الشعبويون لا يصنعون أغلبية


حازم كويي
2026 / 9 / 14 - 18:20     

غريس بلاكلي(*)
ترجمة: حازم كويي


يستند الخطاب الشعبوي إلى الآراء السائدة لدى الأغلبية، سواء تعلق الأمر بالسلام أو الإيجارات أو الهجرة، لكنه يواجه صعوبة في تشكيل أغلبيات جديدة. ولتغيير الآراء، وإيجاد وعي طبقي حقيقي، هناك حاجة إلى وسائل أخرى.

من المعروف أن تعريف مفهوم «الشعبوية» أمر صعب، ولا سيما لأن تعريفها يعتمد على التوجه الأيديولوجي للشخص الذي يعرّفها. أما الليبراليون، فينفرون من الشعبوية على أي حال. وهم يؤكدون عادةً أنها تقوم على بناء بلاغي لمفهوم «الناس» أو «الشعب» في مقابل عدو خارجي، سواء كان هؤلاء مهاجرين أو نخباً ثرية. ولذلك ينظر الليبراليون إلى الشعبوية باعتبارها سياسة انقسامية وخطيرة وغير عقلانية في جوهرها، وينبغي منعها بأي ثمن.
المشكلة في هذا التعريف هي أن جميع السرديات السياسية تقوم في الحقيقة على رسم حدود فاصلة بين «الأخيار» وبين الآخرين، أي العدو. فالليبراليون أيضاً لديهم عدو واضح: الشعبويون.
ويمكن تتبع هذا الموقف المناهض للشعبوية إلى جذور الفكر الليبرالي. فقد حذّر جون ستيوارت مل، في كتابه «عن الحرية»، من «استبداد الأغلبية». ومع صعود النيوليبرالية خلال العقود الماضية، تغيّر الخوف الليبرالي من الشعبوية. فالليبراليون اليوم يرون أن معظم مجالات الحياة الاجتماعية ينبغي أن تُنظَّم وفق منطق السوق. وبناءاً على ذلك، يتولى التكنوقراط وضع قواعد المنافسة والإشراف عليها. ولا ينبغي للمزاج العام لدى السكان أن يؤثر في هذه القواعد أو حتى أن يعرقلها.
لذلك ينظر الليبراليون المعاصرون إلى السياسة الشعبوية بريبة شديدة. وإذا أردنا تفسير هذه الريبة بحسن نية، فيمكن القول إنهم يرون أن قواعد الأسواق والديمقراطية هشة، ومن ثم يجب أن يحميها أشخاص يفهمون آليات عملها. ووفقاً لهذا التصور، فإن المحاولات الشعبوية لحشد الناس ضد عدو خارجي تؤدي إلى قرارات سياسية دون المستوى الأمثل، سواء تعلق الأمر بفرض ضرائب مفرطة على الأثرياء أو بفرض قيود صارمة على الهجرة. أما التفسير الأقل تسامحاً فهو أن هؤلاء الليبراليين يعتقدون ببساطة أن الغالبية العظمى من الناس لا تفهم ما هو الأفضل لها. ولذلك، ينبغي أن تتولى نخبة تكنوقراطية مستنيرة قيادتها وتوجيهها.

