قمة بريكس -الحلقة الثانية
سعيد مضيه
2026 / 9 / 26 - 10:00
الهند تعارض هيمنة الصين بديلا للهيمنة الأمريكية
موقف الهند مهم بنفس القدر.
تدعم نيودلهي عالمًا متعدد الأقطاب، لكنها لا تريد أن يتم ببساطة استبدال الهيمنة المالية الأمريكية بهيمنة صينية.
هذا في الأساس استمرار لتقليد الهند القديم في الاستقلال الاستراتيجي، الذي بدأه، في ستينات القرن الماضي، جواهر لال نهرو ضمن إطار حركة عدم الانحياز. خلال الحرب الباردة، مثل الرئيس اليوغوسلافي تيتو، لم يرغب في الاختيار بين واشنطن وموسكو.
حتى وصول مودي إلى السلطة في 2014، كانت الهند تحافظ على سياسة خارجية غير منحازة بشكل بارز.
طرأ تغير هائل على السياسة الخارجية للهند منذ تولي ناريندرا مودي السلطة. تعمقت بقدر كبير العلاقات مع الولايات المتحدة، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والدفاع والأمن.
وأدت مشاركة الهند في التحالف الرباعي المعادي للصين — الذي يضم الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا — إلى تقربها من واشنطن.
غير ان الهند، مع ذلك، توقفت عند عتبة التحالف مع أمريكا بدون شرط، على الرغم من أن الهند تعتبر الصين المنافس الاستراتيجي الرئيس لها في آسيا. النزاع الحدودي في جبال الهملايا، الذي أدى إلى اشتباكات دموية عام 2020، عزز هذا الإدراك. كما تريد الهند منع الصين من أن تصبح القوة المهيمنة في المحيط الهندي وفي جميع أنحاء آسيا.
في نفس الوقت، بقيت الصين واحدة من أهم شركاء الهند التجاريين.
هذا يخلق مفارقة استراتيجية.
الصين والهند متنافستان، لكنهما أيضاً شريكان في مصلحة زيادة تأثير الجنوب العالمي في المؤسسات الدولية.
لذلك، قد تكون علاقتهما أحد العوامل الحاسمة التي تحدد مستقبل البريكس.
الحوار البناء الذي جرى بين مودي والرئيس الصيني شي جين بينغ في قمة نيودلهي انطوى على أهمية كبيرة.
الاستقلالية الاستراتيجية بدل سياسات الكتل
قد يكون أفضل توصيف لسياسة الهند أنها استقلال استراتيجي.
رفض مودي قبول منطق ترامب المتمثل في "إما معنا أو ضدنا".
كان ذلك واضحًا بشكل خاص بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022؛ لم تتبع الهند الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات شاملة على روسيا، ولم تتخل عن واردات النفط الروسي، رغم الضغوط الكبيرة من واشنطن.
بالنسبة للهند، فهذ الموقف لم يكن ببساطة يتعلق يروسيا ؛
بل يتعلق أيضًا بالحفاظ على حريتها في الاختيار الاستراتيجي.
من ناحية أخرى، يمكن للسياسة الخارجية كذلك ان تكون موضع جدل؛ على سبيل المثال، في 25 فبراير، أعرب مودي بصراحة عن تضامنه مع إسرائيل في الكنيست، قال إن الهند تقف إلى جانب إسرائيل "بقناعة تامة". في ذات الوقت، تحدث عن الحوار والسلام والاستقرار ولم يؤيد صراحة الهجوم ضد إيران. وبعد يومين فقط من انتهاء زيارة مودي، شنت إسرائيل هجومًا كبيرًا على إيران.
مودي جلس على كرسيين جيوسياسيين، ويريد للهند ان تغدو احد الأقطاب الرئيسية للعالم البازغ ،متعدد الأقطاب– وليس عضوًا تابعًا لأي تكتل جيوسياسي.
لهذا السبب فهي مهمة جدًا بالنسبة للبريكس.
بدون الهند، يمكن للبريكس ان تغدو منظمة أقل تأثيرًا بكثير؛ مع الهند، لديها فرصة أفضل بكثير لتغدو منصة أوسع حقًا للجنوب العالمي.
ومع ذلك، تظل الصين القوة القائدة داخل المجموعة؛
وزنها الاقتصادي الهائل، وشبكتها التجارية العالمية، وقدراتها التكنولوجية المتنامية تمنح بكين نفوذاً لا يستطيع أي عضو آخر في بريكس مجاراته.
