حول المسيرات و السلطة و اعادة انتاج البعد الواحد
سامر بن عبد السلام
2026 / 9 / 27 - 10:10
نص اعتقد انه مهم لكل شاب طامح للتغيير
شهدت العاصمة في السنة الأخيرة عدة مظاهرات كانت قد دعت إليها مختلف المنظمات والأحزاب المعارضة. وأمام هذه الاحتجاجات يتساءل الكثير من المواطنين عن مدى نجاعة هذا الخيار، خاصة وأنه لم يأتِ بأي نتيجة طوال 5 سنوات.
أعتقد أن السؤال الذي يجب طرحه ليس عن مدى نجاعة هذا السلوك الاحتجاجي، بل إن السؤال الحقيقي هو: هل إن الاكتفاء بآلية احتجاجية معينة دون سواها وتكرارها كل مدة زمنية سيؤدي إلى تحقيق التغيير المنشود؟ وهو ما يقودنا إلى إشكال أكبر: ألا يمكن أن يكون الاكتفاء بآلية احتجاجية وحيدة هو إعادة إنتاج للهيمنة والقمع بشكل تحرري، أي أن أداة التحرر تحولت إلى سجن يخنق إمكانية التغيير ويستوعبها؟
في البداية، يجب أن نؤكد على مسألة بسيطة لكن أساسية، وهي أن مشكلتنا مع نظام قيس سعيد (وهو نظام بونابارتي) هي أن هذا النظام يحاول إخماد الصراع الطبقي (وبالتالي إخماد مختلف الصراعات السياسية والثقافية...) بارتقائه فوق الطبقات وإعلان نفسه الأب المخلص والزعيم المنقذ.
والهدف من كل هذا هو إنتاج المواطن التونسي كإنسان مستهلك، إنسان ذو بعد واحد، سلوكياتُه هي نتاج آلي للتصورات السلطوية السائدة في المجتمع. إن مقاومة أحادية البعد هذه لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تفعيل الجدل بشكل متواصل ودائم على كل الجبهات أينما ومتى توفر ذلك.
لذلك على الحركة الثورية أن تُفعّل الجدل داخل الطبقات الكادحة والجهات المسحوقة ومختلف فضاءات الصراع الاجتماعي، وتحويل أجهزة الدولة الأيديولوجية إلى أجهزة صراعية.
كل هذا سيفعل الجدل داخل الحركة الثورية ذاتها، وهو ما يسمح للحركة بالتوسع وتطوير برامجها، ويمكنها من التعبئة القصوى والفعالة واحتلال فضاءات أكثر.
ما نشهده اليوم هو على العكس من ذلك: لا أفكار، لا تصورات، الاكتفاء بالمسيرات الهلامية، الالتزام بطبقة واحدة وهي البرجوازية الصغيرة، والالتزام بإطار جغرافي واحد؛ وهو ما يعني إخماد الجدل وإعادة إنتاج أحادية البعد التي —كما أكدنا— هي هدف السلطة والطبقات السائدة، ولكن في شكل احتجاجي وبيد من يقدم نفسه كمعارضة للنظام القائم. قد يظن البعض أنني أدعو إلى إيقاف المسيرات والمظاهرات، لكن ما أدعو له هو عكس ذلك تماماً؛ فأنا أؤكد على ضرورة إعادة تعريف المسيرات لا كآلية احتجاجية وحيدة، بل كجزء من سيرورة ثورية وعملية جدلية مستمرة تخترق كل الساحات والفضاءات.
ولإنجاز هذه المهام، علينا أولاً أن ننهي مع التثوير الهلامي للفعل الاحتجاجي، وأن نفرق بين الثوريين والانتهازيين؛ فالانتهازيون —وعلى اختلاف دوافعهم— لا يقبلون هذا التصور ولا ذاك الطرح، بمعنى آخر: لا يمكن تحقيق حد أدنى من الوحدة معهم، إذ لا نلتقي لا على مستوى الأسئلة المطروحة ولا على مستوى الأهداف المنشودة. لذلك، فالمهمة المطروحة اليوم هي أن نفرق بين الثوريين والانتهازيين.
وهو ما يستوجب طرح سؤال: هل يمكن لهذا الشباب الذي نراه لا يفوت مسيرة إلا وينضم لها أن يمثل المكون الثوري الذي يطرح مثل هذه الإشكاليات ويتبنى مثل هذه التصورات؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه في النص القادم