السودان: الإضراب في زمن الحرب 3. الإضراب المتكرر: وعود، تسويات، وتعليق الاحتجاج؟


عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 9 / 15 - 02:47     

السؤال الٱن: ماذا يحدث عندما يتكرر الاحتجاج داخل القطاع نفسه أو المدينة نفسها؟ هل يؤدي التفاوض إلى تسوية مستقرة، أم إلى تعليق مؤقت يعقبه احتجاج جديد؟ وهل يكشف التكرار عن فشل التسويات، أم عن تطور في قدرة المحتجين على استخدام الإضراب كأداة ضغط؟

يُطرح هذا السؤال في ظل سياق اقتصادي مشترك بدرجات مختلفة: العلاقة بين السلطات ومصادر الإيرادات من جهة، وقدرة الموظفين وأصحاب الأعمال على تحمل كلفة هذه الإيرادات من جهة أخرى. فمع استمرار الحرب، تفاقمت الضغوط المالية على الدولة، واتسع نطاق الجبايات والرسوم، في وقت تآكلت فيه الأجور الحقيقية وتراجعت القدرة الشرائية. هذا السياق لا يفسر التكرار بذاته، لكنه يضع الاحتجاجات المتكررة في إطارها المادي الصحيح.

في قطاع التعليم العام، كانت ولاية كسلا (شرق السودان) من أوضح الحالات التي يمكن تتبع مسار احتجاجي متصل فيها. ففي 7 يونيو، نفذ نحو 11 ألف معلم إضراباً شاملاً عن العمل، شمل أكثر من 800 مدرسة، بنسبة التزام تجاوزت 95% بحسب لجنة المعلمين . واستمر الإضراب أسابيع، قبل أن تمدده اللجنة من 14 إلى 18 يونيو . وبعد أكثر من شهر على بدء الإضراب، عُلّق في 18 يوليو لمدة أسبوع، بعد أن أعلنت اللجنة تحقيق تقدم في ملف تعديل استحقاقات عام 2025، مع التأكيد على أن ملف تعديل المرتبات والمتأخرات لا يزال قائماً . وقالت اللجنة في بيانها إن قرار التعليق “ليس تراجعاً عن المطالب، ولا نهاية لمعركة الحقوق”، وإنما “اختبار عملي لمدى التزام السلطة بتنفيذ تعهداتها” . ومع حلول أغسطس، قالت لجنة المعلمين إن الزيادة المنتظرة لم تظهر في المرتبات، وهو ما اعتبرته مؤشراً إلى عدم تنفيذ ما جرى التعهد به. وفي 7 سبتمبر، دعت اللجنة إلى “رص الصفوف” والاستعداد لتصعيد على مستوى الولايات، مع طرح خيار الإضراب القومي الشامل.

وهنا تظهر دقة التمييز بين التعليق والعودة الفعلية. فما لدينا في كسلا هو: إضراب، ثم تعليق، ثم تعثر في التنفيذ، ثم تهديد بالتصعيد. لكن لا نملك بعد إضراباً جديداً منفذاً في سبتمبر. إذن هذه ليست “دورة مكتملة”، بل مسار احتجاجي وصل إلى مرحلة التهديد بالعودة إلى الإضراب.

في قطاع التعليم العالي، اختلف المسار اختلافاً جوهرياً. فالإضراب الذي بدأ في 29 مارس في أكثر من 30 جامعة حكومية، بنسبة نجاح تراوحت بين 95% و100% في يومه الأول وفق لجنة أساتذة الجامعات السودانية (لاجسو) ، اتخذ مساراً مختلفاً؛ فقد جاء قرار التعليق نتيجة استفتاء داخلي أجرته اللجنة في 24 يونيو بين أساتذة 34 جامعة، أظهر تصويت 70.47% من المشاركين لصالح تعليق الإضراب لمدة شهرين، مقابل 29.53% أيدوا مواصلة الإضراب . وبناءً على هذه النتيجة، عُلّق الإضراب من 29 يونيو حتى 29 أغسطس، لإتاحة الفرصة للتفاوض بشأن لائحة شروط الخدمة والهيكل الراتبي . وهنا كان التعليق قراراً تنظيمياً داخلياً محدد المدة، لا نتيجة اتفاق نهائي يمكن القول إنه أنهى النزاع. وما حدث بعد 29 أغسطس — هل استؤنف الإضراب، أم مُدد التعليق، أم لم يحدث شيء — يحتاج إلى تدقيق قبل اعتماد أي استنتاج.

