نظرة خاطفة حول تعريف الشيوعية


زيد نائل العدوان
2026 / 9 / 24 - 08:35     

من المعروف أن تعريف الشيوعية يختلف من مذهب سياسي لآخر، ومن منظمة لأخرى، كما يختلف كذا الأمر بين مفكر وآخر، فكل فيلسوف ومفكر يرى الشيوعية من زاوية معينة دون الأخرى، بناء على تخصصه وتوجهه الفكري.
فالشيوعية، بما تمثله من تعارض مصالح سياسية، وبما تمثله من اختلاف بين الواقع والتطبيق، وبما يُعرَف عنها من اتساع مجالاتها وتعدد أقطارها، يختلف بذلك تعريفها من شخص لآخر، ولكن مع ذلك تبقى هنالك أركان أساسية لها لا يمكن تعريفها إلا بها.
ولكن، وقبل تعريف الشيوعية، ينبغي الذكر أنه من الأمور التي تلعب دورًا محوريًا في تعريف الشيوعية هي السياسات التي تبناها الاتحاد السوفيتي في تاريخه؛ إذ ساهمت هذه السياسات والخطوات الاقتصادية المتغايرة التي اتخذها الاتحاد السوفيتي كنهج له في أن يقدم تصورًا معينًا ومحددًا للشيوعية؛ بحيث يصبح يشار إليها بنمط معين، ولكن ينبغي القول، أن تعريف الشيوعية لا يقتصر على السياسات التي اتخذها الاتحاد السوفيتي، وإن كانت تتقارب معها في عدة أمور وتتشابه في أمور أخرى.
كما ينبغي الذكر كذلك، أنه يجدر التفرقة بين الممارسات الشيوعية في الاتحاد السوفيتي، وبين تعريف الشيوعية بشكل واضح، فالممارسات الشيوعية قد لا تطابق المفاهيم الشيوعية نظريًا؛ فقد يختلف ما يقوله ويطبقه الشيوعيون في روسيا عن الجوهر النظري للشيوعية؛ وذلك أمر طبيعي بنظري وموجود في كافة المذاهب السياسية والاتجاهات الاقتصادية، فالسياسة أحيانًا تفرض على الساسة أن يقوموا باتخاذ خطوات من الصعب تفسيرها أو من الصعب الدفاع عنها؛ لغايات برغماتية بحتة؛ ذلك أن السياسة علم براغماتي بحت.
ولذلك، نرى أن هنالك أفعال سياسية قد تخالف -بنظر البعض- التوجه الشيوعي، مثل سياسات ستالين في القطاع الزراعي في فترة ثلاثينات القرن المنصرم، فستالين عندما قام بحرمان الكثير من الطبقة المزارعة من أراضيها في أوكرانيا فسبب بذلك مجاعة، خالف بذلك الأمر الأساسي في الشيوعية وهو السعي إلى رفاهية الطبقة العاملة، ولكنه اتخذ هذا الأمر لسبيل مصلحة أكبر خاصة بالاتحاد السوفيتي إلا وهي استيلاء الدولة على الأراضي الزراعية كي يكون القطاع الزراعي بيدها، وهو يعد من أساسات الاقتصاد الشيوعي.
وفي هذا السياق، يمكن تعريف الشيوعية بوجهة نظري أنها عبارة عن:"مذهب سياسي اجتماعي اقتصادي، يُعنى برفاهية الطبقة العاملة بصورة أساسية، ويقوم على محاولة تفسير التاريخ البشري بشكل يخدم البروليتاريا ويعزز من مكانتها بالعالم"، فهذا التعريف يختصر بنظري أهم المفاهيم التي وُجِدَت من أجلها الشيوعية، فالشيوعية أتت كي تعزز من مكانة الطبقة العاملة، وتعمل على الإفادة من مؤهلاتها وقدراتها؛ ذلك أن كل فكرة بالشيوعية وُجِدَت من أجل الطبقة العاملة، ولذلك، فإن الشيوعية بالمقام الأول تعنى بالطبقة العاملة.
هذا مع ما يذهب بعض المعترضين له بخصوص المبادئ الشيوعية من أنها لم تُطبَق بشكل صحيح بالاتحاد السوفيتي البتة، فبالنسبة للتروتسكيين على سبيل المثال، فإن الحركة الشيوعية التي ينبغي أن تطبق الأساس النظري للمذهب الشيوعي والتي كان يُفترَض أن تمتد لكل العالم وتكون ثورة متعلقة بالصناعة، تحولت فيما بعد إلى مبادئ تخص الشرق الأوروبي، ويُطبَق عليها مبادئ الأحزاب الشمولية، لذلك، بنظر تروتسكي وأتباعه، فإن الستالينية خالفت المبادئ الشيوعية الأصلية.
ويمكن حسب بعض المنظرين وضع أربعة معايير لأي تعريف لـ(الشيوعية)؛ بحيث إذا التزم بالأربع معايير هذه فإن التعريف صحيح، وهذه المعايير هي:
1. أولها هو التقسيم الحزبي: إذ يجب أن يكون الحزب فيه مناصب متسلسلة وهرمية؛ بحيث يقود الأعلى درجة الأدنى درجةً ويمتثل الأدنى درجة لقرارات الأعلى بخصوص التنظيم السياسي والإداري للحزب.
2. الالتزام بالنهج والأسس الماركسية المختلفة والتي وضعها كارل ماركس وإنجلز: مثل الالتزام والاعتقاد بالمادية التاريخية والديالكتيك المادي والتاريخي، والذي طوره ماركس عن هيغل.
3. أن تستولي الدولة على كل المرافق الحيوية: مثل المرافق الاقتصادية على سبيل المثال، والتي تلعب دورًا كبيرًا في تسيير الدولة، فمثل هذه المرافق تضخ للدولة الكثير من الأموال والموارد التي تسمح للدولة باتخاذ قرارات مصيرية ومهمة.
4. أن تقارع الشيوعية المذاهب الإمبريالية والرأسمالية: وذلك لإن هذه المبادئ تخالف ما تسعى له الشيوعية بشكل أساسي، وهي أنها تحارب رفاهية الطبقة البروليتارية، وبالتالي يجب على الشيوعية أن تتصدى لهذه المبادئ حسب اعتقاد المفكرين الشيوعيين.