السودان: الإضراب في زمن الحرب 4. السلطات أمام الاحتجاج: تفاوض، تسوية، إجراءات، أم إدارة للنزاع؟
عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 9 / 17 - 02:38
بعد أن انتهت الحلقة الثالثة إلى أن الاحتجاجات المتكررة في السودان لا تتبع دورة موحدة، بل تسلك مسارات مختلفة من التفاوض والتعليق والتصعيد، ينتقل البحث الآن إلى سؤال الاستجابة: كيف تتعامل السلطات والإدارات المختلفة مع الاحتجاج عندما يبدأ؟ وهل تكشف هذه الاستجابات عن سياسة متماسكة، أم عن ردود فعل متفرقة تجاه احتجاجات متعددة؟
يُطرح هذا السؤال في سياق يتسم بتعدد مستويات السلطة التي تواجه المحتجين. ففي بعض الحالات يكون الطرف المقابل وزارة اتحادية، وفي حالات أخرى حكومة ولاية أو مكتباً محلياً للضرائب أو إدارة جامعة أو جهة أمنية أو النيابة والقضاء. وهذا التعدد يجعل من الضروري عدم استخدام كلمة "الدولة" وكأنها جهاز واحد متجانس يدير جميع هذه النزاعات من مركز واحد. فالجهة التي تتلقى المطلب ليست بالضرورة الجهة التي تملك الصلاحية أو الموارد اللازمة لتنفيذه، وقد تكون بعض النزاعات مرتبطة بالفجوة بين مستوى الاحتجاج ومستوى القرار.
في قطاع التعليم العام، تتراوح الاستجابات المرصودة بين الإجراءات الإدارية والاستدعاءات الأمنية والاعتقالات والوعود التي لم تُختبر نتائجها بعد. فقد أعلنت لجنة المعلمين السودانيين أن إجراءات إدارية طالت 84 معلماً ومعلمة في ولاية الجزيرة، إضافة إلى إعفاء 20 مديراً ومديرة مدرسة، ونسبت اللجنة هذه الإجراءات إلى المشاركة في الإضراب، بينما قدمت رواية مقابلة نُقلت عن السلطات تفسيراً إدارياً لها. ولم تسمح المصادر المتاحة بحسم العلاقة السببية بين الإجراءات والإضراب بصورة مستقلة؛ ولذلك تبقى نسبة الإجراءات إلى الإضراب، في حدود الأدلة المتاحة، رواية صادرة عن لجنة المعلمين وليست واقعة محسومة من مصدر مستقل.
وفي كسلا، استدعت الأجهزة الأمنية في 2 يونيو رئيس لجنة المعلمين بالولاية للتحقيق بشأن الإضراب المعلن في 7 يونيو، بعد إعلان اللجنة تمسكها بالإضراب للمطالبة بالمتأخرات وتحسين الأجور. وتقدم هذه الحالة مثالاً على الاستدعاء الأمني قبل تنفيذ الإضراب، بما يضيف أداة أمنية إلى أدوات التعامل مع احتجاج لم يتحول بعد إلى فعل إضرابي فعلي. ولا تتوفر في المادة التي جرى التحقق منها معلومات كافية تسمح بالحكم على دوافع الاستدعاء أو أثره، ولذلك تقتصر دلالته هنا على كونه تدخلاً أمنياً سابقاً على موعد الإضراب.
وفي ولاية شمال كردفان، بلغت الاستجابة مستوى الاعتقال. فقد قالت لجنة المعلمين السودانيين إن الخلية الأمنية بولاية شمال كردفان اعتقلت المعلم علي الزبير واقتادته من منزله إلى مقرها، وربطت اللجنة الاعتقال بنشاطه النقابي ومطالبته بصرف المتأخرات وتنفيذ القرارات المتعلقة بتحسين شروط خدمة المعلمين. ولم تقدم المصادر المتاحة التي راجعها هذا البحث رواية رسمية مستقلة تحدد أسباب الاعتقال أو الاتهامات الموجهة إليه. وقال المتحدث الرسمي باسم اللجنة سامي الباقر إن اللجنة ترفض أن تتحول الأجهزة الأمنية إلى وسيلة لإسكات صوت المعلمين، وتطالب السلطة بمعالجة أصل المشكلة وتنفيذ حقوق المعلمين. وعليه، فإن ما يمكن إثباته هنا هو واقعة الاعتقال كما نقلتها الجهة النقابية، أما سببه القانوني أو الإداري فلا يزال غير محسوم في المصادر المتاحة.