فراغ في قلب الديمقراطية
تجلّت هذه الرؤية مؤخراً لدى النائبة الديمقراطية في الكونغرس الأميركي هايلي ستيفنز، التي هاجمت خلال حملتها الانتخابية ضد المرشح اليساري الشعبوي عبد السيد أولئك الذين وصفتهم بـ«الشباب الرائعين»، الذين يسخرون منها على الإنترنت. وقد رأت ستيفنز نفسها باعتبارها الطالبة المتفوقة والذكية، وإن لم تكن من «الرائعين»، التي يتعين عليها الدفاع عن نفسها في مواجهة المتنمرين الرائعين، لكن الأغبياء الذين يضايقونها بسبب درجاتها الجيدة. وهذا يلخص إلى حد كبير الصورة التي يرسمها الليبراليون عن أنفسهم: إنهم المثقفون الذين يفعلون ما هو عقلاني، وإن لم يكن رائجاً أو مثيراً للإعجاب، بينما يقوم الشعبويون «الرائعون» بالتنمر عليهم.
قد تمنح هذه السردية القائمة على دور الضحية المؤسسةَ الليبرالية شعوراً بالطمأنينة. لكنها تحجب أكثر مما تفسر بالفعل. فتطور الأيديولوجية الليبرالية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطور العلاقات الاجتماعية الرأسمالية. وقد نشأت بوصفها أيديولوجية لطبقة صاعدة من الصناعيين والتجار، أرادت التخلص من نير الحكم الأرستقراطي. وكانوا يزعمون أنهم يريدون ضمان الحقوق الفردية، وإقامة حكومة تمثيلية محدودة الصلاحيات، وإرساء التجارة الحرة. لكن الحقوق، وحقوق التصويت كانت في الواقع مرتبطة بامتلاك الممتلكات، ولم تكن سلطة الحكومة محدودة إلا عندما يتعلق الأمر بحماية الفقراء، كما أن التجارة الحرة تعايشت دون مشكلة مع الإمبريالية والاستعمار.
وبعبارة أخرى، لم تكن الليبرالية تعني نهاية حكم النُخب، بل أتاحت ببساطة للطبقة الرأسمالية الصاعدة أن تتقاسم السلطة مع طبقة الأرستقراطيين القائمة. وكان من المهم في ذلك تقييد إمكانات «الجماهير» للمشاركة في عملية صنع القرار السياسي الديمقراطي تقييداًصارماً.
في البداية، جرى تقييد إمكانات المشاركة السياسية للجماهير العريضة من خلال الحد من حق التصويت وتقليص الحقوق الفردية. وبعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد مثل هذه القيود مقبولة، وبدأ عصر السياسة الجماهيرية. ثم ظهرت النيوليبرالية في ثمانينيات القرن العشرين، لتعمل على الحد من المشاركة السياسية الجماهيرية من جديد، لصالح نظام تكنوقراطي. وأصبحت مجالات كاملة من إدارة شؤون الدولة، ولا سيما ما يتعلق بإدارة الاقتصاد، تُعتبر حكراً على «الخبراء»، وفي هذا السياق جرى إلى حد كبير عزلها عن المساءلة الديمقراطية.
وقد أنشأ النظام التكنوقراطي النيوليبرالي فراغاً في قلب السياسة الديمقراطية، إذ أُسندت إلى التكنوقراط الليبراليين مسؤولية إدارة مجالات مختلفة من السياسة الاقتصادية، بدءاً من السياسة النقدية والتنظيم المالي وصولاً إلى قانون العمل. ولم يكن مفاجئاً أن تصب قراراتهم في مصلحة جماعات الضغط الأكثر تنظيماً ونفوذاً، والتي كانت تتمتع بوصول مميز إلى مراكز السلطة.
وفي ظل النيوليبرالية، لم تعد القرارات السياسية في العديد من المجالات الأساسية تعكس تفضيلات السكان. وكانت التدابير السياسية التي تحظى بشعبية تُرفض مراراً بحجة أنها لا تتوافق مع مبادئ السوق. وقد أدى هذا المسار المناهض للديمقراطية إلى أن يؤيد، على سبيل المثال، 80 في المئة من الناس في المملكة المتحدة اليوم تأميم شركات إمدادات المياه، في حين ترفض الأحزاب السياسية الكبرى رفضاً قاطعاً مجرد التفكير في اتخاذ مثل هذه الخطوة.
( بعيداً عن الخلط ،اليسار هو تيار فكري وسياسي واسع يهدف إلى تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية وتقليل الفوارق الطبقية، بينما اليسار الشعبوي هو شكل تكتيكي وحركي ضمن اليسار يتبنى خطاباً يواجه فيه "الشعب" (الطبقات العاملة والكادحة والمهمشة) في مواجهة "النخبة الفاسدة أو المؤسسة الحاكمة"، وغالباً ما يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية التقليدية لكسب تأييد جماهيري واسع.المترجم)
ويرى مؤيدو السياسة الشعبوية، سواءاً من اليسارأو اليمين من الطيف السياسي، أن الشعبوية تمثل رداً على هذا التآكل للديمقراطية. فالحكم الذي كان يُبرَّر حتى الآن بالاستناد إلى «خبراء» يُفترض أنهم محايدون، يعني في الواقع حكم نخبة فاسدة وغير خاضعة للمساءلة، تستخدم لغة تكنوقراطية لفرض سياسات تعود فائدتها، قبل كل شئ،عليها وعلى مموليها.
ويرفض الشعبويون هذا النوع من حكم الخبراء، ويؤكدون بدلاً من ذلك أن صياغة السياسات يجب أن تعكس «إرادة الشعب». لكن بما أن «إرادة الشعب» مفهوم غامض إلى حد كبير، فإن السياسيين الشعبويين يعملون عملياً على حشد الناس من خلال المطالبة بتدابير تحظى بشعبية واسعة في عدد محدود من المجالات، مع تجاهل جميع المجالات الأخرى.

