رجال حول المقاومة - يحيى السنوار-
رضا لاغة
2026 / 9 / 6 - 16:02
في مرحلة تاريخية مفصلية ألقت بظلالها على القضية الفلسطينية التي تضاءلت تجلياتها المطلقة في سماء السياسة العالمية... خرج رجل من غياهب سجن الاحتلال بحس نضالي واقعي واجتهاد صلب مستحضرا أوجاع الأسرى وأنينهم المكتوم
من النظرة الأولى حين وقعت عليه عدسة الاعلام لتبادل الأسرى سنة 2011، تدرك أنه يتمتع بسلطة روحية شاملة. قضى 23سنة في سجون الاحتلال ولكنه لم يخرج مطأطأ الرأس، بل ظهر بوجه شامخ منير وغريب... كأنه آت من بعيد ليغيّر وتيرة الأحداث...
في الصورة والصوت والكلمة كان هذا الوجه العائد تشحنه شِعرية المقاومة ونظرته تغوص في ديمومة النزال والممانعة.
اليوم مضى على مرقده في دار السلام سنة وبضعة أشهر (1أكتوبر 2024)، غير أن أنغام بطولته الخالدة ،مزّقت أكفانه ليبقى شامخا منتصبا كنجمة قطبية في سردية المقاومة والأذهان الموروثة لفكر ممانع يطرب لأنشودة :تحرير فلسطين.
ما أراك أيها القارئ الكريم، إلا وقد أيقنت من أعني... نعم إنه يحي السنوار... بطل من الماضي والحاضر، يعبر بنا نحو المستقبل ليخوض معركة الشرف ومغامرة العبور نحو طرد الغزاة والكيان الغاصب.
وقبل أن نشرع في مصاحبة هذه الشخصية الاسلامية العجيبة، فليس يفوتك أيها القارئ ، إفادات الاسرى وقصصهم حول التنكيل الذي نُسِج ومورِس في أزمنتنا المعاصرة من قبل الصهاينة الذي انغمسوا بعيدا في حبكة الموت اللارحيم في حق أسرانا... والسؤال الاهم لتعرف طينة ومعدن من نتحدث عنه هو :كيف خرج بتلك النظرة اللامعة وقد عانى ما عانى من أسر لأزيد من عقدين من الزمن؟
عجيب أمرك أيها القائد الفذ، ظللت متعلقا بروابط الفداء ،ربما لأن فلسطين عندك ليست مجرد مكان أو قطعة من الجغرافيا التي تتشكل منها صورة وجسد الأمة والعالم،وإنما ميراث رمزي يسكن ويحلُّ في الكينونة.
ربما تكون مشهدية خروجك من السجن وملحمية المواجهة يوم استشهادك، غير قابلة الوصف بالكلمات ولعلها تتجاوز اللفظ الاغريقي katharsis بما يحيل اليه من نقاء وتطهّر...
هدم الغزاة غزة ووضعوا فيها عدة الحرب الهمجية ورابطوا في انقاذها... وفي فُسحة المكان... من داخل الانفاق... انهدمت عليهم آلاتهم واحترقت... كنت تدير المعركة بجلد وصبر...
بدأت مكانته تزلزل العدو حين اكتسحت طلائع حماس المجال الجوي بطائرات شراعية مبتكرة، لأمتن ثكنة حشد صهيوني بالاراضي المحتلة... فكان يوم 7أكتوبر من اغرب ما يمكن أن ترى :غبار أبيض وأصوات هائلة تترجى الرحمةو اسرى بأعداد تفوق الخيال...
كان ذلك بمثابة تحلل ابستيمي لسردية الجيش الذي لا يقهر... وبتلبيس المفاهيم، كانت ضربة 7أكتوبر، نهاية سجل بصري درامي لتفوق الكيان الغاصب واذلاله في عالم دراما الممكن للفكر المقاوم.
مهما يكن السؤال عن مآلات هذه المغامرة العسكرية التي غيرت حجر المعادلة الاستراتيجي على صعيد عالمي وليس فقط في المنطقة العربية، فإن الذي يعنينا في هذا المقام من الجمالية الخادعة للتطبيع الي استراتيجية ضمير الامة والعالم المتكلم باسم فلسطين.
معذرة أيها القائد الهمام لخذلان الانظمة العربية فقد وسمت كيانها بميسم الخنوع... وهاهي ذات المعركة اليوم تتمدد لتحصد النصر وتنتهي سطوة النفوذ الصهيو - امريكي باصرار الأحرار من أهل بيت المقاومة في لبنان واليمن والعراق وجمهورية الإسلامية الايرانية... معركة رفيعة بأتم معانيها ملامحها تحمل وجهك... أجل ذات الوجه وتلك النظرة اللامعة الشامخة التي استيقنت بالنصر في الآفاق.
إن قارئ سيرتك تنفلت منه الكلمات فلا يعرف كيف يُرتبها... كيف لا وأنت الذي ولدت في خان يونس التي يفوح عبق عطرها في الرحاب... خلفت الشهيد اسماعيل هنية كقائد لحركة حماس وأنت حقيق بالقيادة، فجذورك تعود إلى مدينة المجدل عسقلان التي هُجِّر منها أهلك بعد حرب 48.
حزت علي الأستاذية في اللغة والآداب العربية ،فكنت رجل الساحات والميادين ومُحبا للنخوة الأبدية التي أفصحت عنها في روايتك"الشوك والقرنفل" بتنويعات إبداعية مُلهمة...
كان وعيك المقاوم يبحث عن التوحيد مذ شاركت في تأسيس جهاز الامن والدعوة سنة 1985 قبل ولادة حماس... قبعت في غياهب السجون منذ 1988،ولكنك مكثت تخطط لشيء جديد يُحكى فيما بعد، تعلمت العبرية واتقنتها بطلاقة فأكسبك ذلك قدرة وحساسية لفهم البنية الذهنية للخصم. شرعت في انهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني مع حركة فتح وكنت أحد صانعي وثيقة الوفاق الوطني للأسرى سنة 2006...
لتعلم أيها الشهم الأصيل أن رحيلك ليس خسارة خطية لحركة حماس التي فقدت قائدا عُرف بصلابته وخبرته العميقة بالداخل الصهيوني ،وإنما يتعدّى ذلك ليشمل كونية اندماج الفكر المقاوم الذي لا يأبه بالاصطفاف المذهبي ويكسر نمطية انتساب المقاوم لعلبة الواقعية وتقبّل الممكن... لقد كسرت عزيمتك عنفوان الصورة التي حجبت القضية الفلسطينية عن وسائل الاعلام العالمية الى الغوص أكثر في ابعاد الفكرة الصارخة:نحن هنا وفلسطين ضاربة في عمقنا