في نقد مقولة -التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي-: تعرية لانتهازية اليسار وتأصيل لموقفنا(2) -في الرد على عارف الاحمر-


سامر بن عبد السلام
2026 / 9 / 22 - 23:54     

سنجيب اليوم على نص السيد عارف الأحمر، والذي كُتب كردٍّ على نصنا السابق الذي فككنا فيه مسألة "التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي"، وكيف تُستخدم هذه الأداة التحليلية كسلاح من قبل الانتهازيين الذين لا يخلو يسارنا التونسي منهم. وجب التنبيه بدايةً إلى أن هناك فرقاً شاسعاً بين السجال الفكري والنصوص السجالية من جهة، وبين التهجم المجاني من جهة أخرى. يبدو أن السيد عارف الأحمر لا يدرك هذا الفرق، وربما يعود ذلك لقلة مطالعته للأدبيات الماركسية. فنصه، للأسف الشديد، مليء بالتهجم المجاني؛ إذ يمثل ثلثاه سباً وشتماً، بينما الثلث المتبقي عبارة عن طرح أسئلة دون تقديم أي تفكيك فعلي لفكرتي أو طرحي و هو ما يعد تستر بالاسئلة، حتى أنني كلما أحاول البدء في تتبع فكرة أصطدم بتهجم أو محاولة تقزيم، كل هذا لإيهام القارئ بأن النص الأول بلا قيمة. ولأننا لن ننحدر إلى هذا المستوى الابتذالي، سنتعامل مع أسئلته كمحاور تتطلب مزيداً من التوضيح والتأثيل النظري، لتكون وثيقتنا الأولى جزءاً أول، ويشكل هذا الرد تكملة وجزءاً ثانياً من الأطروحة النقدية.

اولا يدعي السيد عارف أن ماو تسي تونغ لم يقل حرفياً بتجميد التناقضات الثانوية، وهو هنا يمارس نوعاً من الخبث اللغوي والتلاعب المفاهيمي. صحيح أن ماو استعمل عبارات من قبيل "الاتحاد المؤقت" أو "تراجع التناقض"، لكن المتأمل في الأدبيات الماوية يكتشف صياغة زئبقية مزدوجة صُممت عمداً لتُستخدم بصورتين متناقضتين تماماً بحسب ما تقتضيه المناورة السياسية للبيروقراطية:

-استعمال المفهوم لشرعنة التبعية للبرجوازية وتجميد التناقض معها: حين أراد ماو تسي تونغ إخضاع البروليتاريا لسياسات التحالف وتنفيذ التنازلات الطبقية، نصّب تصوره ليبرر الذيلية والتوفيق الطبقي صراحة، كما في «حول المعالجة الصحيحة للتناقضات بين صفوف الشعب»:
"إن التناقض بين البروليتاريا والبرجوازية الوطنية هو تناقض بين المستغِلين والمستغَلين... غير أنه في الظروف المحددة لبلدنا، يمكن لهذا التناقض الطبقي أن يتحول إلى تناقض غير تناحري، وأن يُحل بأساليب سلمية عبر تقديم التنازلات المتبادلة وعدم إثارة الصراع الطبقي."

ولم يكتفِ ماو بذلك، بل ذهب إلى حد التنعيم الصريح للصراع الطبقي وإخضاعه للتحالف القومي مع البرجوازية، حين أكد في مقالته «موقع الحزب الشيوعي الصيني في الحرب القومية»:
"إن الصراع الطبقي يجب أن يخضع لمتطلبات الصراع القومي... وفي فترة الجبهة الموحدة، فإن كل تأكيد متطرف على الصراع الطبقي من شأنه أن يضر بالجبهة ويخدم العدو، ولذلك ينبغي تطويع مطالب العمال والطبقات الكادحة لكي لا تتعدى الحدود التي تقبل بها البرجوازية."

