جريمة سامي أبو شحادة التي لا تُغتفر؟ أن يتحدث كفلسطيني في إسرائيل


جدعون ليفي
2026 / 9 / 24 - 04:47     

في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، نشر سامي أبو شحادة مقالًا في موقع «عرب 48» بعنوان: «طوفان الأقصى: ملاحظات أولية». قرأته للمرة الأولى يوم الأربعاء. تفحصته بعناية، ولم أجد فيه أي دليل على التحريض على الإرهاب، ولا حتى تلميحا إلى ذلك.
لا توجد فيه دعوة إلى العنف، ولا تمجيد لقتل اليهود. بل هو تحليل أولي للأحداث التي وقعت في البلدات الواقعة على حدود غزة. ويكشف النص أن كاتبه لم يكن قد استوعب بعد الحجم الكامل للمجازر المروعة، وأنه كُتب من منظور فلسطيني.
نعم، هناك شيء اسمه المنظور الفلسطيني. فالمنظور الفلسطيني للاحتلال، عموما، أكثر صدقا من المنظور الإسرائيلي. وعلى أي حال، لهذا المنظور مكان داخل الدولة اليهودية، حيث إن عددا غير قليل من سكانها هم أشخاص من أمثال سامي أبو شحادة.
لذلك، ليست لدي أدنى فكرة عما اعتذر عنه ولماذا اعتذر. هكذا يحدث عندما تنقضّ عصابة من المنافقين على شخص: ينتهي الأمر بالناس إلى الاعتذار حتى عن أشياء لا تستدعي منهم أي اعتذار.
والآن يُستخدم ذلك المقال باعتباره الدليل الأساسي لإقصائه ومنعه من الترشح للكنيست، في طقس يتكرر في كل انتخابات ضد حزبه، «بلد».
كتب أبو شحادة آنذاك أيضا أن من الواضح أن ما حدث كان حدثا تاريخيا. وهذا صحيح. وبعد سنوات من الحصار وإراقة الدماء، كتب أن ما حدث ينبغي ألا يفاجئ أحدا. وهذا صحيح أيضا. ثم كتب: «إذا كانت غزة الصغيرة المحاصرة قد نجحت في فعل ذلك، فإن آخرين يستطيعون فعل الشيء نفسه، وعلى النطاق ذاته».
استشهد إيتمار بن غفير, ذلك المحب للسلام، الملتزم بالقانون، الديمقراطي, بهذه الجملة في الالتماس الذي قدمه للمطالبة بمنع أبو شحادة من الترشح، وسارعت وسائل الإعلام إلى تشويه معناها بصورة خبيثة. لكن من الواضح أن أبو شحادة كان يشير إلى مفاجأة أجهزة الاستخبارات، وليس إلى المجزرة.
أما بقية تصريحاته فهي أيضا معتدلة وغير عنيفة تماما. فقد توقع أبو شحادة إراقة الدماء في غزة بوصفها فعلا انتقاميا، وأعرب عن أمله في أن تنضم التنظيمات الفلسطينية في نهاية المطاف إلى المسار الدبلوماسي، وسأل: «هل أضعف الفلسطيني شرط من شروط التطبيع؟»
أنا مستعد للتوقيع على كل كلمة وردت في مقال أبو شحادة. خطيئته الوحيدة هي هويته القومية.
وفي مواجهة موجة من الدعاية العنصرية في إسرائيل، التي حصلت على شرعية غير مسبوقة، يصبح من الضروري الحفاظ على حرية التعبير عن رأي مختلف، ما دام هذا الرأي لا يعرّض أحدا للخطر سوى كاتبه نفسه.
إن مجرد جرأة بن غفير على تقديم التماس لإقصاء أي حزب أمر يبعث على الغثيان. فالمواقف المرتبطة بحزب «عوتسما يهوديت» تتوافق مع أكثر أطراف اليمين الأوروبي تطرفا، إلى جانب أفكار تروّج لها حركات فاشية جديدة ونازية جديدة. لكن في إسرائيل، بن غفير هو المدّعي، وأبو شحادة هو المتهم.
وفي وقت يتسم فيه المناخ السائد في إسرائيل بدعوات صريحة وعلنية، تحظى بالشرعية، إلى ارتكاب جرائم حرب، فإن استهداف أبو شحادة تفوح منه رائحة عنصرية خانقة.
لنتذكر كلمات وزير الدفاع يوآف غالانت:
«لا كهرباء، لا ماء، لا وقود... نحن نحارب حيوانات بشرية ونتصرف وفقا لذلك».
ووزير الدفاع إسرائيل كاتس:
«لن يُدار أي مفتاح، ولن يُفتح أي صمام... هذا ما يجب فعله بشعب من القتلة وذباحي الأطفال».
وبن غفير:
«لا يوجد أبرياء في غزة... حياة جنودنا أهم من حياة أطفال العدو»، وكذلك:
«نحن بحاجة إلى القضاء على 30 أو 40 أو 50 إرهابيا كل ليلة».
هؤلاء الثلاثة يُعتبرون شرعيين.
أما أبو شحادة فهو أكثر ميلا إلى السلام من أي واحد منهم، بل وأكثر ميلا إلى السلام من غالبية الإسرائيليين، إذا جاز التعبير. فخطابه أكثر توجهًا نحو السلام بكثير من أي خطاب «وسطي» موجود في إسرائيل اليوم.
لقد أعرب عن أسفه على كلماته، لكن التعبير عن الندم لا يُقبل هنا إلا من اليهود.
فقد تحدث عميحاي إلياهو عن إسقاط قنبلة نووية على غزة، ومع ذلك سيعود إلى الكنيست.
ودعا يائير غولان إلى تجويع غزة (!)، لكن عندما اقتبس أميت سيغال كلامه، سارع غولان إلى القول:
«كانت الأيام التي أعقبت السابع من أكتوبر فترة من الصدمة. إن أخذ شيء قيل آنذاك واعتباره نوعا من الحقيقة المطلقة أمر إشكالي للغاية».
أما غولان اليوم، فهو يؤيد منع أبو شحادة من الترشح.