أطفال فلسطين يشبون وسط العذابات فوق تراب الوطن


سعيد مضيه
2026 / 9 / 28 - 12:02     

" رؤية الآباء يُتعرضون لإهانات الجنود وإساءاتهم، او مشاهدة بيت العائلة يهدم تترك لدى الأطفال ذكريات لا يمحوها الزمن." بعض من عذابات أطفال فلسطين يسردها الدكتور م. رضا بهنام، العالم السياسي بالولايات المتحدة المتخصص في السياسة المقارنة مع التركيز على غرب آسيا.


جدعون ليفي يرسم صورة قاتمة للمجتمع الإسرائيلي، مشيرًا بأصبعه إلى لامبالاة المجتمع الدولي. وقال: "إسرائيل تسير نحو الهاوية ولن تتوقف إلا إذا أجبرت على ذلك. الأمر يقع على عاتق المجتمع الدولي لفرض عقوبات لإيقاف هذيان إسرائيل الإجرامي". واستدلالًا بمثال شخص أصبح مدمنًا على المخدرات، أضاف: "إذا قال شخص إنه يريد الدفاع عن إسرائيل، فلنكن واضحين، الدفاع عن إسرائيل يعني القيام بما يفعله الصديق لصديقه، منع إسرائيل من تدمير نفسها، ومنعها من الوصول إلى المخدرات".
أما رضا بهنام فبرسم صورة مغايرة، تحكي العذابات التي لا يمحوها سوى ...
الطفولة يفترض أن تكون رحلة تتدرج خلالها يقظة الوعي؛ تراكم لأيام مشمسة بعد الظهر، ركب مخدوشة، أيام مدرسية بلا هموم وتطور تدريجي لهوية آمنة.
لكن بالنسبة للطفل الفلسطيني الذي ينشأ في ميادين القتل الإسرائيلية بغزة أو الضفة الغربية المحتلة، ينعدم مثل هذا الملاذ المحمي. في الضفة الغربية، يُجبر الأطفال على التنقل عبر متاهة من العقبات التي صممتها الدولة—جدران خرسانية، نقاط تفتيش، حواجز، مراقبة، مداهمات عسكرية وهجمات من قبل المستوطنين. ينضجون في ظل جدار "الفصل"؛ ألواح خرسانية تحدد ما إذا كان بإمكانهم زيارة العائلة، اللعب في الميدان المفتوح أو الوصول إلى الرعاية الطبية اللازمة.
مرعب ضجيج الاحتلال العسكري يطرق يوم الطفل؛ الاستيقاظ منتصف الليل على جنود مسلحين يقتحمون البيوت بقوة، يطلقون صرخات كلها إهانات وأوامر؛ يترك في النفوس والعقول الخوف الدائم والانطباع العميقً.
في معسكرات الاعتقال بغزة، الأطفال لا يأمل الطفل إلا بيومٍ آخر.
أجيال نمت وهي ترى في الأفق بالذات ما لا يعدو نهاية يصعب احتمالها .
الأطفال تحت وطاة الاحتلال يتشربون مخاوف الآباء قبل زمن طويل من نضج مداركهم لاستيعاب مفردة الخوف. رؤية الآباء يُتعرضون لإهانات الجنود وإساءاتهم، او مشاهدة بيت العائلة يهدم تترك لدى الأطفال ذكريات لا يمحوها الزمن.