-استعمال المفهوم للادعاء الشكلي بالحفاظ على الاستقلالية والسيادة: وفي المقابل، وحين كان يقع تحت ضغط النقد الماركسي اللينيني للذيلية، كان يلجأ للطرف الآخر من المفهوم ليدعي الحفاظ على الاستقلالية التنظيمية والسياسية، كما يقول في «مسألة الاستقلال والمبادأة داخل الجبهة الموحدة»:
"إن مبدأنا هو الحفاظ الصارم على الاستقلال والمبادأة داخل الجبهة الموحدة... يجب أن يكون الاتحاد استقلالاً والاستقلال اتحاداً، ولا يجوز التضحية بأحدهما لحساب الآخر."

هذا التناقض المزدوج في الاقتباسات والممارسة يُثبت أن المفهوم الماوي للجبهة الموحدة والتناقض الرئيسي هو مفهوم حمال أوجه وزئبقي؛ يُستلّ منه اقتباس "الاستقلالية" تحسبا للرد على النقاد، بينما يُطبق واقعياً اقتباس "التبعية للبرجوازية وإخضاع مطالب العمال" لفرض الإذعان لطبقة الأعداء وتجميد الصراع معها.
بالطبع القارئ المتفطن هنا سيُصدم من النزعة الإرادوية التي تملأ نصوص ماو؛ إذ يتحدث عن عدم إثارة الصراع الطبقي وكأن الصراع الطبقي ساكن ونحن نختار أن نثيره أو لا نثيره! فالصراع الطبقي مثار بطبعه وعلى الحركة الثورية توجيهه لصالحها. ماو ينسى هنا أن التاريخ هو تاريخ صراع الطبقات، وأن الصراع في حركية متواصلة لأن طرفيه في حركية متواصلة؛ لذلك فإن محاولة تجميده من جانب واحد سياسياً ستؤدي إلى اختلال في موازين القوى، لأن هذه المقاربة لا تكترث إلى الطرف المقابل في العلاقة والذي سيواصل توجيه الصراع الطبقي لصالح نفسه.

و لننتقل الان الى النقطة الثانية في الرد و هي كارثة "التناقض غير التناحري"
إن التمييز بين "التناقض" و"التناحر" لم يظهر في الفكر الماركسي إلا في كتابات لينين المتأخرة (تحديداً في ملاحظاته على كتاب بوخارين «اقتصاد فترة الانتقال»). غير أن لينين وضع هذا التمييز في إطاره المادي الصارم حين قال إن "التناحر والتناقض ليسا شيئاً واحداً؛ ففي الاشتراكية يختفي الأول ويبقى الثاني".
لقد ربط لينين اختفاء التناحر بشرط مادي موضوعي حاسم: وهو موازين القوى وعلاقات الإنتاج وطبيعة الطبقة الحاكمة. يختفي التناحر فقط حين تتولى الطبقة العاملة السلطة السياسية، وتمارس هيمنتها الثقافية والسياسية، وتُعيد إنتاج علاقات الإنتاج وفق مصالحها وتصورها في نمط الإنتاج الاشتراكي وتنهي وجود الطبقة البرجوازية؛ إذ تكون موازين القوى حينها تصب في صالح الطبقة العاملة والمجتمع الاشتراكي.
أما في الأنماط المسبقة للاشتراكية (كالنمط الرأسمالي أو الإقطاعي)، حيث السلطة السياسية والهيمنة في يد الطبقة المستغِلّة (البرجوازية)، فإن التناقض بين الطبقات هو تناقض تناحري بالضرورة ولا يمكن إسقاط صفة التناحر عنه. وهنا يكمن انحراف ماو تسي تونغ وتشويهه للطرح اللينيني؛ إذ اعتبر ماو أن التناقضات يمكن أن تكون "غير تناحرية" حتى في الفترات البرجوازية والأنماط الرأسمالية والإقطاعية!
إن طرح مسألة التناحر والتناقض وتجريدها من محدد "موازين القوى" وعلاقات الإنتاج الحاكمة يصب بالضرورة في صالح أعداء الطبقات الكادحة والقوى الثورية؛ لأن تجريد التناقض من طبيعته التناحرية تحت حكم البرجوازية هو تجريد للعمال من سلاحهم الطبقي وإخضاعهم لهيمنة رأس المال.
تجدر الإشارة هنا إلى أننا مرة أخرى أمام نزعة إرادوية يعاني منها النص الماوي وابتعاد كلي عن المادية الجدلية؛ فالتناحر هو نتاج للعلاقات الموضوعية، فمثلاً علاقة البروليتاري بالرأسمالي هي علاقة تناحرية نظراً لأن تراكم ثروة الرأسمالي ناتج عن سلب القيمة المضافة من البروليتاري، وليست مسألة اختيارية أن نجعلها تناحرية أم لا.

