في تفنيد أطروحة حظر التعددية الشيوعية في البلد الواحد


حميد كوره جي
2026 / 9 / 26 - 01:38     

نقد "اللاهوت البلشفي"

تنويه منهجي:
لا أكتب هذا المقال في معرض الدفاع السياسي أو التنظيمي عن "الحزب الشيوعي الكردستاني – العراق" كحزب أو تجربة، بل أكتبه رداً على مقولة أيديولوجية تُردد حتى اليوم وتصادر حق الاجتهاد والتعددية؛ وهي فكرة "عدم جواز وجود أكثر من حزب شيوعي واحد في البلد الواحد، وإلا كان أحدهما أو بقيتهم تحريفيين ".

إن تفنيد هذه الفكرة هو دفاع عن الماركسية كمنهج تحليل مادي حيّ، ورَفْضٌ لتحويلها إلى "سلفية عقائدية" إقصائية.إن النظرة الفوقية التي فرضتها موسكو تاريخياً عبر منح اعتراف حصري لحزب واحد تُشبه إلى حد كبير المنظومات اللاهوتية والسلفية المغلقة. فكما تفترض السلفية الدينية احتكار الحقيقة والنجاة عبر مفهوم "الفرقة الناجية" وإقصاء أي اجتهاد آخر باعتباره ضلالاً أو كفراً، مارس الكومنترن والستالينية السوفيتية السلوك نفسه؛ حيث حوّلوا الماركسية من منهج نقد وتحليل مادي للواقع إلى "عقيدة دينية جامدة".
لقد اعتبرت موسكو الحزب الشقيق الواحد المعترف به صكّاً حصرياً وممثلاً وحيداً للطبقة العاملة — حتى في مجتمعات نامية لم تتشكل فيها بروليتاريا ناضجة بعد — بينما وُصِمَ أي تنظيم أو تجديد ماركسي آخر فوراً بالتهمة الجاهزة: "التحريفية والضلال".أو الطابور الخامس للامبريالية والرجعية.
وأتذكر أن الكثيرين، ومنهم اليوم يعملون قادة وكوادر في حشك، اعترضوا على قيام حزب شيوعي كردستاني، يحل محل لجنة إقليم كردستان لحشع. و بعضهم كان اعتراضهم أشد واعتبروا هذه المبادرة خيانة للوطنية العراقية و المباديء الشيوعية. واليوم أيضا تعلو أصوات تتهم القيادة للشيوعي العراقي بتمزيق الوطن وتقسيمه واتهامات أخرى بما أقسى.
أعرف، أن أكثر هؤلاء المعترضين يصرون على أن هناك حزب شيوعي كردي وليس كردستاني. أي حزب "شيوعي" للكرد كقومية فقط.

إن التاريخ الميداني والواقع المادي للعمل الشيوعي في العراق يُفند هذه الأرثوذكسية المغلقة عبر محطات بارزة. ففي أربعينيات القرن الماضي، نشط في كردستان تنظيم شيوعي باسم حزب "شورش" (الثورة). غير أن الوعي الطبقي الباكر لدى الشيوعيين الكرد بضرورة توحيد نضال البروليتاريا العراقية من زاخو إلى الفاو أمام مركزية السلطة وعلاقات الإنتاج في الدولة العراقية الناشئة آنذاك، دفعهم للاندماج الطوعي والتكامل التنظيمي داخل صفوف الحزب الشيوعي العراقي.
وقد شهدت الساحة الماركسية العراقية مخاضات عديدة أثبتت عجز "البابوية الشيوعية" عن استيعاب التنوع؛ وكان أبرزها الانشقاق التاريخي لـما يسمى ب"القيادة المركزية" عام 1967 بقيادة عزيز الحاج ضد خط "اللجنة المركزية"، إلى جانب ظهور حركات وتيارات ادعت الماركسية والماركسية-اللينينية متعددة (كعصبة الشغيلة، والتنظيمات الماوية، ورابطة العمل الشيوعي)، مما أكد وجود تعددية يسارية حية فرضها الواقع الميداني لا التنظير الفوقي.
وقد برز قبل الإعلان الرسمي عن تأسيس الحزب الشيوعي الكردستاني، نقاش رمزي وفكري عميق حول التسمية؛ حيث طُرِح مقترح إحياء اسم حزب "شورش" تيمناً بالإرث النضالي والأمميات الماركسية التي جسدها الشهيد جمال الحيدري، قائد حزب شورش قبل الاندماج في حزب فهد الشيوعي العراقي .