تحت وطأة الاحتلال يلعب الأطفال بحذر فوق المعتاد؛ في زمن مبكر يتعلم الأطفال قراءة تصرفات الجنود، وتقدير طرق آمنة للذهاب الى المدرسة والعودة الى البيت، والعيش مع المخاوف والشكوك اليومية.
العديد من الوكالات الدولية، مثل صندوق طوارئ الأطفال التابع للأمم المتحدة للصحة الذهنية قامت بتوثيق معدلات مرتفعة من الكبت النفسي بين الشباب الفلسطيني، يتجلى بقلق مزمن واضطرابات نوم، والتبول اللاإرادي اثناء النوم، ومشاعر عميقة بالعجز. الصدمة لم تحدث صدفة؛ فالاحتلال والعنف مستمران، تبقى الجروح العاطفية والجسدية مفتوحة على الدوام.
تحت وطأة الاحتلال، المدرسة ليست ملاذاً آمنا؛ بالضفة الغربية، يمارس لأطفال الأيام المدرسية - التي كثيراً ما تتقطع - تحت ضغوط شديدة القسوة؛ السير الخطر في الطريق الى المدرسة ينطوي على احتمالات التعثر بقنبلة لم تنفجر، نقاط تفتيش عسكرية، حواجز "أمنية"، وتهديدات فعلية من مستوطنين وجنود.
حيث تضرر او تهدم ما يزيد على 95٪ من المدارس في غزة، فإن شطرا صغيرا -حوالي الثلث أو 700,000 طفل في سن الدراسة يتاح لهم الوصول الى مدرسة لا تعدو فصولا في خيام مؤقتة غير رسمية؛ الغالبية العظمى لا تزال خارج المدارس. على الرغم من كل العقبات، يحافظ الأطفال الفلسطينيون على التزام قوي بالتعليم؛ كأحد الأدوات القليلة المتبقية لتقرير المصير بأيديهم.
الطفولة في فلسطين حافلة بالتناقض؛ حياة الصغار، بإمكانياتها غير المحدودة، مضطرة لأن تتنقل بين حواجز تقيمها مؤسسة أو البيئة مصممة لكي تقوض هذه الإمكانيات. الفلسطيني، إذ ينمو داخل فلسطين، يعني:
+ على مدى 80 عامًا وصخب طبول الحرب يطغى على الوعد بسلام هادئ؛
+على مدى 80 عامًا، اجتازت الأجيال وجودًا ليس من صنعها؛
+ على مدى 80 عامًا والأجيال تتحمل أعباء كرامة بلا دولة؛ حيث يغدو أبسط حق للطفولة تحديا راديكاليًا؛
+ على مدى 80 عامًا، والأجيال تنمو في حاضر مسروق؛ تجتاز مستقبلا، حيث المعتاد حلما متخيلا، وحيث ظلوا حراس غد غير مكتوب؛
+ على مدى ٨٠ عاما والأجيال تتعلم منذ سن مبكرة أن الحياة الحقيقية تعني مواجهة موت لا مهرب منه؛
+ على مدى ٨٠ عامًا، والأجيال تقبع في سجن نظامه يجوع العبقرية ويسحق الروح؛
+ على مدى ٨٠ عامًا، والنظام الصهيوني يفشل في إخماد جذوة الروح؛
+ على مدى ٨٠ عامًا، وصمود الروح لدى أطفال فلسطين بقي صك إدانة لعالم شهد الكارثة ولم يفعل شيئًا.
وسط القهر يستمر جوهر الطفولة ويدوم عنيدا على السحق. يجد الفلسطينيون أساليب للتعلم ، للعب والضحك؛ والأهم من ذلك ان يستنبتوا تضامنا جسورا مع بعضهم البعض، ومع تراثهم.
لقد تجلّت هذه الروح القوية من الوحدة مؤخرًا عندما اجتمعت الطفلة صيدا عبد الله البالغة من العمر 13 عامًا وزميلاتها في الصف لبداية يومهن الدراسي في صف مؤقت بمدينة غزة. وقفت أمام زميلاتها وقادتهن في هذا الهتاف الجريء: «تحيا فلسطين حرة وعربية» و«المجد والخلود لشهدائنا الأبرار».
يتحمل كل جيل جديد من الأطفال الفلسطينيين عبء غياب الدولة الوطنية والبقاء على قيد الحياة. وحيث أدوا الدور بشجاعة، فإن الطريق نحو إنهاء هذه الفظائع يتطلب التزامًا صارما من المجتمع الدولي بالتحرك؛ ويتطلب إطارًا إلزاميًا بتقديم التعويضات الشاملة، يشمل التعويض المادي، واستعادة المؤسسات، وضمان إعادة التأهيل، والقصاص من الجناة.
المال بمقدوره إعادة تشييد البنية التحتية والمدارس والمرافق الطبية، لكنه لا يستطيع أبدًا تعويض الدمار المتعمد الذي لحق بالطفولة.
بالنسبة لجيل تجرحت منه العواطف بفقدان الآباء والأطراف والحق الأساسي في الأمان، تنطلق العدالة الحقيقية من الاعتراف الرسمي بالذنب من قبل الدولة وفرض العقاب.
في نهاية المطاف، إضافة إلى التكفير عن الخطأ، فإن التعويضات الجدّية عن جرائم أكثر من 80 عامًا تتطلب الضمانة الآمنة والمعززة بأن تعود فلسطين للفلسطينيين. فقط حينذاك، يبدأ فوق أرض الوطن لأم الجراح والازدهار بكرامة.