نمر الان الى النقطة الثالثة في هذا الرد و هي جدلية التكتيك والاستراتيجية مقابل التجميد الطبقي
لقد ميز لينين وتروتسكي بوضوح بين التكتيك والاستراتيجية؛ فهناك عدو استراتيجي وهدف استراتيجي، وتوجد خطوات تكتيكية محددة فرضها الظرف المادي القائم. إلا أن التكتيك لا ينفصل بحال عن الاستراتيجية ولا يجوز تحت أي مسمى تكتيكي تجميد التناقض الطبقي أو اعتبار تناقض موضوعي قائم مجرد "تناقض ثانوي" يُلغى بقرار إرادوي.
إن تجميد الصراع الطبقي بحجة التركيز على "تناقض رئيسي" يخدم حتماً الطبقة الحاكمة؛ إذ يمنحها فرصة مراكمة رأس المال وإحكام سلطتها بينما تُشل حركة البروليتاريا. التكتيك الثوري اللينيني يقوم على اقتناص لحظات ضعف العدو ومهاجمة "الحلقة الأضعف"، مع الحفاظ التام والكامل على الاستقلال السياسي والأيديولوجي للطبقة العاملة، وليس على تخدير الجماهير بأوهام "الاتحاد المؤقت" والتناقضات غير التناحرية.

يتحدث السيد عارف عن أن ماو اكد على ان طرفي التناقض يغيران مكانهما باستمرار وهو كلام لا خلاف عليه، وهذا التأكيد ليس ماوياً بل هو تأكيد ماركسي مادي جدلي. النقطة التي أثرتها أنا هي كيفية توجيه التناقض بطريقة تجعل الحركة الثورية هي الحركة المهيمنة في هذه العلاقة. وهنا وجب عليّ التطرق لمسألة التراكم الكمي، والتي بالمناسبة تم إهمالها من قبله ليس سهواً أو نقصاً غير متعمد، بل لمواصلة صياغة نظرية حمالة أوجه. فالاتحاد المؤقت، وعدم إثارة الصراع الطبقي، وإقامة علاقة مع النقيض غير تناحرية، وعدم الخروج عن الإطار الذي ترسمه البرجوازية، وغيرها من هذه العبارات والتعبيرات لا يمكن توفيقها مع توجيه التراكم الكمي لصالح الحركة الثورية، والذي يقتضي التناحر في الباطن وبالتالي تناحراً في الظاهر، أي أنه حتى في الخيارات التكتيكية التناحر لا يختفي بل يُخفف.

وسنقدم الآن استشهادات تؤكد رؤيتنا، وهي أن ماو لم يطرح مسألة توجيه التراكم الكمي لأنه يعلم أن مجمل رؤيته تقتضي مواقف تضر بالحركة الثورية في عملية التراكم الكمي، بل وتوجه هذا الأخير لصالح الخصم في بعض الأحيان:
-إلزام الفلاحين بدفع الإيجارات للإقطاع وحماية ملكيتهم: "يُُلزم الفلاحون بدفع الإيجار والفوائد لملاك الأراضي، وتُضمن لملاك الأراضي حقوقهم في الملكية وحقوقهم المدنية..." (قرار اللجنة المركزية بشأن سياسة الأراضي في القواعد المناهضة لليابان، 1942).
-التعهد بحماية التراكم الرأسمالي وعدم مصادرته: "لن تصادر الجمهورية الملكية الخاصة الرأسمالية بوجه عام، ولن تحظر تطور هذا النوع من الإنتاج الرأسمالي..." (مختارات من مؤلفات ماو تسي تونغ، المجلد الثاني، "حول الديمقراطية الجديدة")
-رهن قرار الحركة الثورية بموافقة البرجوازية: "إذا لم يوافق الكومينتانغ، فلا ينبغي لنا الإقدام على ذلك... يجب علينا ضمان موافقة الكومينتانغ..." (مختارات من مؤلفات ماو تسي تونغ، المجلد الثاني، "مسألة الاستقلال والمبادرة داخل الجبهة المتحدة")
هذه التنازلات المادية هي ما يفسر الكوارث الاستراتيجية تاريخياً؛ حيث تجد القوى الشيوعية نفسها في نهاية التحالف وقد قُضي على استقلاليتها وتعاظمت قوة خصمها "الثانوي" (كما حدث لحزب تودة الإيراني والحزب الشيوعي الإندونيسي، وكما حدث في تجربة هيئة 18 أكتوبر في تونس حين غُذيت الحركة الإسلامية بالشرعية المدنية على حساب اليسار).