ما يريده الناس
أرى أن الشعبوية تشهد صعوداً متجدداً لأن السياسيين الشعبويين، سواءاً من اليسار أو اليمين، يقدمون وعداً بسيطاً: سيمنحون الناس ما يريدونه بالفعل. وكما أوضحنا، تعطي الحركة الشعبوية الأولوية لمجال سياسي محدود، مثل تكاليف المعيشة أو الهجرة، وتتعهد ببساطة بفعل ما تريده الغالبية العظمى من الناس في هذا المجال.
وبناءاً على ذلك، يمكن لمشروع شعبوي يساري أن يستند إلى حقيقة أن الغالبية العظمى من الناس تريد خفض تكاليف المعيشة، ورفع الأجور، وتقليص الفجوة بين الفقراء والأغنياء. وفي المقابل، يمكن لليمين أن يبني مشروعاً شعبوياً على أساس أن معظم الناس في الغرب يطالبون بالحد من الهجرة، واتخاذ إجراءات صارمة ضد الجريمة، وانتهاج سياسة دفاعية حازمة.
ويرى بعض ممثلي اليسار أن الشعبوية اليسارية لا يمكن مقارنتها بالشعبوية اليمينية. فالشعبويون اليمينيون، في نهاية المطاف، يعملون في العادة لمصلحة النخبة التي استفادت من عقود من النيوليبرالية. ومن خلال التركيز على قضايا مثل الجريمة والهجرة، وطرح إجراءات تحظى بشعبية لكنها شديدة الانقسام، يتمكن الشعبويون اليمينيون من تأجيج الصراع الثقافي، وفي الوقت نفسه تمرير سياسات اقتصادية موالية لرأس المال من الباب الخلفي.
هذا صحيح بالطبع. لكنني لا أرى أن ذلك كافٍ للتمييز بين الشعبوية اليمينية والشعبوية اليسارية. فاليسار، من ناحية معينة، يتبع مشروعاً مشابهاً: إذ تتمثل الخطة هنا في إعادة توجيه انتباه الناس باستمرار إلى قضايا مثل عدم المساواة وتكاليف المعيشة، من أجل دفعهم إلى التصويت للأحزاب اليسارية، التي تقوم بعد ذلك بتطبيق سياسة اجتماعية تقدمية شاملة، لم تكن تحظى حتى الآن في كثير من الأحيان بأغلبية واضحة.
وهكذا، يحشد كل من الشعبويين اليساريين واليمينيين الناس على أساس أغلبيات قائمة تؤيد مقترحات سياسية معينة، سواء تعلق الأمر بفرض ضريبة على الثروة أو تشديد الرقابة على الحدود. ويحاول كل طرف جعل القضية التي تحظى بتأييد الأغلبية لديه هي القضية السياسية المركزية في الحملة الانتخابية.
لكن هناك فرقاً مهماً ، وهو أن تأييد القضايا المطروحة من جانب اليمين أقل من تأييد القضايا التي يطرحها اليسار. فعلى سبيل المثال، يرى 52 في المئة من الناس أن أعداد المهاجرين في المملكة المتحدة ينبغي خفضها، بينما يؤيد 70 في المئة فرض «ضريبة على القصور» على المنازل الفاخرة.
ولذلك، يتعين على اليمين أن يعتمد بدرجة أكبر على الإلهاء والتعتيم. فعليه أن يمنع الناس من الحديث عن عدم المساواة وعن سبل توفير حياة ميسورة التكلفة، من خلال إغراق وسائل الإعلام بقضايا الصراع الثقافي. وهو ينجح في ذلك عادةً إلى حد كبير، لأنه يمتلك موارد مالية أكبر بكثير.