تركيز الصين على السيادة وعدم التدخل ومفهوم الكونفوشيوسية حول الانسجام يوفر أيضاً إطاراً أيديولوجياً مغايرا لنموذج التحالفات التقليدي لدول الغرب،
روسيا تلعب دوراً مختلفاً؛ بالرغم من المواجهة العميقة بين روسيا والغرب، يظل الرئيس فلاديمير بوتين وسيطاً مهماً بين المصالح الاستراتيجية المختلفة داخل بريكس. ثمة أهمية خاصة لقدرته على الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع كل من الصين والهند.
بنك التنمية الجديد: ثورة هادئة
أحد المؤسسات الأهم من حيث الإمكانات، والأقل إثارة للاهتمام التي أنشأها بريكس هو البنك الجديد للتنمية.
أهميته لا تكمن في حجمه الحالي، الذي يظل متواضعًا مقارنة بصندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، إنما في المبدأ القابع خلفه.
السؤال لا يدور فقط حول حجم المال المتاح؛ بل كذلك حول من يقدم المال، وبأي عملة، وتحت أي شروط. يمكن لبنك التنمية الجديد تمويل المشاريع بالعملات المحلية، مما يقلل اعتماد الدول النامية على الاقتراض بالدولار.
وهذا ينطوي على أهمية فائقة.
بقدر ما تستطيع الدول النامية الاقتراض والتجارة والاستثمار دون الاضطرار أولًا للحصول على الدولارات، تقل هشاشتها أمام تغييرات السياسة النقدية الأمريكية وسعر صرف الدولار.
هذا هو الجانب الهادئ لثورة البريكس.
إنه الجانب المؤسسي وليس الجانب الاستعراضي.
الشرق الأوسط وأوكرانيا اختبار وحدة البريكس
انعقدت قمة نيودلهي على خلفية التطورات الدرامية في الشرق الأوسط واستمرار الحرب في أوكرانيا.
هذه النزاعات تكشف عن أحد نقاط الضعف الأساسي لمجموعة بريكس.
"تحتفظ بأهمية خاصة "قدرة فلاديمير بوتين على الحفاظ على علاقات وثيقة مع كل من الصين والهند."
ليس للمجموعة سياسة خارجية مشتركة؛ فلدى الأعضاء مصالح مختلفة وأحياناً مواقف متصارعة بصورة مباشرة. على سبيل المثال، إيران ودول الخليج لا تشترك بالضرورة في أولوية استراتيجية. الهند تحتفظ بعلاقات وثيقة مع كل من روسيا والولايات المتحدة؛ وللبرازيل أجندة دبلوماسية خاصة. الصين تسعى إلى الاستقرار والعلاقات الاقتصادية؛ بينما روسيا متورطة في الحرب مع أوكرانيا ونزاعات مع دول الغرب.
وهذا يجعل التوصل إلى توافق أمراً صعباً.
البيان المشترك: الوحدة من خلال الغموض
مع ذلك، نجحت دول البريكس في اعتماد إعلان مشترك بالإجماع. تعمد المجتمعون استعمال لغة موسعة، تدعو الى ضبط النفس والدبلوماسية والحلول السلمية للنزاعات، مع تجنب الصيغ التي من شلنها ان تكسر الإجماع الهش.
هذا ليس بالضرورة ضعفًا.
في مجموعة متنوعة مثل بريكس، فان القدرة على الاحتفاظ بالوحدة رغم التباينات العميقة قد تكون بحد ذاتها شكلاً للقوة السياسية.
فقوة البريكس، إذن ، لا تكمن في إنشاء كتلة جديدة أو في الاستبدال الفوري للدولار. قوتها تكمن في إمكانية التحويل التدريجي لقواعد النظام الدولي.
الهدف هو إقامة عالم متعدد الأقطاب منظم حول عدة مراكز للقوة الاقتصادية والسياسية بدلاً من نظام يخضع لمركز مهيمن واحد. التاريخ يشير إلى أن التحولات الكبيرة نادراً ما تحدث في لحظة درامية واحدة. الإمبراطورية الرومانية لم تختفِ في يوم واحد، والإمبراطورية البريطانية لم تتوقف فجأة عن كونها قوة عالمية. من المحتمل أن يتم بنفس القدر من التدريج تراجع الهيمنة الأمريكية.
كما أظهرت قمة نيودلهي، العالم يتغير بالتدريج.
.