نيكولاي بوخارين: التنظيم الاقتصادي في روسيا السوفييتية (مقال مُترجَم)


حسين محمود التلاوي
2026 / 9 / 18 - 08:26     

هذا المقال من النسخة الإنجليزية لموقع الأرشيف الماركسي على الإنترنت https://www.marxists.org / marxists internet archive - mia.
نيكولاي بوخارين — 1922
التنظيم الاقتصادي في روسيا السوفييتية

النشر: في صحيفة Die Rote Fahne، في 8 مارس 1922.
المصدر: The Living Age، يوليو–سبتمبر 1922.
حقوق النسخ: المشاع الإبداعي (النسبة والمشاركة بالمثل) - marxists.org - 2006
كتابة: بريان ريد.

يطلق الناس عادةً على النظام الاقتصادي الذي يتطور الآن في روسيا اسم "رأسمالية الدولة". غير أن علاقاتنا الاقتصادية معقدة إلى حد لا يمكن معه احتواؤها في مفهوم واحد. كما أن مفهوم "رأسمالية الدولة" لا يحمل في مؤلفات الاقتصاد السياسي المعنى نفسه الذي اكتسبه مؤخرًا في روسيا. ولذلك أقترح أن أصف الأشكال الاقتصادية المختلفة التي تتطور الآن في بلادنا.

مشروعات الحكومة البروليتارية: تشمل هذه المشروعات المؤسسات التي أممتها الحكومة البروليتارية. وهي احتكار للدولة. غير أنها ليست احتكارات رأسمالية للدولة؛ إذ إن البرجوازية، في حالة رأسمالية الدولة، هي التي تكون، باعتبارها صاحبة السيطرة على الحكومة، المالكة الحقيقية للمشروع. أما في حالتنا، فالطبقات العاملة هي مالكة المشروعات التي جرى تأميمها. وبما أن أشكال الإنتاج تتحدد بطبيعة الملكية، فمن الواضح تمامًا أننا لا نستطيع أن نطلق على المشروعات المملوكة لحكومة العمال اسم مشروعات رأسمالية للدولة.
ومن ناحية أخرى، فهذه المشروعات ليست وحدات إنتاج اشتراكية بالمعنى الدقيق للكلمة؛ إذ إن الاقتصاد الاشتراكي يفترض، بطبيعة الحال، نظامًا كاملًا ومنسجمًا للإنتاج والتوزيع. أما في روسيا، ولا سيما في ظل الظروف التي نعمل فيها الآن، فإن وجود خطة منتظمة ومنسجمة للإنتاج، تتلاءم مع احتياجات البلاد الاستهلاكية، لا يحظى إلا بأهمية ثانوية.
وكون مشروعاتنا تحاكي أساليب المشروعات الرأسمالية، وتدفع أجورًا، وتبيع منتجاتها في السوق، لا يجعلها رأسمالية من حيث الملكية.

المشروعات المختلطة: تشمل هذه المشروعات مؤسسات تملك الحكومة البروليتارية جزءًا منها، بينما يملك رأس المال الخاص الجزء الآخر. ففي هذه المشروعات المختلطة المزعومة، بينما تعود ملكية بعض الأسهم إلى الحكومة، يمكن أن تعود الأسهم الأخرى إلى ملاك أجانب أو روس.
ومن الواضح أن هذه المشروعات ليست صناعات تابعة للدولة، وليست كذلك صناعات رأسمالية خالصة؛ فكل من الرأسماليين وحكومة العمال يمتلك أسهمًا فيها. وتتلقى حكومة العمال جزءًا من الأرباح، بينما يحصل المستثمرون من القطاع الخاص على الجزء المتبقي.
وخلال التطور المستقبلي لهذه المشروعات، سيستمر صراع دائم بين الحكومة والملاك الخاصين من أجل السيطرة عليها. وكلما ازدادت قدرة البروليتاريا على إدارة الصناعة، تضاءلت أهمية الملكية الخاصة. فإذا لم نرتكب أخطاء، فستحصل الحكومة على حصة متزايدة في هذه المشروعات، بالطريقة نفسها التي تسيطر بها البنوك الكبرى والتكتلات الاحتكارية، في بلد رأسمالي، على عدد هائل من المشروعات الأصغر.

الامتيازات والمشروعات المؤجرة: تنتمي المشروعات من هذا النوع، كقاعدة عامة، إلى حكومة العمال. غير أن هذا ليس أمرًا حتميًّا؛ إذ يستطيع أصحاب الامتيازات والمستأجرون أن يستوردوا الآلات، ويقيموا مباني جديدة، ويوسعوا منشآتهم ويطوروها بوسائل أخرى، وبذلك يصبحون مالكين لجزء منها.
غير أن رأس المال الجديد، في أغلب الحالات، ستوفره حكومة العمال. وفي هذه الحالة أيضًا ستقسم الأرباح إلى قسمين، وسيظهر أثر تقلبات الصراع الطبقي في الحصص النسبية التي تحصل عليها حكومة العمال والمستثمرون الخاصون من هذه الأرباح.

المشروعات الخاصة الخاضعة لتنظيم الحكومة البروليتارية: هذه مشروعات خاصة بالمعنى الدقيق للكلمة؛ أي مشروعات يملكها رأسمالي واحد أو مجموعة من الرأسماليين.
وسيخضع نمو هذه المشروعات لتنظيم، بدرجات متفاوتة، من جانب البنك الوطني، ونظام الائتمان الوطني، والعملة الوطنية، والتشريعات المباشرة التي تضعها الحكومة البروليتارية.

