؤلاء الوحوش فحسب، بل كان أداة لتعزيز وعيهم الطبقي وتضخيم ذواتهم، مانحاً إياهم ثقة مطلقة بأنهم، باعتبارهم نفوذاً ومالاً وسلطة، قادرون في فضاءات غياب القانون على ارتكاب ما يشاؤون وفقاً لأهوائهم.
* الجذور الأنثروبولوجية لـ”الفامبيرية الجنسية”: قراءة في تقنيات الماكروبيوتيك الصينية القديمة: في دراسته المعنونة بـ "الخلفية الثقافية والدينية للفامبيرية الجنسية في الصين القديمة"، يسلط الباحث "بول ر. غولدن" (Paul R. Goldin) الضوء على التقنيات الجنسية التاوية / الماكروبيوتيكية في البيئة الثقافية والدينية القديمة، وتحديداً ما يُعرف بـ "التعاليم السرية لغرفة النوم" (ممارسات الفراش الصينية القديمة). وتوضح الدراسة كيف أن "الملكة الأم للغرب" (Xi Wangmu)، وهي رمز روحي وميثولوجي في الصين القديمة، كانت في الأصل كائناً بشرياً اعتيادياً، قد اكتسبت قواها وحققت خلودها عبر امتصاص الطاقة الحيوية (الـ "تشي" / Qi) لعدد كبير من الفتيان والشباب من خلال الجماع، لتتحول بذلك إلى إلهة ذائعة الصيت. وعلى الرغم من أن العديد من الدراسات السابقة حول الجنسانية الصينية قد ركزت على هذه الأنماط (وكان المؤرخ والمستشرق الروائي "روبرت فان غوليك" R. H. van Gulik أول من أطلق عليها مصطلح "الفامبيرية الجنسية" / Sexual Vampirism)، إلا أنه نادراً ما طُرح السؤال حول السبب الذي جعل الفلاسفة والحكماء القدامى يأخذون هذه المعتقدات على محمل الجد. وتثبت الدراسة أن النخب من أصحاب الثروة والسلطة في العصور القديمة كانوا يعتقدون بيقين أن هذا التواصل الجنسي مع اليافعين والشباب يمنحهم وافر الصحة ويضمن لهم طول العمر والخلود.
* البنية القانونية للعبودية والرق: في الحضارات القديمة كالحضارة الرومانية واليونانية، كان الأطفال والنساء من طبقة العبيد يُعتبرون "أشياءً" أو ملكية خاصة قانونياً لا بشرًا. بالتالي، كان الاستغلال الجنسي للأطفال والنساء العبيد ظاهرة شائعة ومباحة قانونياً لمالكيها، سواء كان المالك ثرياً من النخبة أو مواطناً من الطبقة الوسطى والعامة. مأسسة ظاهرة "الغلمان" (Pederasty): في المجتمع اليوناني القديم (أثينا وإسبرطة مثلاً)، كانت العلاقة بين الرجال البالغين والفتيان القاصرين ممارسة اجتماعية ممأسسة ومقبولة في الثقافة العامة، ولم تكن تقتصر على الحكام بل شملت الفلاسفة، والمقاتلين، وعامة المواطنين الأحرار كجزء من منظومة تربوية واجتماعية (رغم القيود الطبقية والأخلاقية التي كانت تفرضها بعض المدن).
المراجع - (References)
* International Labour Organization (ILO). (2012). ILO Global Estimate of Forced Labour: Results and methodology. International Labour Office.
* Marx, K. (1853, August 8). The Western Powers and Turkey—Imminent Imminent Economic Crisis. New York Daily Tribune.
* Walk Free Foundation. (2014). The Global Slavery Index 2014. Walk Free Foundation.
Zuboff, S. (2019). The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power *
 PublicAffairs.
International Journal of Scientific and Research Publications, Volume* 3, Issue 4, April 2013 1 ISSN 2250-3153 - www.ijsrp.org *
Yellamma Cult and Divine Prostitution: Its Historical and Cultural Background / Arun Jaganathan V.R
Research Scholar, Dept. of Sanskrit Sahithya, Sree Sankaracharya University of Sanskrit, Kalady, Kerala, India