بعد كل هذه الاستشهادات يجب التاكيد مرة اخرى على وجود رابط مادي بين نفي التناحر وتوجيه التراكم الكمي لصالح العدو الطبقي
إن التناحر صفة موضوعية وليس تحديداً ذاتياً؛ فالتناحر ينبع من جوهر علاقات الإنتاج نفسها. لذلك لا يمكن نفيه اختيارياً بقرار سياسي، بل إن نزع التناحر عن علاقة التناقض لا يتم إلا عندما نثوّر علاقات الإنتاج ونحقق الاشتراكية بتحقيق المجتمع اللاطبقي وترسيخ ديكتاتورية البروليتاريا.
لذا، فإن نفي التناحر على مستوى الموقف السياسي يوجه التراكم الكمي حتماً لصالح العدو؛ لأن التناحر موضوعياً يظل متواصلاً في الواقع. فالرأسمالي مثلاً يستمر في استنزاف الطبقة العاملة وسلبها القيمة المضافة ومراكمة ثروته وسلطته الطبقية، بينما تُشَلّ حركة الطبقة العاملة وتُجرّد من سلاحها لأن "الرفيق القائد الملهم ماو" قرر إرادوياً نزع صفة التناحر عن العلاقة!
هذا التناحر المتواصل واقعياً والمغيب أيديولوجياً هو ما يفسر عدم تطرق ماو، وعدم إعطائه أي أهمية لمسألة "اتجاه التراكم الكمي"؛ لأنه لو تطرق إليها صراحة لتصادمت مباشرة مع اكتشافه "العظيم" المتمثل في نفي التناحر عن التناقض تحت حكم البرجوازية. وهو ما نراه بشكل فج في اقتباساته المذكورة أعلاه، والتي يذهب فيها إلى إضعاف الكادحين وتسهيل عملية التراكم بالنسبة للرأسمالي بحجة "نزع التناحر" وأولوية "الصراع القومي" وفصله التعسفي عن الصراع الطبقي.

أما عن الأسئلة التي طرحها عارف وهي: لكن كيف يمكنه تحديد كل ذلك دون تحديد التفاوت بين التناقضات والقوى؟ كيف يعرف أين يركز التراكم؟ كيف يعرف أي تناقض يسمح بتجميع القوى وأي تناقض تؤدي إلى تبديدها؟ كيف يعرف أي قوة يمكن أن تكون حليفاً مؤقتاً وأي قوة ينبغي مواجهتها؟ كيف يعرف متى يتحول تناقض ثانوي إلى رئيسي؟
فما دار في ذهني وأنا أقرأ النص: هل يعلم السيد عارف الأحمر أن هناك ماركسية ثورية تعمل على تغيير الواقع وتحلل موازين القوى واتجاه التراكم قبل كتابة ماو لأطروحته أم لا؟ سأجيب عن هذه الأسئلة من خلال قياداتنا التاريخية الذين أجابوا دون أن يصيغوا مفهوم التناقض الرئيسي والثانوي:
اولا في الرد على ادعاء "كيف يحدد التراكم وميزان القوى دون تحديد التفاوت بين التناقضات؟ وكيف نرد على أن التناقض الرئيسي ينظم الدراسة؟": يحدد التراكم و موازين القوى عن طريق دراسة ميزان القوى من خلال الاستقراء المادي اللحظي والموضوعي للواقع، وليس عبر فرض تناقض مركزي مسبق.
"إن الماركسية تتطلب منا تقديراً دقيقاً للغاية، وممتحناً بشكل موضوعي، لميزان القوى الطبقية وللخصائص الملموسة لكل لحظة تاريخية." — (لينين، رسائل حول التكتيك). اللحظة التاريخية بخصائصها الملموسة هي التي تحدد التفاوت، لا مقولة "التناقض الرئيسي".

