حول الشباب العاجز القادر في عالمهم
سامر بن عبد السلام
2026 / 9 / 28 - 08:41
كنا قد توقفنا في النص السابق، والذي تجدونه على صفحتي في "الحوار المتمدن"، عند سؤال: هل يمكن لهذا الشباب الذي نراه لا يفوت مسيرة إلا وينضم إليها أن يمثل المكون الثوري الذي يطرح مثل هذه الإشكاليات ويتبنى مثل هذه التصورات الثورية؟
وهو تساؤل مشروع، خاصة مع غياب الشباب عن المبادرات التنظيمية المطروحة اليوم بمختلف مشاربها؛ فهذا الشباب تختفي حركيته عندما ننتقل إلى مستوى أعلى من النضال، فبمجرد أن نطرح المبادرات والنقاشات وندعو إلى ضرورة العمل على إيجاد تنظيم بديل يؤطر الحراك يتوارى هذا الشباب عن الأنظار بل انهم حتى في احزابهم بلا اي فاعلية او تاثير(مع الاشارة الى انهم قابلون بهذا الوضع) رغم ما تعيشه هذه الاحزاب (او بالاحرى هذه الطوائف) من ركود و جمود و ضعف و هشاشة.
وهذا في تقديري يعود إلى أن هذا الشباب هو "شباب عاجز قادر في عالمهم"، وهي عبارة أستعيرها من الناقد السينمائي محمود عبد الشكور، والتي وصف بها شخصية "الشيخ حسني" في فيلم "الكيت كات" للمخرج الكبير داوود عبد السيد. فالشيخ حسني كان عاجزاً لأنه ضرير، ورغم ذلك تمكن من صناعة عالمه الذي يجسد قدرته الوهمية على تجاوز عجزه و هو ما يعود بنا الى ذلك المشهد الايقوني للشيخ و هو يحول تجاوز عجزه و البرهنة على انه مازال قادر على قيادة دراجة نارية و هو ما يخلق حالة فوضى في الحي و ينتهي بتعرضه لحادثة ، هذه المجموعات الشبابية وعلى خطى الشيخ حسني، تصنع عالمها الشكلي وقدرتها الواهمة ليكون التوصيف الدقيق هو شباب عاجز قادر في عالمهم الشكلي
هذه المجموعات عاجزة، وأقصد بالعجز هنا كل أنواع العجز: العجز عن تحقيق أحلامها، العجز عن إثبات إمكانياتها، العجز عن تحقيق الاستقرار، العجز عن تقديم الإضافة، العجز عن إنتاج علاقات إنسانية سليمة... كل هذا العجز الذي يعود إلى الاستغلال الطبقي، والتهميش، و"الحقرة"، وانعدام تكافؤ الفرص، وانهيار المنظومة التعليمية، وتبعية السوق، وغيرها من الأسباب البنيوية، يدفعهم نحو صناعة عالم وهمي يلبسون فيه الكوفية، يخطبون من فوق الطاولات, يرددون فيه شعارات ضد النظام، يحفظون و ينشرون مقولات ماركسية او ليبرالية (على حسب توجهاتهم) وغيرها من السلوكيات والمظاهر التي تجعلهم يحسون أنهم قادرون على الفعل في عالم زائف من صناعتهم يتموقعون فيه ويكتسبون من خلاله حداً معيناً من القيمة.
وعندما تدعو أحدهم للمشاركة في النقاشات والمبادرات وخوض السجالات، والمشاركة في بناء شكل تنظيمي ثوري يجسد جدلية الهدم والبناء او حتى العمل على تغيير واقع حزبه، لا تجده؛ لأن غايته هي تجاوز عجزه ظاهرياً، أي تحقيق تجاوز سلبي للعجز، فمراده تحقق... فلماذا سينخرط في أي مبادرة ثورية؟
ولتحقيق هذا التجاوز السلبي، يلزم لهذا الشباب أن يجد سيداً يرتهن به ويعي ذاته من خلاله، لا من خلال فاعليته الحقيقية. وهنا لسائل أن يسأل: لماذا لا يحاول هذا العبد أن يتحول إلى سيد؟ والإجابة هي: لأن العبد -وهي في حالتنا هذه الفئة الشبابية- كل ما يقوم به هو النفي المجرد وليس العمل المنتج الذي يمثل فعل النفي.