وفي قطاع التعليم العالي، اتخذت الاستجابة مساراً مختلفاً. فقد أعلنت لجنة أساتذة الجامعات السودانية «لاجسو» أن الخلية الأمنية بمدينة الدويم في ولاية النيل الأبيض اعتقلت ثمانية أساتذة من جامعة بخت الرضا بسبب مشاركتهم في الإضراب، بينهم البروفيسور موسى يوسف البر، والبروفيسور وليد عبد الرحمن مصطفى، والدكتور محمد الأمين عمر يوسف، والدكتور طارق أحمد حسن، والدكتور خالد أحمد يونس، والدكتور مرتضى المكاشفي الطاهر، والدكتور جمال محجوب الجاك، والدكتور نور الدائم يعقوب، إضافة إلى استدعاء زوجة أحد الأساتذة واعتقالها من خارج المدينة. وأوضحت اللجنة أن ستة من الأساتذة أُفرج عنهم في اليوم التالي، فيما أُفرج عن البروفيسور وليد لاحقاً، بينما بقي الدكتور نور الدائم يعقوب وزوجته رهن الاعتقال وفق المعلومات الواردة في المصدر وقتها.
وهنا لا تظهر، في حدود المعلومات المتاحة، أداة تفاوضية أو وعد معلن، وإنما إجراء أمني مباشر طال عدداً من المشاركين في الإضراب. وإذا تأكد ارتباط هذه الاعتقالات بالمشاركة في الإضراب، فإن الحالة تطرح احتمال تعامل السلطة مع التنظيم الاحتجاجي بوصفه جزءاً من المشكلة، لا مع المطالب المهنية وحدها؛ غير أن تحديد هذا القصد على مستوى سياسة السلطة يحتاج إلى معلومات رسمية أو قرائن مستقلة إضافية. لذلك لا ينبغي تحويل واقعة الاعتقال وحدها إلى استنتاج عام حول طبيعة السياسة الأمنية تجاه الإضرابات الجامعية.
في المقابل، توجد حالات استجابة مختلفة تماماً. ففي عطبرة بولاية نهر النيل، أعقب ثلاث جولات من الإغلاق التجاري اتفاق مع مكتب الضرائب المحلي في 8 سبتمبر، تضمن خفض مقدم الضريبة من 25% إلى نطاق يتراوح بين 5 و10%، وإعفاء الحالات الخاصة المتعذرة. وهذا اتفاق معلن على تخفيف أحد عناصر النزاع، لكنه لا يعني بالضرورة أن بقية عناصر النزاع قد حُلت. فخفض العبء الضريبي أو تعديل طريقة الدفع يمكن أن يخفف الضغط الواقع على التجار، لكنه لا يثبت وحده إزالة أصل النزاع إذا بقيت رسوم أو آليات تحصيل أخرى محل اعتراض.
وفي شندي بولاية نهر النيل، جاءت الاستجابة أسرع. فبعد إغلاق شبه كامل للسوق بدأ في 9 سبتمبر واستمر يومين، وصل مدير عام الضرائب بالولاية وعقد اجتماعاً موسعاً ضم مدير الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية وممثلي الغرفة التجارية والتجار. ووفق تجار تحدثوا إلى راديو دبنقا، بلغت نسبة الالتزام نحو 98%. وانتهت الاجتماعات إلى رفع الإغلاق، مع تفاهمات بشأن التقديرات الضريبية وإتاحة مهلة للتجار للدخول في لجان الاستئنافات ومواصلة الطعون. وهنا تظهر استجابة تفاوضية مباشرة انتهت إلى تفاهمات أدت إلى تعليق الاحتجاج. لكن الفرق بين شندي وعطبرة، ولماذا احتاجت عطبرة إلى ثلاث جولات بينما انتهت شندي من الجولة الأولى، لا تتيح الأدلة المتاحة تحديده بدقة. ويبقى الفرق بين الحالتين سؤالاً للمقارنة، لا نتيجة يمكن افتراضها مسبقاً.
وفي مدينة الدويم بولاية النيل الأبيض، اتخذ المسار شكلاً آخر. ففي 4 أغسطس، أغلق التجار محالهم احتجاجاً على الرسوم والجبايات، قبل أن تتدخل السلطات المحلية، وأعقب ذلك تعليق الإغلاق وإعادة فتح المحال. وفي الوقت نفسه، أعلنت غرفة تجار الدويم انتقال جانب من النزاع إلى المسار القضائي عبر الطعن في الزيادات أمام المحكمة الدستورية. وهنا اتخذت الاستجابة مسارين متوازيين: تدخل إداري من السلطات، وانتقال جزء من النزاع إلى المسار القضائي من جانب المحتجين. ولا تسمح هذه الحالة وحدها بالقول إن التدخل الإداري أنهى أصل النزاع، لأن المسار القضائي يدل على استمرار جزء من الخلاف خارج الاحتجاج المباشر.