اما الاجابة عن سؤال كيف يعرف أين يركز التراكم؟: فالرد هو كالاتي: ان التراكم يُركز في المساحات التي تسمح بتوسيع النفوذ وتعديل ميزان القوى داخل المجتمع قبل صدام السلطة. مثلا عند غرامشي يُركز التراكم في "المجتمع المدني" وبناء الهيمنة (حرب المواقع)، وليس بالضرورة في مركز تناقض اقتصادي أو سياسي واحد متعسف.
"تُترجم حرب المواقع إلى تعبئة غير مسبوقة وتراكم مستمر للقوى، حيث يتطلب الأمر صبراً استراتيجياً لبناء الهيمنة وتعديل ميزان القوى داخل المجتمع المدني." — (غرامشي، كراسات السجن).

وعن سؤال كيف يعرف أي صراع (تناقض) يسمح بتجميع القوى وأيها تؤدي إلى تبديدها؟: فنجيب بالقول ان الصراع الذي يجمع القوى يُعرف من خلال الممارسة العضوية للحركة الجماهيرية نفسها وتصاعد وعيها، بينما التبديد يأتي من افتعال معارك لا يدعمها ميزان القوى (حتى لو كانت ضد ما يسمى بالعدو الرئيسي). "من خلال هذه الصدامات العملية المتكررة، لا يتم فقط اختبار موازين القوى الفعلية، بل تتراكم تدريجياً الخبرات السياسية والتنظيمية للبروليتاريا." — (لوكسمبورغ، الإضراب الجماهيري).
"إن مهمتنا الرئيسية هي الحفاظ على هذا النمو المستمر لتراكم قوانا... وعدم استنزاف هذه القوى المتصاعدة في معارك سابقة لأوانها." — (إنجلز، مقدمة النضالات الطبقية في فرنسا).

اما عن سؤال كيف يعرف أي قوة يمكن أن تكون حليفاً مؤقتاً وأي قوة ينبغي مواجهتها؟ فتحديد الحلفاء لا يحتاج لتعريفهم ضمن خانة "تناقض ثانوي"، بل يُحدد بمدى استغلال الخلافات بين الخصوم لتوسيع رقعة التراكم والحركة.
"لا يمكن الانتصار على عدو أشد بأساً إلا... بالاستفادة بحرص وعناية... من أدنى صدع بين الأعداء، ومن كل تضارب في المصالح بين فصائل البرجوازية... وكذلك بالاستفادة من كل فرصة لكسب حليف جماهيري، حتى وإن كان مؤقتاً ومتردداً وغير مستقر." — (لينين، مرض "اليسارية" الطفولي). فالحليف المؤقت يُعرف بكونه "فرصة ميدانية" لتوسيع الصدع الملموس بين الأعداء لتعديل ميزان القوى الكلي، لا بكونه استجابة نظرية لمعادلة رياضية عن التناقضات.