فعجزه وخوفه من التغيير الجذري والصدام الحقيقي، وانتماؤه الطبقي كشباب برجوازية صغيرة و كل العوامل البنيوية التي ذكرناه في اول النص، تجعله حبيس عجزه، تسيره وتوجّه سلوكه. ويرحل زين العابدين بن علي وتأتي حركة النهضة، وترحل هي الأخرى ويأتي قيس سعيّد... ومن سيد إلى سيد، والعبد رهين عجزه وعالمه الوهمي، لا يوجد إلا بوجود السيد ولا يعرف نفسه إلا من خلاله.
وهنا يأتي دور التشكيلات البيروقراطية اليسارية، والتي تمكنه مما أسميته "الصنعة"، وهي مجموعة السلوكيات التي يصنع من خلالها عالماً شكليا يكون قادراً فيه على الفعل: جمل يرددها للاستعراض على الطاولات في الجامعة، آليات خطابية معينة، كيفية العمل داخل مواقع التواصل الاجتماعي، وكيفية توسيع انتشار حساباتهم على الفايسبوك... وغيرها من الآليات التي تمثل الأدوات الرئيسية في إنتاج عالمهم الوهمي.
هنا نصل إلى الإجابة عن سؤالنا: هل يمكن أن تكون هذه الفئة هي الفئة التي تطرح التصورات الثورية وتنخرط وتبني المبادرات الداعية للتغيير؟
باعتقادي، في اللحظة الحالية، بالتأكيد لا؛ بل من الممكن أن تحارب أي مبادرة ثورية تسعى لتحقيق التغيير الجذري من خلال طرح يساري راديكالي، لأن مثل هذه المبادرة إذا ما اتسعت ستفضح زيف عالمهم ووهم قدرتهم. لذلك، على أي مبادرة لتأسيس تنظيم ثوري أن تتجاوز هذه الفئة وتتجه للشباب الذي لا يملك شيئاً ليخسره، بل لا يمتلك حتى رفاهية التجاوز السلبي لعجزه.
لكن هل يعني هذا أن هذا الشباب غير قابل لأن يكون فئة ثورية مطلقا؟ هنا أقول: لا؛ نظراً إلى أن أي مبادرة جديدة إذا ما انتشرت يمكن أن تكون المخرج لفئة من هذا الشباب البرجوازي الصغير من دائرة العجز، لأنه في الأخير، الإنسان —مهما كان انتماؤه الطبقي أو اختياره السياسي— هو نتاج لعلاقات اجتماعية متحركة و تتفاعل جدليا مع بعضها البعض، وإذا ما دخلت على المشهد مبادرة ثورية، فمن المؤكد أنها ستعيد تشكيل المشهد وبالتالي يمكن أن ينعكس تأثيرها على توجه هؤلاء الشباب.
لكن اليوم، علينا التوجه إلى شباب لم يلعب دور البطولة في فيلم The Dreamers للمخرج العظيم برتولوتشي (Bernardo Bertolucci)... ومن شاهد الفيلم سيفهم عن ماذا أتحدث.
هنا نصل إلى خاتمة النص الثاني، وهو تتمة للنص الأول بعنوان «حول المسيرات والسلطة وإعادة إنتاج البعد الواحد»، والذي تجدونه في موقعي على الحوار المتمدن. ويمكن أن نلخص النصين في فقرة بسيطة حتى تتوضح المسألة أكثر للقارئ: فالاحتجاج أحادي البعد و نزع الجدل عن اي عمل تعبوي ينتج مجالاً محدوداً للفعل، وداخل هذا المجال يمارس الشاب قدرة واهمة على الفعل، قدرة لا تتحول إلى تجاوز مادي للعلاقات التي تنتج عجزه، فيصبح الفعل نفسه شكلاً من أشكال التجاوز السلبي لهذا العجز، وبذلك يعاد إنتاج العجز عوض تجاوزه و هو ما يخدم في الاخير السلطة القائمة باستيعاب اي حراك مناهض لها و بتكريس احادية البعد و التي تعتبر تواصل للانسان ذو البعد الواحد التي تحاول السلطة تشكيله.