وفي القطاع الصحي، لم تقتصر الحالات المرصودة على مستوى واحد. ففي مستشفى الذرة بمدينة ود مدني بولاية الجزيرة، حيث دخل عدد من الكوادر الطبية في إضراب بسبب عدم صرف المستحقات المالية لشهرين، لم تتضح استجابة تنفيذية معلنة تحقق المطالب الواردة في المصادر التي راجعها البحث. وقالت شبكة أطباء السودان إن المستشفى يشهد نقصاً في الكوادر التمريضية، وإن بعض المرضى يتلقون نصف الجرعة المقررة من العلاج الكيماوي ثم يُحالون لاستكمالها في مراكز القطاع الخاص، بسبب شح الأدوية. وأكدت الشبكة أن الأزمة تتكرر للمرة الثالثة خلال العام الجاري.
وفي ولاية الخرطوم، دخل إضراب أطباء الأسرة والكوادر الصحية بمراكز الرعاية الأولية أسبوعه الثاني بحلول 11 سبتمبر، للمطالبة بتحسين المرتبات والحوافز، وتسريع الترقيات، وتوفيق أوضاع الكوادر المتعاقدة. ووصفت شبكة أطباء السودان هذا الإضراب بأنه "حق مشروع"، مؤكدة أن الكوادر التزمت بالعمل خلال الفترة الماضية رغم تدني الرواتب والحوافز. ودانت لجنة العدالة "تجاهل" وزارة الصحة لمطالب المضربين، وطالبت بفتح حوار عاجل مع ممثلي الكوادر الصحية. وبحسب المصادر التي أمكن التحقق منها حتى 11 سبتمبر، لم نعثر على استجابة رسمية معلنة مماثلة لما حدث في عطبرة أو شندي، كما لم نعثر على دليل موثق على تنفيذ مطالب المضربين. لذلك يمكن وصف الحالة، في حدود المادة المتاحة، بأنها حالة عدم استجابة رسمية معلنة موثقة حتى تاريخ الرصد، وليس دليلاً قاطعاً على غياب أي تحرك غير معلن.
وفي مدينة بورتسودان، جاءت الاستجابة مختلفة مرة أخرى. فبعد أن دخل 83 محتجزاً في السجن القومي في إضراب عن الطعام، عُلّق الإضراب مؤقتاً عقب اتخاذ إجراءات تتعلق بعدد من المطالب، وكان التعليق معلناً حتى صباح 30 أغسطس. وشملت الإجراءات تكليف رئيس نيابة للنظر في أوضاع 18 محتجزاً لا تزال بلاغاتهم قيد نظر النيابة، إلى جانب تكليف وكيلَي نيابة بالبلاغات المنظورة أمام المحاكم، فضلاً عن تعيين ثلاثة قضاة للنظر في 68 بلاغاً قيد المحاكم، مع الالتزام بإنجازها خلال مدة أقصاها شهران.
لكن تعليق الإضراب في هذه الحالة كان مؤقتاً ومشروطاً بما ستؤول إليه الإجراءات المعلنة، ولذلك لا يكفي وحده لإثبات نجاح الاستجابة. كما لا تتيح المصادر التي تم التحقق منها في هذه الحلقة دليلاً كافياً على أن الإجراءات المعلنة نُفذت بالكامل أو أن النزاع أُغلق نهائياً. وتظل متابعة ما حدث بعد التعليق جزءاً ضرورياً من تقييم هذه الحالة.