و فيما يتعلق بكيفية معرفة متى نغير مسار المواجهة، فهذا يعود لتحليل موازين القوى وفهم المسائل وتحليلها في إطارها الكلي، وهو ما سيمكننا من رصد الخصائص المرتبطة بكل لحظة تاريخية. ولنأخذ مثال قياداتنا: لينين وتروتسكي والبلاشفة، وانتقالهم من مرحلة «شيوعية الحرب» إلى «السياسة الاقتصادية الجديدة» (النيب) عام 1921. فمع ضراوة الحرب الأهلية، اتخذ البلاشفة قراراً يقضي بضرورة تجميع القوى لتقوية الدولة الثورية الناشئة أمام الجيش الأبيض والجيوش الغازية، مما أدى لتحقيق التراكم المركزي الحاد لسلطة الدولة والاقتصاد؛ فصُودرت المصانع وعُسكر العمل وصُودرت محاصيل الفلاحين لإطعام المدينة والجيش الأحمر. ورغم ما حققه قياداتنا من انتصار تاريخي بقيادة الجيش الأحمر وعلى رأسه القائد ليون تروتسكي، إلا أنه ونتيجة لمصادرة المحاصيل انهار الاقتصاد الزراعي وانتفض الفلاحون ضد البلاشفة رغم مساندتهم في بداية الثورة. هنا فهم القائد لينين أن التراكم المركزي الاشتراكي سيحطم التحالف العمالي الفلاحي، وهو ما قد يوجه ضربة قاضية للثورة. موازين القوى لم تعد تسمح بمواصلة نفس النهج، وحتى نحافظ على الثورة كان على البلاشفة تقديم تنازلات وتخفيف التراكم في هذا الاتجاه؛ فأوقفوا مصادرة المحاصيل وسماحوا للفلاحين ببيع فائض محاصيلهم في السوق، كما أعادوا بعض الشركات الصغرى الخاصة للسوق وذلك للتهدئة مع الفلاحين وكسب الوقت واستعادة الدور المسيطر في ميزان القوى السياسي. لا تناقض رئيسي، ولا تناقض ثانوي، ولا تناقض يحدد الصراع الطبقي، ولا كل هذه الترهات؛ كل ما في الأمر هو الممارسة السياسية وتحليل موازين القوى وتحديد صفات اللحظة التاريخية.

بعد تفكيك رد عارف والرد على أجزائه المختلفة، بقي جزء أخير وهو ادعاء عارف أن الممارسة الخاطئة لا تعني وجود عيب في النظرية، حيث قدم مثالاً مفاده أن المهندس عندما يخطئ في مسألة معينة، فإن ذلك لا يعني أن المعادلات المستخدمة خاطئة؛ وهو كلام لا يختلف اثنان على صحته شكلياً.
وكلام عارف حول كيف أن الممارسة هي التي تقيّم النظرية هو كلام صحيح أيضاً. غير أن ما حاولنا القيام به في النص الأول وفي هذا النص، هو أن نبين أن الممارسة السياسية والاعتماد على مقولة "التناقض الرئيسي والثانوي"، وما أدى إليه ذلك من كوارث حلت بالحركات الشيوعية، ليس مرتبطاً بخلل في التطبيق الميداني بل بالفكرة في حد ذاتها.
فالقول بغياب التناحر بين الطبقات في المجتمعات السابقة للاشتراكية، وإطلاق مصطلح "الاتحاد المؤقت"، وما يستوجبه من إهمال اتجاه التراكم الكمي في علاقة التناقض وفصل الظاهر عن الباطن، كلها أفكار تجعل هذه النظرية أداة ممتازة بيد الانتهازيين لتبرير انتهازيتهم وتقديمها في صورة ثورية.

لذلك، يجب التأكيد على أن الكوارث العملية التي تسببت بها هذه النظرية لا تعود إلى نقص في فهم هذه الاطروحة الماوية، بل إنها تعبير أصيل عن انتهازيتها وإصلاحيتها.

خاتمة وملاحظتان أساسيتان
ويبقى التنويه في الخاتمة إلى ملاحظتين أساسيتين:
الملاحظة الأولى: إن نقدنا الممتد عبر هذين النصين لا يتوجه حصراً إلى الأحزاب والتنظيمات الماوية، بل يشمل كل الأحزاب والقوى السياسية التي تتبنى هذه الأطروحة وتستند إليها في التحليل والممارسة، حتى وإن لم تُعرّف نفسها رسمياً كأحزاب ماوية.
الملاحظة الثانية: إننا لم نتوسع في هذا النص في الاستعراض التفصيلي للتجارب التاريخية لكثرتها وتشعبها؛ بدءاً من تجربة حزب تودة الإيراني، والحزب الشيوعي الإندونيسي، والحزب الشيوعي الصيني نفسه، مروراً بالأحزاب الشيوعية العربية التي ارتمت في أحضان الديكتاتوريات واستسلمت لها (كالحزب الشيوعي السوري)، وصولاً إلى الأحزاب التي أقدمت على التحالف مع الإسلام السياسي وتبييض صفحتها على حساب اليسار والبروليتاريا (كحزب العمال التونسي).