المتاجر الخاصة الصغيرة ومجموعات المتاجر المماثلة: تشمل هذه الفئة الوحدات الاقتصادية الصغيرة، والمنتجين الصغار، وورش الحرفيين، والصناعات الريفية، وهي التربة التي تنشأ منها الرأسمالية الخاصة.
وتحتوي هذه الوحدات الاقتصادية على جميع عناصر مرحلة ما قبل الرأسمالية، وينطبق ذلك بصفة خاصة على تلك الموجودة في المناطق الحدودية الشرقية.
ومن الطبيعي أن تؤدي حرية التجارة، مع وجود عدد كبير نسبيًّا من المنتجين الصغار المستقلين، حتمًا إلى اتساع نطاق الإنتاج الرأسمالي وإلى التكوين التدريجي لمجموعات مهمة من الرأسماليين، بحيث تصبح هذه المجموعات قادرة على منافسة المشروعات التابعة للدولة بصورة خالصة، وكذلك المشروعات ذات الطابع المختلط المشار إليها أعلاه.
هذه، بصورة تقريبية، هي جميع أشكال الإنتاج الموجودة حاليًا في الأراضي الخاضعة للحكومة السوفييتية.
ولا يمكنني أن أنهي هذا الموضوع من دون الإشارة إلى مسألة بالغة الأهمية.
إن البنية الاقتصادية لروسيا بأكملها، إذا نظرنا إليها كوحدة واحدة، تواجه في السوق العالمية أنظمة رأسمالية كبرى. يقود هذا إلى الوضع الآتي: قد تؤدي ظروف السوق العالمية إلى انتقال جزء من فائض القيمة المتولد في روسيا، بما في ذلك الفائض المتولد في المشروعات الحكومية الخالصة، إلى جيوب البرجوازية الأجنبية.
فالمدفوعات التي يتعين علينا تقديمها إلى الحكومات الأجنبية، والخسائر التي نضطر إلى تحملها نتيجة ضعف تنظيمنا الاجتماعي بأكمله عندما نتعامل مع البلدان الأخرى، ستتخذ هذا الشكل.

لذلك يبدو أن حتى المشروعات التي تقع بصورة حصرية في أيدي العاملين ستضطر إلى تقديم جزء من أرباحها إلى الآخرين. غير أن هذا الوضع، الناجم عن ضعف موقف روسيا المؤقت في الاقتصاد العالمي، لا يمثل بأي حال دليلًا على أن الصناعة الحكومية لدينا ذات طابع رأسمالي. وإنما يثبت فقط أن عمليات تطورنا الاقتصادي تمثل أيضًا خطوات إلى الأمام في الصراع الطبقي.
وفي روسيا، اتخذ هذا الصراع شكل المنافسة من أجل الحصول على امتيازات وإيجارات أكثر تحررًا، وشكل الصراع من أجل زيادة الإنتاج، والحصول على نصيب من السيطرة الفعلية التي يتمتع بها الملاك الخاصون في المشروعات ذات الطابع المختلط.
أما في الخارج، فيتجلى هذا الصراع في المنافسة من أجل إبرام معاهدات تجارية مواتية، ووضع تعريفات جمركية ملائمة، والحصول على شروط قروض أفضل، وإبرام صفقات بين الشركات الفردية والمشروعات التابعة للدولة في روسيا من جهة، والشركات الخاصة في الخارج من جهة أخرى.
ومع ذلك، فمن المحتم أن تزداد حصة حكومة العمال من فائض القيمة الذي تنتجه صناعات روسيا السوفييتية.
أما إذا هُزمت البروليتاريا في هذا الصراع الطبقي، فإن الرأسماليين في الداخل والخارج سيخفضون حصة العامل إلى الصفر.
وترى الأدبيات الاقتصادية في أوروبا الغربية أن رأسمالية الدولة هي الشكل الأعلى للرأسمالية، عندما تكون في أيدي حكومة برجوازية، وأنها أكثر أشكال التنظيم الرأسمالي اكتمالًا وقوة التي يمكن تصورها للطبقات الرأسمالية.
أما رأسمالية الدولة لدينا، فهي بطبيعة الحال نقيض ذلك تمامًا. ولكن من الطبيعي أيضًا أن هذا النوع من رأسمالية الدولة الموجود في روسيا يمكن أن يتحول بسهولة إلى نوع رأسمالية الدولة الذي ينشأ في ظل حكومة برجوازية، إذا فقدت الطبقات العاملة السلطة في روسيا.
غير أننا على ثقة بأن هذا لن يحدث.
فإذا انتصرت البروليتاريا في هذا الصراع الطويل والشاق، فإن أكثر مجموعات الرأسماليين كفاءة ستكون قد أدت، خلال فترة احتضان النظام الاقتصادي الجديد، دور الخبراء الرأسماليين، ومن ثم تكون قد عملت، رغمًا عنها، لمصلحة الطبقات العاملة.
وفي الوقت الحاضر يتميز نظام الحياة الاقتصادية في الجمهورية السوفييتية بالتنوع الكبير في المشروعات، ولا بد من تذكُّر هذا دائمًا.