أما في قطاع التجارة، فتقدم الحالات مادة أغنى لدراسة التكرار. في مدينة عطبرة (ولاية نهر النيل، شمال السودان)، ظهرت ثلاث حالات إغلاق موثقة خلال أقل من أسبوعين. ففي 24 أغسطس، أغلق عشرات التجار في السوق الشعبي متاجرهم احتجاجاً على ارتفاع الضرائب والجبايات، وقال التاجر هاشم عبد الله إن الإغلاق شمل السوق بنسبة 100%، وإن السلطات فرضت مبالغ تصل إلى ملايين الجنيهات، وإن رسوم تجديد عقود المحال بلغت 3.6 مليون جنيه . وفي 30 أغسطس، شهدت أسواق المدينة إضراباً شاملاً عن العمل، وقال خالد بيرم، التاجر بالسوق والرئيس السابق للجنة تسيير الغرفة التجارية، إن التجار وصلوا إلى “طريق مسدود” مع ديوان الضرائب، وإن السلطات تنصلت من وعودها الشفهية بالتخفيض، وإن منسوبي الضرائب مارسوا ضغوطاً على بعض التجار لإلزامهم بدفع نسبة 25% . وفي 6 و7 سبتمبر، تكرر الإغلاق مرة ثالثة، قبل أن يُرفع في 8 سبتمبر بعد اتفاق مع مكتب الضرائب المحلي، تضمن خفض مقدم الضريبة من 25% إلى نطاق يتراوح بين 5 و10%، وإعفاء الحالات الخاصة المتعذرة .

وهنا يظهر فرق مهم بين الترابط الزمني والترابط التنظيمي: فتكرار الاحتجاج في المدينة نفسها لا يعني بالضرورة أن كل جولة كانت امتداداً تنظيمياً للجولة السابقة. لكن التسلسل نفسه — إغلاق، تفاوض، عدم تسوية كافية، إغلاق جديد، اتفاق جزئي — يكشف عن نمط مختلف عن كسلا: هنا لم يكن هناك “وعد” واحد أعقبه إخفاق، بل سلسلة من الجولات التفاوضية التي أنتجت في النهاية تسوية جزئية.

وفي مدينة شندي (ولاية نهر النيل، شمال السودان)، جاء الإضراب في 9 سبتمبر احتجاجاً على فرض رسوم ضرائبية ومحلية وصفها التجار بأنها مرتفعة بصورة كبيرة، إذ تجاوز متوسطها 800 ألف جنيه . وحين وصل مدير عام الضرائب بالولاية للتفاوض، انتهت الأزمة إلى تفاهمات رُفع على أساسها الإضراب بعد يومين من الإغلاق شبه الكامل. ووفق راديو دبنقا، عقد اجتماع موسع ضم مدير الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية بولاية نهر النيل ومدير عام ديوان الضرائب بالولاية وممثلي الغرفة التجارية والتجار، وأسفر عن الاتفاق على رفع الإضراب فوراً، والتوسع في المظلة الضريبية، ومنح التجار مهلة للدخول في لجان الاستئنافات الضريبية . وهنا أيضاً لا نجد دورة “وعد ثم إخفاق”، بل تفاوضاً مباشراً أسفر عن تسوية. لكن الفرق بين شندي وعطبرة — لماذا احتاجت عطبرة إلى ثلاث جولات بينما انتهت شندي من الجولة الأولى — لا تتيح الأدلة المتاحة تحديده بدقة.

وفي مدينة الدويم (ولاية النيل الأبيض، وسط السودان)، اختلف المسار مرة أخرى. ففي 4 أغسطس، أغلق التجار محالهم احتجاجاً على الرسوم والجبايات وتعدد نقاط التحصيل، وقال التاجر عوض التوم إن الإضراب نجح بنسبة 100%، وإن بعض عمليات التحصيل تتم من دون إصدار إيصالات رسمية . وفي اليوم التالي، استمر الإغلاق شبه الكامل، وأعلنت غرفة تجار الدويم أنها تقدمت بدعوى أمام المحكمة الدستورية للطعن في الزيادات . وهنا لا نجد “تسوية” بالمعنى التفاوضي، بل إجراءً إدارياً أو قانونياً أعقبه تعليق الاحتجاج وإعادة فتح المحال.