غير أن التحولات الجيوسياسية والهبة القومية الكردية بعد انتفاضة 1991 رَجَّحت تسمية "الحزب الشيوعي الكردستاني – العراق". كان هذا الترجيح في رأي المؤسسين استجابة واعية لتثبيت حقيقة أن كردستان لم تعد مجرد "شعب" يطالب بحقوق ثقافية، بل أصبحت "وطناً وجغرافية واقتصاداً وبنية تحتية" ولو ضمن الوطن العراقي، تتطلب أداة نضالية تُشبع هذا الأمل الوطني والطبقي معاً، دون المساس بالعمق الأممي المتمثل بالربط الفيدرالي والنضالي مع الحزب الأم عبر إضافة (- العراق).


تتجاهل الحجة الداعية لفرض حزب واحد حقيقة مادية وسياسية ساطعة: العراق -كما يرى شيوعيون كردستانيون، ليس مجرد مجتمع أحادي، بل هو كيان يضم وطنين وشعبين ارتبطا تاريخياً في دولة واحدة.
ومنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، تبلورت في كردستان بنية مادية واجتماعية متمايزة تماماً؛ فللإقليم طبقة عاملة ذات ظروف إنتاجية خاصة، وبنية تحتية، وقوانين عمل، وتحديات نقابية مستقلة عن واقع الطبقة العاملة في باقي العراق. وبما أن الماركسية هي منهج تحليل مادي وليست نصوصاً مقدسة، فإن وجود تنظيم شيوعي يخوض النضال اليومي في قلب هذه البيئة المادية أضحى ضرورة موضوعية فرضها الواقع الملموس.

استجابةً لهذه التحولات البنيوية والقطع مع الستالينية الإقصائية، أقر المؤتمر الوطني الخامس للحزب الشيوعي العراقي (أكتوبر 1993) رسمياً إعلان تأسيس الحزب الشيوعي الكردستاني. ولم يأتِ هذا التأسيس كـ "انشقاق تحريفي" ولا بناءً على تعصب قومي عرقي ضيق، بل جاء بقرار رفاقي مشترك يعتمد الأساس الطبقي والأممي؛ فالحزب مفتوح لكافة العمال والكادحين في الإقليم من كرد، وعرب، وتركمان، وسريان، ويقف جنبًا إلى جنب مع الحزب الشيوعي العراقي في حلف نضالي استراتيجي فوق القوميات.
إن التعددية السياسية والطبقية حق موضوعي تُمليه طبيعة علاقات الإنتاج والتنوع الجغرافي والقومي، والماركسية الحقيقية تعيش بالمرونة والتحليل المادي الملموس، لا بالاحتكار وصكوك الغفران الصادرة عن مراكز القوة الأيديولوجية.
إن المفهوم الماركسي النظري والطبقي لا يحتمل الجمود العقائدي؛ والتمسك بمقولة "عدم جواز تعددية الأحزاب الشيوعية في البلد الواحد" بداعي المبدأ البلشفي القديم ليس سوى اجترار لـ "سلفية أيديولوجية" عاجزة عن قراءة الواقع المادي والتاريخي.
لذا، فإنني أرى أن الدعوات المنادية بإلغاء "الحزب الشيوعي الكردستاني – العراق" وإعادة دمجه في "الحزب الشيوعي العراقي" ليست إلا دعوات خُلْب وفارغة؛ فبديل الإعادة والدمج القسري هو التضامن الرفاقي والتعاون والتنسيق النضالي المشترك في مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية، ولخدمة قضية العمال والكادحين في كل العراق، بضمنه إقليم كردستان.


مالمو
2026-08-25