في بحث اسباب فشل توحيد اليسار التونسي
سامر بن عبد السلام
2026 / 9 / 10 - 08:17
إنّ فشل المحاولات المتكررة لتوحيد اليسار التونسي يحتم علينا البحث عن إجابة لسؤال: ما سبب هذا الفشل؟ وهو فشلٌ لا يمكن، في رأيي، إرجاعه إلى سببٍ واحد دون سواه، بل هو نتيجةٌ لتضافر عدة عوامل:
-أولاً: النزعة العصبوية التي وصمت مختلف تشكيلات ومجموعات اليسار؛ فهي ليست إلا جزرًا نخبوية ضيقة تأسست في البداية كحلقات مغلقة، لم تتجه إلى الكادحين ولم تنخرط في نضالاتهم، فبقيت معزولة عن الجماهير ومنكفئة على نفسها. وهنا نجد أنفسنا أمام الكيانات المغلقة التي تحتكر الحقيقة وترفض كل من يخالفها؛ وهو وهمٌ جليّ لسبب بسيط، إذ لا وجود لحقيقةٍ دون ممارسة اجتماعية. وهذا الانسداد يقود إلى الإقصاء المتبادل بين هذه المجموعات، وما يزيد هذا الإقصاء حدةً هو مرض «الزعامتية»؛ ذلك السرطان الذي ينخر هذه الأحزاب من الداخل. فالارتباط بالزعيم داخل هذه التكتلات العقائدية يتخذ شكلاً إيمانياً غير عقلاني أشبه بارتباط «الحشاشين» بزعيمهم حسن الصباح؛ وكما لا يقبل المريد شيخاً يزاحم شيخه، كذلك لا يقبل المنتمين لهذه الأحزاب من ينافسهم زعمائهم في نفوذهم.
-ثانياً: شبكة العلاقات التي كونتها هذه الأحزاب على مدار السنوات؛ فهذه المجموعات وتحت نير الاستبداد انقسمت، فتوزّعت بين العمل النقابي، والمجال الحقوقي والثقافي، وصولاً إلى أجهزة الإدارة ومؤسسات الدولة. وقد اتخذت هذه المجموعات موقفها من المسار السياسي وفقاً لشبكة العلاقات التي نسجتها والتي تحمي من خلالها مصالحها، وهو ما نراه اليوم جلياً في حالة الاستقطاب الثنائي:(هل انت مع المسار ام خارجه)؛ فكل خيار أصبحت له أطره وممارساته وشبكاته، وأصبح الدخول في مشاريع وحدة مع باقي المجموعات يخلق تعارضاً ومشاكل مع امتداداتها النفعية.
-ثالثاً: البيروقراطية الحزبية التي تتضرر مصالحها من قِبل أي مبادرة لتوحيد اليسار؛ فالتوحيد يعني بالضرورة التفكير، والنقاش، وإبداع التصورات، والنقد. وكل هذا يحرّك المياه الراكدة داخل هذه المجموعات، ممّا يهدّد المنظومة البيروقراطية التي لا تعيد إنتاج نفسها إلا عن طريق الركود، والمواقف الجاهزة، والطاعة. بل إنّ هذه البيروقراطية تخشى حتى أيّ مبادرة للتوحيد تنشأ خارج أسوارها، لسبب بسيط و هو أنّ حالة الصحوة الخارجية ستنعكس على قواعدها في الداخل؛ لذلك فهي لا تتوانى عن التقليل من شأن أي مبادرة توحيدية، بل تعمد إلى تشويهها وهرسلة القائمين عليها.
-رابعاً: ضعف وضحالة القواعد الشبابية والغياب التام للطبقات المهمشة. فمن الذي سيدفع نحو مبادرات التوحيد داخل هذه الأحزاب؟ بالتأكيد ليست القيادات البيروقراطية. إذن، من يتبقى؟ الطبقات المهمشة والكادحة غائبة تماماً، وكما أشرنا سابقاً، هي لا تعرف أصلاً بوجود هذه الأحزاب. أما القواعد الشبابية، فهي ليست سوى مجموعات صغيرة تلتحق بهذه الكيانات لأسباب شخصية (سنتطرق إليها في مناسبة أخرى) وليس عن قناعة فكرية. هذا الشباب يفتقر إلى روح الخلق والإبداع؛ بل تحوّل إلى قطيع يتبع راعيه، ويدعم البيروقراطية والركود لكي لا يطالبه أحد بتقديم بدائل وتصورات. ويعود ذلك لسببين: أولاً، لانتهازيته، وثانياً، لكونه في أغلبه شباباً غير متكوّن سياسياً ومعرفياً، ويعجز عن تقديم أفكار خلاقة، إذ تربّى داخل هذه الماكينات الحزبية على مجرد ترديد الشعارات الجاهزة