وإذا وضعنا هذه الحالات إلى جانب بعضها، يظهر أن ما نسميه “التكرار” ليس نمطاً واحداً، بل عدة أنماط. في كسلا، المسار هو: إضراب، وعد، تعليق، تعثر في التنفيذ، تهديد بتصعيد. في عطبرة، المسار هو: إغلاق، تفاوض، عدم تسوية كافية، إغلاق جديد، اتفاق جزئي. في شندي، المسار هو: إغلاق، تفاوض، تسوية من الجولة الأولى. في الدويم، المسار هو: إغلاق، تدخل قانوني/إداري، تعليق. وفي التعليم العالي، المسار هو: إضراب، استفتاء تنظيمي، تعليق محدد المدة، ثم ما بعد 29 أغسطس يحتاج إلى تدقيق. وهذا يعني أن الحديث عن “نمط متكرر” يحتاج إلى تحديد: أي نمط؟ وفي أي قطاع؟ وتحت أي ظروف؟

وهنا يجب التمييز بين مستويات مختلفة من “النتيجة”. فبعض الاحتجاجات انتهت إلى تسوية جزئية قابلة للتنفيذ (عطبرة، شندي)، وبعضها انتهى إلى وعد غير مضمون (كسلا)، وبعضها انتهى إلى تدخل قانوني أو إداري أوقف الاحتجاج دون حل (الدويم)، وبعضها انتهى إلى تعليق تنظيمي محدد المدة (التعليم العالي). وهذا يعني أن “التكرار” لا يعني بالضرورة “الفشل”. فقد يكون التكرار ناتجاً عن أن التسوية لم تكن كافية، أو عن أن الوعد لم يُنفذ، أو عن أن المطالب تجددت بسبب تغير الظروف. وفي كل الحالات، يبقى السؤال: هل يؤدي التكرار إلى تراكم في الخبرة والتنظيم، أم إلى إعادة إنتاج النزاع من دون تغيير في شروطه الأساسية؟

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الفرق بين التكرار داخل القطاع نفسه والتكرار في القطاعات المختلفة. فتكرار الإغلاق التجاري في عطبرة يختلف عن تكرار الإضراب التعليمي في كسلا، لأن الأول يحدث في مدينة واحدة وقطاع واحد، بينما الثاني يمتد عبر ولاية كاملة وقطاع تعليمي منظم. كما أن تكرار الإغلاق التجاري في عطبرة وشندي يختلف عن تكرار الإضراب التعليمي في كسلا والجزيرة، لأن الأول يتعامل مع ضرائب ورسوم تتوزع صلاحياتها بين مستويات مختلفة من الإدارة المحلية والولائية والاتحادية، بينما الثاني يتعامل مع مطالب تتوزع بين مستويات اتحادية وولائية بحسب طبيعة المطلب.

ومع ذلك، هناك سؤال يمكن طرحه: هل يتعلم المحتجون من تجارب بعضهم؟ فإذا أغلق تجار عطبرة السوق ثم تفاوضوا، وبعد أيام أغلق تجار شندي السوق، هل عرف تجار شندي بتجربة عطبرة؟ وهل استخدموا الأسلوب نفسه؟ وإذا كان الجواب نعم، فهذا انتقال خبرة، وهو أقل من التنسيق، لكنه أكثر من مجرد التزامن. وإذا كان الجواب لا، فهذا يعني أن كل حالة تتحرك في سياقها المحلي، دون تأثير مباشر من الحالات الأخرى. وحتى الآن، لا تتيح الأدلة المتاحة الإجابة عن هذا السؤال بدرجة عالية من الثقة.

وفي المقابل، توجد فروق مهمة تضعف فرضية وجود “دورة موحدة” تمر بها كل الاحتجاجات. فبعض الاحتجاجات انتهت بعد جولة واحدة (شندي)، وبعضها احتاج إلى جولات متعددة (عطبرة)، وبعضها لم ينته بعد (كسلا). كما تختلف مدة الاحتجاج، وأدوات الضغط، والجهات المخاطبة، وطبيعة المطالب. وهذا يعني أن الحديث عن “نمط متكرر” يحتاج إلى تحفظ: قد يكون هناك تشابه في بعض الآليات، لكن لا يوجد نمط واحد يفسر كل الحالات.