وبالنظر في هذه الحالات تظهر سبعة أنماط رئيسية للاستجابة، مع ملاحظة أن بعض الحالات يمكن أن تقع في أكثر من نمط لأن الاستجابة الواحدة قد تجمع بين عدة أدوات. النمط الأول هو التفاوض والتسوية المعلنة، كما في عطبرة وشندي. النمط الثاني هو التعهد أو الوعد الذي لم يُختبر تنفيذه بعد، كما في مسار كسلا، مع اختلاف طبيعة الإجراءات في بورتسودان. النمط الثالث هو الإجراءات الإدارية، كما في الجزيرة وفق ما أعلنته لجنة المعلمين والرواية المقابلة. النمط الرابع هو الاستدعاء الأمني، كما في كسلا. النمط الخامس هو الاعتقال المباشر للمشاركين في الاحتجاج، كما في حالة أساتذة جامعة بخت الرضا وفق ما أعلنته لجنة الأساتذة. النمط السادس هو انتقال جزء من النزاع إلى المسار القضائي، كما في الدويم. والنمط السابع هو عدم الاستجابة الرسمية المعلنة الموثقة في المصادر التي راجعناها، كما في حالة أطباء الرعاية الأولية بالخرطوم حتى تاريخ الرصد.
وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا تختلف هذه الاستجابات؟ يمكن اختبار عدة متغيرات دون تحويلها إلى نتائج مسبقة. فقد يرتبط الاختلاف بطبيعة القطاع وموقعه في الاقتصاد المحلي، وبنوع المطلب وقابليته للتنفيذ، وبقوة التنظيم وقدرته على الاستمرار، وبمستوى السلطة التي تملك القرار، وبكلفة استمرار الاحتجاج على المجتمع المحلي، وبكلفة الاستجابة على الجهة الحكومية. فالتجار يتعاملون مع مستويات محلية وولائية، ومطالبهم مرتبطة بالضرائب والرسوم التي تتوزع صلاحياتها بين مستويات مختلفة من الإدارة، بينما المعلمون موظفون في جهاز التعليم العام، وتتوزع الجهة المسؤولة عن مطالبهم بحسب طبيعة المطلب ومستوى القرار. وقد تختلف قدرة السلطات على الاحتواء من مدينة إلى أخرى؛ ففي شندي كان التفاوض كافياً لإنهاء الإغلاق من الجولة الأولى، بينما احتاجت عطبرة إلى ثلاث جولات.
لكن هذه تظل فرضيات مقارنة تحتاج إلى اختبارها في ضوء تفاصيل كل حالة. فلا يمكن، من هذه الحالات وحدها، إثبات أن قوة التنظيم تفسر سرعة التفاوض، أو أن أهمية القطاع تفسر شدة الاستجابة الأمنية، أو أن مستوى السلطة يحدد وحده نتيجة الاحتجاج.
ولا يمكن تجاهل الفرق بين مستويات السلطة التي تواجه المحتجين. فاحتجاج التجار في عطبرة وشندي يواجه جهة ضريبية ومحلية وولائية، بينما يتحرك المعلمون في مواجهة حكومات الولايات ووزارات التربية، ويخاطب العاملون الصحيون إدارات ومؤسسات صحية وسلطات محلية، في حين ترتبط قضية محتجزي بورتسودان بالنيابة والقضاء وإدارة السجون. وبالتالي فإن وجود السلطة في الطرف المقابل لا يعني وجود جهاز واحد يدير كل هذه النزاعات من مركز واحد. كما أن الجهة التي تتلقى المطلب ليست بالضرورة الجهة التي تملك الصلاحية أو الموارد اللازمة لتنفيذه، وهو ما قد يفسر جزءاً من الفجوة بين الإعلان والتنفيذ في بعض الحالات، دون أن يثبت وحده سبب هذه الفجوة.
وهنا يجب التمييز بين أربعة مستويات لا ينبغي خلطها: الاستجابة، والتسوية، والتنفيذ، واستقرار التسوية. فالاستجابة هي ما تعلنه السلطات أو تفعله عند اندلاع الاحتجاج: وعد، أو اتفاق، أو إجراء، أو استدعاء، أو اعتقال، أو إحالة. والتسوية هي اتفاق أو تفاهم يؤدي إلى تعليق الاحتجاج أو خفضه. والتنفيذ هو تحقق ما تم الاتفاق عليه عملياً. أما استقرار التسوية فهو استمرار التنفيذ وعدم عودة النزاع بسبب المطلب نفسه خلال فترة قابلة للرصد.
وفي الحالات التي جرى رصدها، لا تتيح الأدلة المتاحة تقييم التنفيذ واستقرار التسوية في معظم الحالات، لأن عدداً من الاتفاقات حديث العهد، ولأن بعض الوعود لم يمضِ عليها وقت كافٍ لاختبارها. وهذا يعني أن ما نملكه في هذه المرحلة هو تقييم للاستجابة الفورية ومسار التهدئة، وليس تقييماً نهائياً لنجاح التسوية.
