لقد تم بيع غرينلاند للاستعمار الجديد الأمريكي

لوكاس ويليام كارن
2026 / 9 / 25 - 11:11     



عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجددا في يناير الماضي أنه سيضمن استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند، كان التوتر بين المملكة الدنماركية وأكبر قوة عظمى في العالم ملموسا إلى أقصى حد.

لم يكن ترامب مستعدا لاستبعاد استخدام الجيش الأمريكي للاستيلاء على الجزيرة، وقد تبين لاحقا أن الجنود الدنماركيين في غرينلاند تلقوا أوامر بإطلاق النار على الأمريكيين إذا اقتربوا منهم. لكن الأمر لم ينته بحرب، بل انتهى بدلا من ذلك إلى تشكيل «مجموعة عمل رفيعة المستوى» بين غرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة، كان من المفترض أن تجد حلا.

وقد عرض علينا هذا الحل يوم الثلاثاء 22 سبتمبر، عندما وقعت الدنماركية مته فريدريكسن، والغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن، والأمريكي ترامب اتفاقية جديدة بشأن انخراط الولايات المتحدة في غرينلاند، وذلك في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك.

فماذا تتضمن هذه الاتفاقية؟

باختصار، استعمار شبه كامل لغرينلاند تحت سلطة الإمبراطورية الأمريكية. قد يبدو هذا الكلام دراميا، لكن مضمون الاتفاقية يمنح الولايات المتحدة صلاحيات واسعة إلى درجة أن الكلمات الأقل صراحة لا يمكنها وصف ما جرى في نيويورك.

تحصل الولايات المتحدة على السماح ببناء قاعدتين عسكريتين جديدتين في غرينلاند، ويتمتع جنودها ومعداتها بحرية حركة كاملة في جميع أنحاء الجزيرة، ولا يسمح بأي وجود عسكري على الإطلاق إلا لدول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، كما يجب أن تحصل جميع الاستثمارات في البلاد التي لا تقوم بها دول أعضاء في الناتو أو الاتحاد الأوروبي على موافقة «مجلس دائم» جديد تشارك فيه الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند.

وتتضمن الاتفاقية حتى بندا ينص على أنه إذا اختارت غرينلاند في يوم من الأيام الاستقلال عن الدنمارك، فعليها أن تسعى إلى عضوية حلف شمال الأطلسي، وأن جميع صلاحيات الولايات المتحدة المنصوص عليها في الاتفاقية الجديدة يجب احترامها، كما أن الاتفاقية لا تحدد لها مدة زمنية لانتهائها.

أي أنها اتفاقية أكثر شمولا من اتفاقية الدفاع الموقعة عام 1951، والتي شكلت لسنوات عديدة الإطار الناظم للوجود العسكري الأمريكي في غرينلاند.

يجب ألا تمر الإمبريالية الأمريكية في القطب الشمالي بصمت. يجب انتقاد هذه الاتفاقية، وكشف جوانبها الاستعمارية الجديدة وتسليط الضوء عليها.

لذلك من الصحيح أن نسمي هذه الاتفاقية بما هي عليه: معاهدة استعمارية تمنح الولايات المتحدة حق التصرف في غرينلاند. وهكذا يمكن للبلاد الآن أن تصبح مستقلة عن الدنمارك، كما ينص قانون الحكم الذاتي الغرينلاندي، لكنها لن تكون قادرة في أي وقت على التخلص من أغلال الولايات المتحدة.

أما أن تسمي وسائل الإعلام والسياسيون وصناع الرأي الاتفاقية «تحفة دبلوماسية»، فهو أشبه بوصف بركة ماء بأنها محيط عظيم. إنه تضخيم لا يخدم سوى هدف واحد، هو التخفيف من وطأة الاستيلاء الاستعماري الجديد الذي نشهده أمام أعيننا.

لقد جرت المفاوضات والمسدس مصوب إلى الرأس. ولم يكن الوضع الذي وجدت غرينلاند نفسها فيه سهلا. لكن ذلك لا يبرر مشاركة الدنمارك في بيع البلاد لطموحات الولايات المتحدة الإمبريالية. وهذا يستحق النقد، ويجب تسميته بما هو عليه، بغض النظر عن مدى صعوبة المفاوضات أو تعقيدها.

لكن حكومة غرينلاند نفسها شاركت في التفاوض على الاتفاقية، وهو تطور جديد. وعند توقيع الاتفاقية، قال ينس فريدريك نيلسن، رئيس حكومة غرينلاند:

«هذه ليست اتفاقية بشأننا، بل اتفاقية معنا».

ومع ذلك، لا يبدو في الوقت الراهن أن هناك توجها لطرح الاتفاقية على استفتاء بين سكان غرينلاند. وهكذا يجري منح الولايات المتحدة سيادة غرينلاند وجزءا كبيرا من حقها في تقرير مصيرها، من دون أن يتم حتى سؤال السكان. وهذا أمر مخز إلى أبعد الحدود.

يجب ألا تمر الإمبريالية الأمريكية في القطب الشمالي بصمت. يجب انتقاد هذه الاتفاقية، وكشف جوانبها الاستعمارية الجديدة وتسليط الضوء عليها. ومن الواضح أن وسائل الإعلام الرئيسية وأصحاب السلطة لا يبدون أي اهتمام بذلك، ولذلك تقع على عاتق جميع مناهضي الإمبريالية مهمة رفع هذا العبء الذي تقاعسوا، بصورة مخزية، عن تحمله.