ولا ينبغي قياس التكرار من زاوية عدد مرات الإضراب فقط. فكل جولة احتجاج تحمل تكلفة على المحتجين وعلى الأطراف المتأثرة بها: التاجر يخسر أياماً من النشاط، والعامل أو الموظف قد يخسر دخلاً أو يواجه إجراءات إدارية، بينما يتحمل الطلاب والمرضى والمستهلكون جزءاً من آثار توقف الخدمة أو النشاط. لذلك فإن تكرار الاحتجاج قد يزيد قدرة المحتجين على الضغط، لكنه قد يزيد أيضاً كلفة الاستمرار ويؤثر في استعدادهم لجولة جديدة. والتسوية نفسها تحتاج إلى تقييم لا يقتصر على إعلانها. فخفض نسبة أو تأجيل دفع مبلغ قد يخفف الضغط مؤقتاً، لكنه لا يعني بالضرورة إزالة أصل النزاع إذا بقيت الرسوم أو آليات التحصيل أو شروط العمل كما هي.

ما تكشفه المقارنة حتى الآن ليس دورة موحدة يمر بها كل احتجاج، وإنما مسارات مختلفة للتكرار والتعليق والتسوية. ففي كسلا أدى التعليق إلى انتظار تنفيذ تعهدات لم تتحقق، فعادت اللجنة إلى التلويح بالتصعيد. وفي عطبرة تكرر الإغلاق التجاري ثلاث مرات قبل الوصول إلى اتفاق جزئي. وفي شندي انتهت الجولة الأولى إلى تفاهمات مع السلطات الضريبية، بينما أعقب احتجاج الدويم إجراء قانوني وإداري وتعليق للنشاط. أما إضراب أساتذة الجامعات، فقد عُلّق بقرار تنظيمي داخلي محدد المدة، ولا يمكن تقييم نتيجته قبل التحقق مما حدث بعد انتهاء فترة التعليق.

وهذه الفروق تجعل من الضروري عدم استخدام توقف الاحتجاج باعتباره دليلاً تلقائياً على نجاح التسوية. فالتسوية المستقرة لا تعني مجرد رفع الإضراب، وإنما تعني تنفيذ ما تم الاتفاق عليه أو تقريره، ومعالجة المطلب بدرجة تمنع عودة النزاع بسبب السبب نفسه خلال فترة يمكن رصدها. كما أن التكرار لا يثبت بذاته تراكم الخبرة التنظيمية؛ فذلك يحتاج إلى مؤشرات على تغير أساليب الاحتجاج، أو تطور القدرة على التفاوض، أو انتقال الخبرة بين الجولات أو المواقع.

ولا تزال أسئلة أساسية بلا إجابة في عدد من الحالات: هل نُفذت اتفاقات عطبرة وشندي بالكامل؟ هل ظهرت الزيادة التي عُلّق على أساسها إضراب معلمي كسلا؟ ماذا حدث بعد انتهاء فترة تعليق إضراب أساتذة الجامعات؟ وهل أدت الاستجابة لمحتجزي بورتسودان إلى تسوية مستقرة؟ كما لا نعرف بعد ما إذا كان تجار شندي قد تأثروا بتجربة عطبرة أو وصلتهم خبرتها بصورة مباشرة. هذه الأسئلة مهمة لأن التكرار قد يعني شيئاً مختلفاً تماماً بحسب ما إذا كان ينتج تغييراً في شروط النزاع أو يعيد إنتاج النزاع نفسه.

ولهذا تنتقل الحلقة التالية من سؤال التكرار إلى سؤال الاستجابة: كيف تتعامل السلطات والإدارات المختلفة مع الاحتجاج عندما يبدأ؟ هل تفاوض، أو تقدم تنازلات، أو تطلق وعوداً، أو تؤجل الاستجابة، أو تستخدم إجراءات إدارية أو أمنية، أو تتجاهل المطالب؟ وهل تختلف هذه الأدوات باختلاف القطاع ومستوى السلطة، أم تكشف الحالات عن منطق مشترك في إدارة الاحتجاج؟

النضال مستمر،،