التخلف والتبعية وآثارهما على التطور الرأسمالي في معظم بلدان الوطن العربي كظروف أدت الى هيمنة بورجوازية الكومبرادور
غازي الصوراني
2026 / 9 / 22 - 22:11
إن ظهور هيمنة البورجوازية الكومبرادورية والطفيلية وتحالفها مع البيروقراطية المدنية والعسكرية الحاكمة، ورموز الأنماط القبلية وشبه الإقطاعية في معظم بلدان الوطن العربي في الظروف الراهنة، يشير الى الدور الثانوي للاختلاف التاريخي في نشأة الشرائح الرأسمالية ، التي توحدت اليوم في شكلها ومضمونها العام وأهدافها المنسجمة مع مصالحها الأنانية الضارة، عبر نظام تابع، ومتخلف، يسود ويتحكم في مجمل الحياة السياسية والاجتماعية، كظاهرة عامة، تتجلى فيها بوضوح، الأزمة الاجتماعية العربية الراهنة، بتأثير هذا التداخل العميق والمعقد لرموز الأنماط القديمة والحديثة، ومصالحهم المتشابكة في إطار من العلاقات الاجتماعية المشوهة التي تمتزج فيها أشكال الحداثة وأدواتها مع قيم التخلف وأدواته، ساهمت في إضفاء شكلٍ ومضمونٍ خاصٍ ومتميز للواقع الاجتماعي العربي وتركيبته وخارطته الطبقية، بحيث بات من المفيد مراجعة استخدامنا للمصطلحات الغربية، مراجعة موضوعية ونقدية كي لا نعيد تطبيقها على واقعنا بصورة ميكانيكية، كما فعلنا في المرحلة السابقة، خاصة مصطلح »البورجوازية«، عند تناول الشرائح والفئات الرأسمالية في بلداننا التي تشكلت تاريخياً –و إلى الآن- من هذا المزيج أو التنوع الاجتماعي المشوه غير المتجانس أو المفكك سواء في جذوره ومنابعه القديمة، أو في حاضره ومستقبله، فمصطلح »البورجوازية« وغيره من المصطلحات التي تحدثت عن تطور التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية وتسلسلها من المشاعية الى العبودية الى الإقطاع الى الرأسمالية، والتي تطابقت مع مضمون التطور الرأسمالي في البلدان الصناعية الغربية، تكاد تكون مصطلحات غريبة في واقعنا وشكل تطوره المشوه، خاصة وأنها لم تنشأ بصورة طبيعية في واقع تطور بلداننا من جهة ، ولم تتغلغل في الوعي العفوي أو الاعتيادي للجماهير، وكذلك في صفوف القواعد الحزبية العربية كمفاهيم تحفيزية أو رافعة للوعي السياسي والطبقي من جهة ثانية ، لكون هذا المصطلح أو المفهوم مصطلحاً يكاد يكون وافداً، غريباً، نظراً لعدم تبلور الإطار أو الوضع الطبقي في بلادنا بصورة محددة، التي يمكن أن يجسدها أو يعبر عنها أو يشير إليها ذلك المصطلح من جهة، ونظراً لما ينطوي عليه أو يتضمنه هذا المفهوم من إعلان ولادة وتشكل طبقة جديدة هي »البورجوازية« في بلدان أوروبا الغربية كطبقة قائدة لمرحلة جديدة، حملت معها مشروعاً نهضوياً حضارياً عقلانياً تطورياً مادياً هائلاً، عجّل في توليد التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية ومفاهيمها المتطابقة معها من جهة أخرى، وفي هذا السياق اؤكد أن المطالبة بمراجعة المصطلحات ذات الطابع التطبيقي لا يعني مطلقا التطرق الى النظرية الماركسية ومنهجها، والتي نشعر بالحاجة الماسة الى إعادة دراستها وتعميق الالتزام بها في هذه المرحلة وفي المستقبل.
إن تناولي لهذه الرؤية التحليلية، لا يعني أنها دعوة إلى وقف التعامل مع هذه المصطلحات، بقدر ما هي دعوة للبحث عن مصطلحات ومفاهيم معرفية أخرى إضافية تعكس طبيعة ومكونات التركيب الاجتماعي /الطبقي في بلادنا العربية، بما يلغي كل أشكال الغربة أو الاغتراب في المفاهيم التي سبق استخدامها بصورة ميكانيكية أو مجردة، بحيث نجعل من التحليل النظري والاجتماعي لواقعنا، في سياق العملية السياسية، أمراً واضحاً ومتطابقاً في كل مفاهيمه ومصطلحاته مع هذا الواقع الشديد التعقيد، الذي يشير إلى ان التطور في بلداننا ما زال محكوماً بدرجات متفاوتة لعوامل التخلف والتبعية والطائفية والغرق في التراث الماضوي ، ما يعني ان التطور الاجتماعي الاقتصادي في بلداننا ليس بنياناً عصرياً على الرغم من قشرة الحداثة فيه، بل هو أقربالى أن يكون في كثير من مواصفاته بنياناً قديماً على الرغم من قشرة الحداثة، وهو أيضاً نمط هجين من التطور قائم بذاته، فقد عنصر التوازن أو الاستقلال الذاتي رغم انتشار العلاقات الرأسمالية فيه لكنها رأسمالية تابعة، وبالتالي أصبحت حركة تطور معظم مجتمعاتنا وبلداننا مرهونة بحركة غيرها .
لذلك لا بد من إزالة اللبس والخلط في المفاهيم، الذي ساد طويلاً في الكتابات العربية، وأسهم –إلى حد ما- في تكريس حالة الإرباك الفكري في أوساط الأحزاب والفصائل التقدمية العربية وعَزَلها عن الجماهير، وليس معنى ذلك، أننا ندعو إلى تكيف الوعي الطليعي العربي المنظم، لمتطلبات الوعي العفوي الجماهيري، بالعكس، إنها دعوة –أو وجهة نظر- تستهدف التعامل مع الوعي العفوي بمنهجية ومفاهيم تعكس تفاصيل الواقع المعاش وتعبِّر عنه بصورة جدلية تدفع به الى التطور والنهوض، انطلاقاً من قناعتنا بمقولة ماركس -في مقدمته لرأس المال- »قل كلمتك وامشِ ودع الناس يقولوا ما يقولون«.