من الشعبوية إلى الحركة
تكمن المشكلة الرئيسية في الاستراتيجية الشعبوية في أن مسألة «ما الذي يريده الناس حقاً» تتغير مع مرور الوقت. فعلى سبيل المثال، لا يرى اليوم في الولايات المتحدة سوى 29 في المئة من السكان أن الهجرة يجب أن تنخفض. وكانت هذه النسبة تبلغ 55 في المئة عام 2024. وفي الوقت نفسه، يعتبر اليوم 95 في المئة من الأميركيين أن ارتفاع تكاليف المعيشة يمثل «أزمة وطنية خطيرة». ويمكن القول إن الشعبويين اليمينيين في الولايات المتحدة أعطوا الناس ما أرادوه، لكن الناس أدركوا بعد ذلك أنهم كانوا يريدون في الواقع شيئاً آخر.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى في السياسة الشعبوية: فالشعبوية تفاعلية، فهي تستجيب لآراء الأغلبية القائمة بشأن قضايا معينة، لكنها لا تستطيع خلق أغلبيات جديدة. وبعبارة أخرى، يواجه الشعبويون صعوبة في حشد التأييد لتدابير سياسية لا يؤيدها الناس أصلاً. ولذلك يواجه الشعبويون اليمينيون مشكلات في قضايا مثل القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، بينما يواجه الشعبويون اليساريون مشكلات في قضايا مثل الهجرة. وبدلاً من بناء أغلبيات جديدة، يتجنبون ببساطة الحديث عن القضايا التي لا تحظى بتأييد الأغلبية.
لذلك، أعتبر السياسة الشعبوية سلاحاً في ترسانة اليسار، لكنها ليست علاجاً شاملاً. فانتخاب المرشحين اليساريين استناداً إلى خطابهم الشعبوي اليساري يمكن أن يسهم في حشد حركة سياسية، كما يمكن أن يساعد في تحقيق نجاحات سياسية حقيقية. لكن السياسة الانتخابية الشعبوية وحدها لن تقودنا إلا إلى حد معين. فمرة أخرى، لا يستطيع الشعبويون سوى الاستجابة لما يؤمن به الناس بالفعل؛ وهم ليسوا بارعين في تغيير الآراء. ونحن بحاجة إلى تغيير الآراء في العديد من القضايا.
إن تغيير آراء الناس بصورة متعمدة، بدلًا من انتظار أن تقوم الأحداث الخارجية بذلك، أمر بالغ الصعوبة. وكما أوضحت عالمة السياسة سارة شتاين لوبْرانو، في كتابها الرائع «لا تتحدث عن السياسة»، فإن تغيير الرأي بهذه الطريقة أمر صعب لأن الرأي الشخصي في القضايا السياسية يشكل جزءاً أساسياً من هوية الإنسان. وعندما يغيّر الناس آراءهم بالفعل، فإنهم غالباً لا يفعلون ذلك لأنهم سمعوا حجة مقنعة بشكل استثنائي أو خطاباً ألقتْه سياسية تتمتع بكاريزما استثنائية.
وفي بعض الأحيان، كما في المثال السابق المتعلق بالهجرة في الولايات المتحدة، يغيّر الناس آراءهم بسبب أحداث واقعية، كأن يشاهدوا مثلاً جيرانهم وهم يتعرضون للاعتقال على يد عناصر وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية. لكن لا يمكن لليسار أن يعتمد على الأحداث كي تغيّر آراء الناس نيابةً عنا. علينا أن نتعلم كيف نقنع الآخرين. ويُظهر كتاب لوبْرانو، أن الناس لا يقتنعون بالحجج المُجردة، بل يغيّرون آراءهم عندما يبنون علاقة قائمة على الثقة مع شخص يحمل قناعة سياسية مختلفة، ثم يخففون من حدة مواقفهم مع تعمق هذه العلاقة.
ولا يوجد بديل عن هذا النوع من بناء الحركات من القاعدة إلى القمة، والقائم على العلاقات. نعم، يمكن للحملات الانتخابية الشعبوية أن تحشد الغالبية العظمى من الناس من أجل رفع الأجور، وخفض تكاليف المعيشة، وزيادة الضرائب على الأثرياء، بل ويمكنها، بدرجة أقل، أن تحشدهم أيضاً ضد الإمبريالية. لكن الشعبوية وحدها لا تستطيع بناء حركات قادرة على تغيير آراء الناس، وبالتالي سلوكهم، على المدى الطويل.
ولا يقتصر بناء الحركات، بهذا الشكل الواسع والعميق، على كسب الناس لصالح سياسة اجتماعية تقدمية. بل يتعلق الأمر بإنشاء حركات قوية وفاعلة قادرة على الدفاع عن جميع الأهداف السياسية لليسار، بما في ذلك الأهداف التي تحظى حالياً بشعبية أقل. إن بناء الحركات شرط لا غنى عنه للاشتراكية. وهذا أكثر تعقيداً بكثير من الشعبوية اليسارية، لكنه الطريق الوحيد لبناء وعي طبقي حقيقي.


غريس بلاكلي(*): هي خبيرة اقتصادية ومؤلفة للعديد من الكتب، بما في ذلك "مسروق: كيف ننقذ العالم من الرأسمالية المالية" و "ميلاد الحرية من روح الاشتراكية".