ولا ينبغي مساواة انتهاء الاحتجاج بنجاح الاستجابة؛ فقد يتوقف الإضراب بعد وعد أو تفاهم أو تدخل، بينما يبقى المطلب الأصلي دون تنفيذ. وهنا يظهر فرق مهم بين التهدئة والتسوية. فالتهدئة تعني انخفاض مستوى الاحتجاج أو توقفه مؤقتاً نتيجة وعد أو تفاهم أو إجراء، بينما تتطلب التسوية المستقرة دليلاً لاحقاً على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه ومعالجة السبب الذي أدى إلى الاحتجاج.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن بعض الحالات المرصودة انتهت إلى تهدئة، وليس إلى تسوية مستقرة. ففي عطبرة وشندي، توقف الإغلاق بعد تفاهمات، لكن مصير التنفيذ والاستقرار لم يتضح بعد. وفي بورتسودان، عُلّق الإضراب بعد إجراءات قضائية ونيابية محددة، لكن مدى تنفيذها لا يزال موضع متابعة. وفي كسلا، عُلّق الإضراب بعد تعهدات، ثم قالت لجنة المعلمين لاحقاً إن النتائج التي كانت تنتظرها في المرتبات لم تظهر، ما دفعها إلى العودة إلى التلويح بالتصعيد. وهذه الحالة تقدم مثالاً واضحاً على أن تعليق الاحتجاج لا يكفي وحده لإثبات حل النزاع.
إذا نظرنا إلى الحالات المرصودة مجتمعة، لا تظهر استجابة مركزية موحدة تتعامل مع الاحتجاجات بوصفها ظاهرة واحدة. كل حالة عولجت، في حدود الأدلة المتاحة، على مستوى مختلف وبأدوات مختلفة. لكن هذه الملاحظة لا تعني أن السلطات لا تمتلك أي سياسة عامة أو أن تعدد الاستجابات دليل على الارتباك؛ فاختلاف الأدوات قد يكون نتيجة طبيعية لتعدد مستويات السلطة، وتنوع القطاعات، واختلاف المطالب، وتفاوت القدرة التنظيمية والاقتصادية لكل طرف. ولذلك فإن الأدق هو القول إن سياسة موحدة ومركزية للاستجابة لكل هذه الاحتجاجات لم تثبتها المادة المرصودة.
وهذا التنوع لا يعني بالضرورة ارتباكاً أو عجزاً؛ فقد يكون انعكاساً لتعدد مستويات السلطة وصلاحياتها، أو لاختلاف طبيعة القطاعات ومطالبها، أو لحسابات محلية تتعلق بالاستقرار الاقتصادي لكل مدينة. لكنه يعني، في الحد الأدنى، أن الحديث عن "سياسة السلطات" تجاه الاحتجاجات يحتاج إلى تفكيك دقيق: من يتخذ القرار؟ من يملك سلطة التنفيذ؟ من يملك الموارد اللازمة للاستجابة للمطلب؟ ومن يتحمل كلفة استمرار الاحتجاج؟
ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس فقط كيف تستجيب السلطات، وإنما: هل تؤدي هذه الأدوات إلى معالجة أسباب النزاع، أم تخفض مستوى الاحتجاج مؤقتاً؟ وهل يتحول التفاوض إلى تنفيذ مستقر، أم ينتهي إلى جولة جديدة من الاحتجاج عندما لا تتحقق الوعود أو التفاهمات؟
ما تكشفه المقارنة حتى الآن هو تعدد أدوات الاستجابة وتعدد مستويات السلطة، لا وجود سياسة مركزية موحدة. وبعض الحالات أظهرت تفاوضاً مباشراً، وبعضها إجراءات إدارية، وبعضها استدعاءات أو اعتقالات، وبعضها انتقالاً إلى المسار القضائي، وبعضها عدم استجابة رسمية معلنة موثقة حتى تاريخ الرصد. أما نجاح هذه الأدوات في إنتاج تسويات مستقرة، فما زال يحتاج إلى متابعة زمنية لا توفرها المادة الحالية في معظم الحالات.
وهذا يقود إلى السؤال التالي في السلسلة: ماذا يحدث عندما تنتقل الاحتجاجات إلى قطاعات تؤدي وظائف حيوية في تشغيل الدولة والاقتصاد؟ وهل يؤدي وصول الاحتجاج إلى هذه القطاعات إلى تغيير في طبيعة تأثيره، أم أننا أمام استمرار للنزاعات القطاعية نفسها في مواقع جديدة؟
النضال مستمر،،