مأساة أحمد عرابي !!
حسن مدبولى
2026 / 9 / 9 - 12:06
في التاسع من سبتمبر تحتفظ ذاكرة مصر بوقفة تاريخية قارب عمرها قرن ونصف القرن، كانت تحمل الأمل فى الحرية والكرامة وترسيخ قيم العدالة والاستقلال ،
ففي التاسع من سبتمبر عام 1881، وقف أحمد عرابي، ابن الفلاح المصري من «هرية رزنة» بالشرقية، أمام قصر عابدين في مواجهة الخديوي توفيق، حاملاً مطالب الجيش والأمة. لم تكن وقفة عسكرية عابرة، وإنما لحظة انفجر فيها غضب المصريين ضد التمييز والفساد والتدخل والامتيازات الأجنبية، وتحولت الحركة العرابية إلى ثورة ذات امتداد شعبي وسياسي واسع، رفعت شعار «مصر للمصريين».
إلا أنها، كعادة كثير من الثورات المصرية الحديثة، انتهت إلى الهزيمة المرة.
ومن المهم القول إن تلك الثورة العظيمة والفريدة ــ أو «الهوجة» كما يحلو لبعض خصومها تسميتها ــ لم تُهزم بالسلاح وحده، فقد كان عرابي محاطًا برجال نبلاء من أبرز رفاقه المخلصين النابهين، مثل محمود سامي البارودي، وعبدالعال حلمي، وعلي فهمي، ومحمود فهمي، ويعقوب سامي، وطلبة عصمت، وعبدالله النديم وغيرهم، ممن دفعوا أثمان مشاركتهم في الثورة من حريتهم وأمنهم وأموالهم ومستقبلهم.
وكان محمود سامي البارودي أكثر من مجرد رفيق سلاح؛ فقد كان أحد أبرز رجال الثورة، جمع بين العسكرية والسياسة والشعر، أما عبدالله النديم فكان صوتها المدنى الشعبي وخطيبها الذي حمل أفكارها إلى الناس،
لكن الثورة تلقت في الوقت نفسه طعنات قاتلة من الداخل.
وكان سلطان باشا أبرز هذه الطعنات وأكثرها دلالة. فقد كان رئيسا لمجلس شورى النواب وواحدًا من أصحاب المكانة والنفوذ، ووقف في البداية إلى جانب الثورة، ثم انقلب عليها عندما اشتد الصراع. وفي اللحظات الحاسمة، ترك سلطان صف عرابي، بل وسعى إلى إضعافه وحشد الأعيان والقبائل ضده، وارتبط اسمه بالتحريض على التخلي عن الثورة والعودة إلى طاعة الخديوي.
وهكذا لم يكن خطر سلطان باشا في كونه عدوا لفكرة الثورة فحسب، وإنما في أنه كان رجلًا من داخل المشهد الوطني، تظاهر بالانتماء للثورة حتى امتلك نفوذًا وثقة، ثم استخدمهما في الاتجاه المعاكس عندما كانت الثورة في أشد لحظاتها احتياجًا إلى التماسك.
ولم يكن سلطان باشا وحده. فقد تحدثت المصادر عن ضباط وأشخاص نقلوا معلومات إلى القوات البريطانية أو تخلوا عن مواقعهم في لحظات حاسمة، وعن آخرين رأوا في التدخل الأجنبي وسيلة للخلاص من عرابي وأتباعه الثوريين ،
فعرابي لم يواجه الإنجليز وحدهم؛ بل واجه أيضًا شبكة من المصالح والولاءات والانقسامات، وأناسًا رأوا في الأجنبي حليفًا للخلاص من الثورة، حفاظا على مصالحهم ، حتى ولو كان الثمن أن تصبح مصر نفسها أسيرة لذلك الأجنبي.
ثم جاءت الهزيمة في التل الكبير في 13 سبتمبر 1882، فسقطت الثورة، ودخل الاحتلال البريطاني مصر.
وكالعادة، لم تكتفِ الهزيمة بإسقاط الثورة، بل بدأت بعدها عملية تحميل المهزوم مسؤولية الكارثة كلها. فحوكم عرابي ورفاقه، وصدرت ضدهم أحكام بالإعدام قبل تخفيفها إلى النفي في جزيرة سيلان، حيث أمضى عرابي سنوات طويلة بعيدًا عن وطنه، وبينما ظل الكثيرون من انصار الثورة على عهدهم مثل البارودى والنديم وتقبلوا وتحملوا بصبر وجلد نتائج اخفاقها حتى النهاية، إلا أن الأكثر ألمًا أن عرابي نفسه ، عندما عاد إلى مصر عام 1901، لم يعد هو الرجل نفسه الذي وقف في عابدين قبل عشرين عامًا.
فقد ظهرت في السنوات الأخيرة التى تلت عودته، مواقف وتراجعات أثارت جدلًا كبيرًا، من بينها رسائل التماس العفو، وما نشرته صحف موالية للاحتلال عن اعتذاره، وما نُسب إليه من إظهار الندم على الثورة، بل والإشادة ببعض مظاهر الحكم البريطاني وتحضره.
وهى مأساة لا ينبغي تجاهلها، فلها مغزاها التاريخى والواقعى، وتعكس محتوى الصفحة الأخرى من حياة الرجل، فالإنسان قد يضعف بعد الهزيمة والمنفى ومرارة السنين ، لكن الاستسلام أمر آخر،كما أن الموقف الأخير يصبح فى لعبة السياسة هو الموقف النهائى !؟
وهنا ربما تكمن معضلة عرابي الكبرى فقد بدأ رمزًا لأمل كبير، ثم عاد من منفاه وقد فقد شيئًا عزيزا من ذلك الأمل، وكأن الهزيمة لم تنتصر على الثورة وحدها، وإنما تركت ندوبها في نفوس بعض الذين صنعوها.
و بين عرابي الذي وقف في عابدين، ثم استسلم فى النهاية ، وبعد مرور مايقارب القرن ونصف القرن، يبدو أن الحكاية لم تتغير كثيرًا، فباتت تتراوح بين لحظات يعلو فيها الأمل، ثم تأتي الهزيمة أو الردة لتعيد طرح الأسئلة القديمة من جديد، وهكذا، فمأساة مصر لاتكمن في غياب لحظات المقاومة أو الأمل، وإنما في عجز تلك اللحظات المجيدة عن التحول إلى مسار مستقر يحمي ما تحقق، ويمنع الارتداد .