بفضل هستيريا «نازا».. إسرائيل تتحدث أخيرا عن غزة
جدعون ليفي
2026 / 9 / 17 - 04:47
لقد أثار الفيلم الوثائقي عن غزة ضجة عارمة في أنحاء البلاد. فبعد سنوات من القمع والإنكار والأكاذيب، ومن اللامبالاة وعدم الاكتراث، انفجر القيح في تيار جارف. وهذه عملية صحية، حتى وإن اشتملت على مظاهر قبيحة.
وحتى قبل أن يشاهد إسرائيلي واحد، باستثناء رفيف دروكر، فيلم «نازا»، كان الفيلم قد أسهم إسهاما هائلا في الحوار الإسرائيلي. لقد أثار المخرجان راشيل شور ويوفال أبراهام هستيريا. وهذه الهستيريا هي أفضل ما حدث للمجتمع الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
للمرة الأولى، يصاب الإسرائيليون بالصدمة من شيء لا علاقة له برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ولا الرهائن. وللمرة الأولى، يغضبون ويُصدمون ويخرجون عن طورهم بسبب الضجيج القادم من قطاع غزة. وفي أعماق قلوبهم، يعرفون السبب.
هذه الموجة من الهستيريا، التي لم تشهد إسرائيل مثيلا لها من قبل، تكشف أيضا الوجه الحقيقي للمجتمع بأسره. وماذا يمكن أن نطلب أكثر من ذلك لاثر فيلم وثائقي، بالرغم أن لا احد شاهده أصلا؟
تكشف هذه الهستيريا شيئا ظل مخفيا لسنوات، لكنه انفجر فجأة. فبعد سنوات من القمع والإنكار والأكاذيب، ومن اللامبالاة وعدم الاكتراث، انفجر القيح في تيار جارف. وهذه عملية صحية، حتى وإن اشتملت على مظاهر قبيحة.
لقد أُخرجت إسرائيل من سكينتها المريضة. وفجأة، باتت تتحدث عن غزة، لا عن أسعار الرحلات الجوية إلى الخارج وحسب.
لقد دمّر «نازا» الانفصال الإسرائيلي عن الواقع. وكان هذا متوقعا، حتى عندما بدا أن لا شيء يمكن أن يهز الإسرائيليين. لكن شدة رد الفعل تكشف أن الخُراج كبير.
إن الغضب الجنوني على شور وأبراهام يُظهر أنهما تمكنا من لمس مركز الخُراج. وهذا أمر مؤلم. وتكشف شدة الاستجابة أن الإسرائيليين يشعرون بأن شيئا ما يحترق تحت أقدامهم. وكل من يصرخ بمثل هذا الغضب يفهم أن شيئا ما قد انحرف انحرافا خطيرا. فالمجتمع الواثق من عدالة قضيته لا يستجيب لفيلم على هذا النحو.
قد تهدأ هذه العاصفة بالفعل، لكن شدتها قد تنذر أيضا بنقطة تحول. فبعد أن نشنق صانعي الفيلم في ساحة المدينة، ربما يفهم أحدهم أن هذا كان آخر محاولة يائسة للتهرب من الحقيقة وخنقها وقمعها.
لكن تلك الحقيقة ستواصل ملاحقة إسرائيل إلى الأبد، لأنه يستحيل الإفلات من المسؤولية عن الإبادة الجماعية. جربوا اسألوا الأتراك. فهذا الذنب لن يدعنا وشأننا أبدا. وسيكون عارا أبديا.
«نازا» يخلع جميع الأقنعة
لقد أسهم «نازا» أيضا إسهام مهم آخر: فقد مزق جميع الأقنعة. ومن الآن فصاعدا، لم يعد هناك يسار ويمين، ولا أناس مستنيرون وآخرون غارقون في الظلام، ولا إنسانيون وبرابرة. فقد انقض الإسرائيليون، تقريبا كرجل واحد، على هذا الفيلم، فكشفوا بذلك عن وجوههم الحقيقية.
وقف صحفيون عنصريون إلى جانب من يُعتبرون ليبراليين، واتحد سياسيون قوميون مع من يُعتبرون ديمقراطيين. وشكلوا جميعا جوقة مكارثية واحدة.
ففي نهاية المطاف، ما الفرق بين تصريح الصحفي اليميني أفري غيلاد بأن «نازا» هو اختصار للكلمات العبرية «ضرر معادٍ للسامية وخبيث»، وبين الإنكار القبيح والمقزز الذي صدر عن الصحفي الوسطي يارون أبراهام، حين نفى وجود أي صلة عائلية له بيوفال أبراهام، الذي يُكتب اسم عائلته بالطريقة العبرية نفسها؟
ما الفرق بين تصريح الصحفي اليميني أميت سيغال بأن صانعي الفيلم كانوا «مؤيدين لمكتب الدعاية التابع لحماس»، وبين النقد «المنهجي» المعتاد الذي قدمه كاتبا العمود في هآرتس، دروكر وأوري مسغاف، اللذان يهربان بكل ما أوتيا من قوة من مواجهة النقطة الأساسية؟
«أين السياق؟» يسأل النقاد المنافقون، الذين ما كانوا ليجرؤوا أبدا على ذكر السياق الفلسطيني لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول.
«أين الأدلة؟» يسأل أناس يعرفون أن أهم التحقيقات الصحفية في التاريخ — ووترغيت وأوراق البنتاغون، مثلا — استندت إلى شهادات غير معلنة المصدر.
وفوق كل شيء، أين تحقيقاتهم الصحفية هم عن غزة؟
«الخونة» في مواجهة صانعي الفيلم
إنهم يعرفون أن «نازا» هو الحقيقة. لكنهم يريدون أسماء الجنود الذين أُجريت معهم المقابلات، حتى يتسنى لهم هم أيضا أن يُشنقوا في ساحة المدينة إلى جانب المخرجين.
ولا يوجد أيضا فرق بين تصريح السياسي المعارض الفاشي أفيغدور ليبرمان بأنهم «كارهون لإسرائيل يطلقون على أنفسهم اسم صانعي أفلام»، وبين الدعوة العبثية والمقززة التي أطلقها وزير الثقافة الجاهل ميكي زوهار لتجريدهم من الجنسية، وبين عبارة السياسي التقدمي يائير غولان الجبانة: «أدين».
الفروق تكمن في التغطية. أما المضمون فهو المضمون نفسه، وفي جميع هذه الحالات، هو مضمون مكارثي مرعب.
لقد كسر شور وأبراهام وأولئك الجنود الشجعان حاجز الصمت. إنهم يستحقون تقديرا عظيما في إسرائيل، وسوف ينالونه — ولكن فقط في صفحات كتب التاريخ.